كيف تهدد سياسات الأمن الرقمي حقوق الإنسان

الدول العربية تبدو في سباق مع الزمن من أجل التوفيق بين تحقيق الأهداف الأمنية وترك مساحة الخصوصية للأفراد.
الثلاثاء 2020/10/27
مكافحة الإرهاب والمراوحة بين الأمن وحماية الحريات

تحتل قضية تهديد سياسات الأمن الرقمي لحقوق الإنسان مركز الصدارة في العديد من المناقشات داخل مراكز الأبحاث وحتى المؤتمرات والندوات الدولية مع الطفرة التكنولوجية الهائلة التي تريد الحكومات استغلالها للسير في طريق تحقيق مستوى عال من الأمن في ظل المخاوف من الهجمات الإرهابية.

لندن – يعد الأمن الرقمي قضية شاملة تتعلق بتطوير تكنولوجيا المعلومات وتظهر المزيد من الفرص الجديدة من أجل تحقيق الأهداف وكلها لها جوانبها الإيجابية والسلبية أيضا وأكثر ما يثير الجدل حولها هو علاقتها بحقوق الإنسان وأحقية الأفراد بالتمتع بالخصوصية.

وإضافة إلى الجوانب الفنية والاقتصادية لهذه القضية، هناك أنواع قانونية وإنسانية لها نفس القدر من الأهمية، خاصة تلك التي تتعامل مع تقنيات جمع البيانات الشخصية للأشخاص، مع أنظمة التتبع والمخاطر الكامنة في تطوير الجوانب الأخرى لتكنولوجيا المعلومات.

ويتحدث المحللون دائما عن عدد من الجوانب السلبية للانتشار الفعال للرقمنة وتطورها، مثل التنمر والتشهير في الشبكات الاجتماعية والتلاعب بآراء الناس من خلال الدعاية والسياسة، والمراقبة والمشكلة الشخصية ذات الصلة. وفضلا عن ذلك هناك مسألة حماية البيانات والاحتيال الإلكتروني والرقابة التي تمارس في الفضاء الرقمي من قبل الشركات التجارية.

وما تتم مناقشته اليوم هو كيفية تطوير الإنترنت والذكاء الاصطناعي، فروسيا، التي تعرف بقمعها لحقوق الإنسان لا يمكن أن تكون لديها نسخة خاصة في هذا المجال، كما أن الصين أيضا، التي لطالما تلقت انتقادات من منظمات حقوق الإنسان لا تراعي خصوصية الأفراد، على عكس دول أخرى مثل الولايات المتحدة أو دول الاتحاد الأوروبي، التي تعتبر حقوق الإنسان أولوية قصوى.

وليس بعيدا عن ذلك المجال، تبدو الدول العربية في سباق مع الزمن من أجل التوفيق بين تحقيق الأهداف الأمنية وحماية المعطيات الشخصية وترك مساحة لخصوصية للأفراد، فدول مثل الإمارات وتونس والمغرب تعمل على هذا السياق منذ فترة وقد وصلت إلى مراحل متقدمة من تأسيس الهيئات والمؤسسات التي تسهر على هذا الجانب.

هناك قناعة سائدة لدى المدافعين عن حقوق الإنسان أن الدولة مطالبة بالقيام بدورها وبتطبيق القانون، وهذا لا يعدّ انتهاكا لحقوق الإنسان وللحريّات

وعند الحديث عن النموذج الصيني، كمثال على عدم احترام الخصوصية في تحقيق هدف الأمن، فإن ذلك يعني سيطرة الحكومة الكاملة على جميع موارد الإنترنت العاملة في الدولة عن طريق تصفية الكلمات الرئيسية لصفحات الويب، ومن خلال القائمة السوداء لعناوين مواقع الويب وهو ما يسمى بـ”جدار الحماية العظيم في الصين”.

وبالنسبة للنموذج الأميركي، تعتمد العديد من موارد الإنترنت هناك بشكل كبير على الأجندة السياسية الحالية فقط تذكر أمر الرئيس ترامب بحظر الشبكة الاجتماعية الصينية تيك توك بزعم سرقة البيانات الشخصية للأميركيين.

ويعتقد إيغور أشمانوف، الرئيس التنفيذي لشركة أشمانوف وهي شركة متخصصة في التسويق عبر الإنترنت من خلال ما قاله لمجلة “موديرن ديبلوماسي” الأميركية أثناء مائدة مستديرة عقدت مؤخرا في موسكو أن مسألة الحفاظ على الهوية الرقمية للمواطنين من خلال تحسين وتوسيع الإطار القانوني لأمن المعلومات.

ويقول إنه يجب أن يكون لدى المواطنين الحق في حماية الهوية الرقمية لأي شخص، وبالأساس الحق في التوقف عن استخدام التكنولوجيا الرقمية على هذا النحو. فمثلا “دون هاتف ذكي، أصبحنا حرفيا مجردين من حقوقنا”.

ويشكل الجانب الأخلاقي مسألة مهمة للغاية لمجموعة كبيرة من البيانات الشخصية باستخدام أحدث التقنيات الرقمية التي تم إجراؤها كجزء من التجارب في الشوارع وفي المدارس والجامعات وحتى الأماكن التجارية حيث تم تثبيت الكاميرات وأنظمة التتبع في كل مكان بحجة منع إطلاق النار أو تحسبا لأعمال إرهابية.

النموذج الصيني، مثال على عدم احترام الخصوصية في تحقيق هدف الأمن، فإن ذلك يعني سيطرة الحكومة الكاملة على جميع موارد الإنترنت

ويعتقد معظم الحقوقيين والبعض من السياسيين وعدد من منظمات حقوق الإنسان أن المشكلة ليست في قوانين الإرهاب بقدر ما هي في إمكانية توظيفه لتضييق الخناق على الحريات بدعوى أن الضرورات تبيح المحظورات، تماما كما فعلت بعض الأنظمة العربية التي تم إسقاطها في 2011 على الرغم من أن شقّا آخر يرى أنه لا مجال للحديث عن الحريات وحقوق الإنسان، حين يتعلق الأمر بمواجهة الإرهاب.

وبحسب الخبراء، المعالجة تتطلب تحييد حقوق الإنسان لفترة محددة، لأن الإرهاب يفرض هذا المنطق لأنه أصبح تشكيلات مترابطة وجدت حقوقيين وسياسيين وأيديولوجيين يدافعون عنها بمنطق الدفاع عن حقوق الإنسان، وبذريعة المخاوف على الحريّات.

وهناك قناعة سائدة لدى المدافعين عن حقوق الإنسان أن الدولة مطالبة بالقيام بدورها وبتطبيق القانون، وهذا لا يعدّ انتهاكا لحقوق الإنسان وللحريّات، فالمخاطر الإرهابية، من وجهة نظر بعض الباحثين الأكاديميين، تفرض على جهات إنفاذ القانون والمشرعين الحدّ من هذه الحريات بصفة جزئية وعلى أشخاص بعينهم محل اشتباه ويمثلون تهديدا لأمنها.

ويؤكد المطالبون بإجراءات مشدّدة تتعلق بمراقبة الإنترنت والاتصالات أن الدعوة لتحييد حقوق الإنسان حين يتعلق الأمر بالأمن القومي لا تعني تهديدا أو مسّا بالمكاسب الديمقراطية لأي دولة لأن المخاطر الإرهابية في عالم رقمي مفتوح للجميع تستدعي اليقظة ومراقبة مشدّدة لمواقع التواصل الاجتماعي على شبكة الإنترنت، ومراقبة الاتصالات الهاتفية كعمل رصد استباقي.

6