كيف تهدد حرب الرسوم التجارية الطموح الصيني في العالم

الصراع يهدد بتأخير أو تعطيل خطط بكين الاقتصادية، وحكومة الرئيس شي جين بينغ تعتبر استمرار تهديدات ترامب أكبر تهديد مادي لتوقعات نموها التجاري.
الأربعاء 2019/05/15
طموح صيني واضح في الهيمنة على مجال التكنولوجيا

تهدف الرسوم التجارية التي فرضتها الولايات المتحدة على الصين إلى لجم طموحات بكين في أن تكون اللاعب المهيمن والمنافس الرئيسي عالميا في مجال التكنولوجيا. ولا تبدو الحكومة الصينية مستعدة للخضوع للضغوط الدولية المرافقة لحرب الرسوم التجارية، فأي تراجع عنها يعني تأخرا أو تعطيلا لخططها الاقتصادية في وقت تحتاج فيه بكين إلى الحفاظ على ارتفاع الدخل ووقف هجرة الشركات وهو ما يضمنه لها الحفاظ على موقعها في مجال الاتصالات والذكاء الاصطناعي وغير ذلك من المجالات التكنولوجية الأخرى.

بكين - تهدد حرب الرسوم التجارية الصينية المكثفة مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب طموحات بكين التي تسعى إلى تحويل نفسها إلى لاعب مهيمن في التكنولوجيا العالمية.

وبالنسبة للصين، تعد الولايات المتحدة مستهلكا حيويا ومصدرا لصانعي الإلكترونيات والمعدات الطبية والمواد الأخرى ذات التقنيات المتطورة، وهي صناعات يعتبرها الحزب الشيوعي الحاكم بمثابة القلب النابض لمستقبله الاقتصادي.

تهديد في مجال الصناعة

ترى إدارة ترامب، من الناحية المقابلة، في البلد الآسيوي تهديدا للقيادة الأميركية في مجال الصناعة.

وتمكنت بكين من الحفاظ على تواصل نمو الاقتصاد الصيني على الرغم من انخفاض صادراتها المتجهة إلى الولايات المتحدة. وقد حققت ذلك عبر زيادة الإنفاق الحكومي والإقراض المصرفي. لكن مصدري التكنولوجيا في الصين عانوا من انخفاضات هائلة في المبيعات تصل إلى 40 بالمئة، مما خفض من الأرباح المخصصة للأبحاث التكنولوجية.

وتعمق حرب الرسوم التجارية الألم الذي تشعر به العديد من الشركات الصينية. وتواجه هذه الشركات بالفعل مقاومة شديدة في الولايات المتحدة وأوروبا، التي تعمل على الحد من استحواذها على التكنولوجيا من خلال بعث مشاريع مشتركة مع شركات أجنبية أو تنفيذ عمليات شراء مباشرة بتمويل من البنوك الحكومية.

بريان كولتون: زيادة الرسوم على واردات الصين أكبر تهديد لتوقعات نموها
بريان كولتون: زيادة الرسوم على واردات الصين أكبر تهديد لتوقعات نموها

وقال راجيف بيسواس، كبير الاقتصاديين المختص بمنطقة آسيا والمحيط الهادي لدى “آي.إتش.أس ماركت”، إن الصين قد تضطر إلى اتخاذ الطريق الأصعب لتطوير المزيد من تكنولوجيتها الخاصة، دون الحاجة الملحة إلى الاعتماد على الشركاء الأجانب وأصحاب الخبرات الإدارية العملية. وأكد على أن “هذا المسار قد يكون الأبطأ”.

وتضخ الحكومة والشركات المليارات من الدولارات لصالح مجال البحوث التكنولوجية. وأنفق عملاق الاتصالات الصيني “هواوي”، الذي ما فتئ نشاطه يمتد على المستوى العالمي، 15 مليار دولار العام الماضي ليتجاوز بذلك إنفاق شركة “أبل” الأميركية المتخصصة في نفس مجالاته.

وساعد كل هذا الصين على تأكيد موقعها في مجال الاتصالات والذكاء الاصطناعي وغير ذلك من المجالات التكنولوجية الأخرى. ومع ذلك، تدّعي الولايات المتحدة وأوروبا واليابان وحكومات أخرى أن نجاحات بكين جاءت من سرقة التكنولوجيا أو الضغط على الشركات الأجنبية لتسليم أسرارها التجارية. وتحاول واشنطن دفع بكين إلى التراجع عن خططها لإنشاء منافسين عالميين تابعين لحكومتها في مجال الروبوتات والسيارات الكهربائية والذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة. ويجادل شركاء بكين التجاريون، في المقابل، بأن هذه الخطط تنتهك التزاماتها بفتح أسواقها الاستهلاكية والتجارية الواسعة.

منع الاستحواذ الصيني على التكنولوجيا
حرب الرسوم التجارية الألم الذي تشعر به العديد من الشركات الصينية

ويضاعف الصراع التحديات التي تواجه حكومة الرئيس شي جين بينغ، إذ تهدد بتأخير أو تعطيل خططها الاقتصادية. ولا يبدو قادة الصين مستعدين للخضوع إلى الضغوط، فهم بحاجة إلى صناعاتهم التقنية للحفاظ على ارتفاع الدخل. وهاجر العديد من منتجي المنسوجات والأحذية والألعاب إلى فيتنام وكمبوديا وبلدان أخرى، ولا ترغب الصين في إتباع نهج من شأنه أن يفاقم الوضع. ورد الحزب الشيوعي، الحاكم في الصين، على التراجع الاقتصادي الذي شهدته البلاد العام الماضي بتصعيد الإنفاق والإقراض.

وعكس هذا الجهد حملة للحد من الاعتماد على الديون، التي ارتفعت إلى درجة أن هيئات التصنيف خفضت تصنيف الصين الائتماني. وفي السياسات الممتدة خارج حدود البلاد، اضطر الرئيس الصيني إلى إدخال إصلاحات على مبادرة “الحزام والطريق” القائمة على أنقاض طريق الحرير والتي تبلغ تكلفتها المليارات من الدولارات.

كما عملت حكومة الرئيس الصيني على تسوية عدد من القروض ردا على شكاوى من ارتفاع ديون بعض الدول. واندلعت حرب الرسوم الجمركية على مدار سنوات مع العجز التجاري بين الولايات المتحدة والصين، بالإضافة إلى تشكي إدارة ترامب والعديد من خبراء التجارة المستقلين من سياسات بكين التي اتهموها بالتورط في ممارسات غير مشروعة، بما في ذلك سرقة التكنولوجيا. واستهدفت العقوبات الأميركية الأولى البضائع الصينية ذات التكنولوجيا المتطورة التي قال مسؤولون أميركيون إنها ازدهرت من دعم غير سليم. واشتد هذا الصراع مع زيادة ترامب لرسوم الصادرات الصناعية الصينية الجمركية، من حقائب اليد والأثاث إلى مختلف السلع الأخرى.

لجم الاستحواذ الصيني

زادت هذه الرسوم المرتفعة من خطر فقدان الوظائف، وهو خطر سياسي بالنسبة إلى حزب غير منتخب يستمد سلطته من إدارته لثلاثة عقود من النمو الاقتصادي الهائل. وقال بريان كولتون، كبير الاقتصاديين في وكالة فيتش للتصنيف الائتماني، إن تأثير رفع الرسوم الجمركية “متواضع نسبيا”.

وأضاف أن الصين ستعتبر استمرار تهديدات ترامب بزيادة الرسوم على جميع وارداتها المتبقية بعد يوم من زيادة الرسوم من 10 بالمئة إلى 25 بالمئة، بمثابة ” أكبر تهديد مادي لتوقعات نموها التجاري”. وحذر من تجدد الضعف في الصين قائلا إنه سيثير مخاوف السوق المالية من مخاطر النمو العالمي.

وقال تشانغ ليفانغ، المعلق السياسي المستقل في بكين، إن موقف شي الشخصي قد تأثر بسبب تباطؤ النمو وقرار إلغاء حدود ولايته كرئيس. وأكد أن هذين الأمرين يرهقانه اقتصاديا وسياسيا. وتعمل الولايات المتحدة وأوروبا على زيادة تكلفة وتعقيد الاستحواذ الصيني على التكنولوجيا الأجنبية أو منعه تماما.

وفي أكتوبر، وافق الاتحاد الأوروبي مبدئيا على قواعد الكتلة التجارية الأولى في ما يتعلق بالاستثمارات الأجنبية في القطاعات الحساسة. وجاءت هذه الخطوة بعد انتقاد شراء الصين لمصنّعي التكنولوجيا الأوروبيين الذين يعتبرون أصولا وطنية حيوية، بما في ذلك صانع الروبوتات الألماني “كوكا”.

الصين قد تضطر إلى اتخاذ الطريق الأصعب لتطوير المزيد من تكنولوجيتها الخاصة
الصين قد تضطر إلى اتخاذ الطريق الأصعب لتطوير المزيد من تكنولوجيتها الخاصة

كما استحوذ المشترون الصينيون على شركة فولفو للسيارات السويدية، والمورد السويسري للتكنولوجيا الزراعية “سينجنتا”، وبعض الفروع التابعة لشركة “آي.بي.أم” التي تعمل في مجال تصنيع وتطوير أجهزة الكمبيوتر والبرمجيات.

وفي الولايات المتحدة، تدخل ترامب معترضا على إدماج شركتي “برودكوم” و”كوالكوم” لصناعة المعالجات الدقيقة، موضحا أن ذلك يضرّ بالأمن القومي لبلاده.

ويحوّل مصنّعو الإلكترونيات والسلع الأخرى الأجانب استثماراتهم إلى جنوب شرق آسيا لخفض تكاليف إنتاجهم، مما يضر بالطلب على موردي قطع الغيار الصينيين ويقلص من الإيرادات التي سيستخدمونها لتطوير تكنولوجيتهم.

وقال بيسواس “قد تقرر مجالس إدارة الشركات متعددة الجنسيات، بما في ذلك الشركات الصينية، أنها تحتاج إلى قدرة أوسع على التصنيع خارج الصين لتقليل هذا الخطر”. ويمكن أن يخلق هذا التحول، الذي سرعت الضغوط الأميركية الجمركية فيه، تداعيات غير متوقعة للاقتصادات الآسيوية الأخرى. وترى الرئيسة التايوانية، تساي إنغ ون، أن الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين تساعد حكومتها من خلال استعادة المصنعين الذين انتقلوا إلى بلادها بحثا عن رسوم جمركية أقل. وقالت “يكمن هدفنا في تسريع عودة رجال الأعمال التايوانيين لإعادة بناء سلسلة إمدادات ذات قيمة مضافة عالية، ولتشجيع صناعاتنا على التطور”.

7