كيف تهرب من الواقع في إيران؟ عليك بالموسيقى الكلاسيكية

موسيقيون تتراوح أعمارهم بين العشرين والثلاثين عاما يفاجئون العالم ويقدمون عرضا لجمهور جله من الشباب المحبين للموسيقى الكلاسيكية في إيران.
السبت 2019/07/06
عزف على إيقاع إيراني مختلف

كارين لوب

طهران – نجح هواة الموسيقى الكلاسيكية الغربية في أن يحجزوا مكانا لهم في إيران، أين تبقى مجالات التعبير الثقافي خاضعة لقيود فرضت بعد الثورة الإسلامية التي أطاحت بالنظام الملكي في إيران سنة 1979.

وفي خطوة تعتبر ملفتة للانتباه بالنسبة لإيران، فاجأ موسيقيون تتراوح أعمارهم بين العشرين والثلاثين عاما العالم وقدموا عرضا لجمهور جله من الشباب المحبين لهذا النوع من الفن في إيران.

خلال هذا الأسبوع، توجّه حشد كبير إلى العاصمة نحو قاعة فاهدات، أين نظّمت أوركسترا طهران السيمفونية عرضا موسيقيا. شمل العرض فريقا من العازفين، بينهم نساء عزفن على الآلات الوترية والهوائية. وتمتع الحاضرون بأعمال ألفها الملحنون الروس في القرن التاسع.

وأشرف المايسترو والملحن الأميركي الإيراني شهرداد روحاني على العرض. وعبّر الموسيقار البالغ من العمر 65 سنة، والذي امتدت عروضه من الولايات المتحدة إلى أوروبا، عن فخره بالعازفين الشباب.

وشمل الحفل أعمالا ألفها الموسيقيون الروس ألكسندر بورودين وسيرغي رخمانينوف ونيكولاي ريمسكي كورساكوف. وسحر الجمهور بالعرض. لم يتحرك ولم يسمع سعال أحد. عقد زوجان شابان في الشرفة يديهما، وسجلت امرأة الحفل على هاتفها. واستقبل الحاضرون روحاني بالتصفيق الحار، وتحدث الموسيقار إلى الجمهور أكثر من مرة، حتى أنه أعلن عن تفاصيل حفل موسيقي قادم.

قد لا تتمتع الموسيقى الكلاسيكية بفئة واسعة من المحبين في إيران، لكن، أكّد روحاني في مقابلة أجراها وراء كواليس العرض أن هناك آفاقا للتغيير، مشيرا إلى إقبال عدد كبير على حضور حفل موسيقي أقيم السنة الماضية في عبادان الواقعة جنوب غرب إيران.

وأضاف خلال لقاء أجراه مع وكالة أسوشيتد برس في فترة استراحة تخللت الحفل الموسيقي الذي بيعت جميع تذاكره، أن الموسيقى الكلاسيكية تشهد رواجا، وتابع قائلا “كما ترى، يدعم الجمهور الفنون والموسيقى الكلاسيكية”.

المايسترو الأميركي الإيراني شهرداد روحاني يؤكد أن الموسيقى الكلاسيكية تشهد رواجا بين الشباب في إيران
المايسترو الأميركي الإيراني شهرداد روحاني يؤكد أن الموسيقى الكلاسيكية تشهد رواجا بين الشباب في إيران

وعلى مدى أربعة عقود من الحكم الإسلامي المحافظ، تقلص مجال التعبير الفني في إيران. وارتبط ذلك بنسبة نفوذ المتشددين. وأشار نيما مينا، من كلية الدراسات الشرقية والأفريقية التابعة لجامعة لندن، إلى اختفاء موسيقى البوب في إيران خلال العقد الأول بعد  الثورة الإسلامية والذي شمل حربا دامت ثماني سنوات بين طهران والعراق.

وقال إن أوركسترا طهران السيمفونية تأسست سنة 1933 وواصلت عملها بعد 1979. وكانت هذه العروض نادرة في البداية، لكن تنظيمها ازداد منذ التسعينات. حتى خلال الفترات التي خففت فيها الضوابط، بقيت هناك خطوط حمراء تقيد الفن.

وشمل المنع حفلات المغنيات اللاتي ينظمن عرضا لجماهير مختلطة، والذي يعتبر “حراما” أو ممنوعا من الزاوية الدينية. وفي فبراير، غنت عازفة الغيتار نفين بارسا منفردة خلال حفل لمغني البوب ​​حميد عسكري. قطعت السلطات الميكروفون الذي كانت تستخدمه، وعلّقت النشاط العسكري الفني.

وينشط المقهى الموسيقي وسط طهران ويحترم القواعد المفروضة على المطربات، لكنه لا يمنع التسجيلات الصوتية غير المباشرة. وفي إحدى الأمسيات، استمع الزبائن الذين كانوا يحتسون القهوة ويدخنون السجائر إلى تسجيل صوتي تغني فيه إحدى الفنانات.

وقالت النادلة نيلوفار دايلامي، التي تبلغ من العمر 29 عاما، “نادرا ما توقف السلطات الموسيقى المسجلة في المقهى، إذ تركز أساسا على قضية الحجاب”، كما اعترفت دايلامي بحبها للموسيقى الكلاسيكية بعد تعلمها العزف على الغيتار.

وخلال هذه الفترة، بدأ نفوذ المتشددين في التزايد، ووجد المعتدلون أنفسهم في موقف دفاعي بسبب انهيار الصفقة النووية التي تفاوضوا عليها مع القوى العالمية ووقعوها سنة 2015.

انسحبت الولايات المتحدة من الصفقة قبل سنة، وبدأت حملة “أقصى ضغط” ضد إيران، أين فرضت عددا من العقوبات الاقتصادية الخانقة وغير المسبوقة.

الموسيقى الكلاسيكية لا تتمتع بفئة واسعة من المحبين في إيران
الموسيقى الكلاسيكية لا تتمتع بفئة واسعة من المحبين في إيران

وأضرت العقوبات بالإيرانيين، إذ أدت إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية والمنتجات الاستهلاكية، كما أضعفت قيمة العملة، وأصبح شبح الحرب مع الولايات المتحدة يلوح في الأفق مما يهدد استقرار طهران.

وبالنسبة لعشاق الموسيقى الإيرانيين، وفرت حفلة الأربعاء التي أقيمت على المسرح الوطني الرئيسي الواقع قرب السفارة الروسية فرصة للهروب المؤقت من الواقع.

وقال شافا سابيتي، وهو مهندس معماري يبلغ من العمر 36 عاما، تضررت أعماله نتيجة للتدهور الاقتصادي الناتج عن العقوبات الأميركية “أصبحت الأماكن العامة مزدحمة أكثر. ويعيش الإيرانيون في الحاضر. قد تكون هذه الظاهرة آلية للتكيف مع الأوضاع التي لا يستطيعون تغييرها”، كما أشار إلى التوترات والخوف من التصعيد قائلا إنها “سحابة سوداء كبيرة تحوم فوق البلاد”.

وقال علي رضا، وهو من رواد الحفلات الموسيقية، “أحب أعمال روحاني”. ويبلغ رضا من العمر 26 عاما، وتعرف على عالم الموسيقى الكلاسيكية عندما تعلم العزف على البيانو. وأشار إلى أن معظم أصدقائه يفضلون أنماط الموسيقى الأخرى، بما في ذلك موسيقى الروك والبوب.

وأكّد البعض وجود فجوة بين الأجيال، حيث يميل كبار السن إلى الموسيقى الإيرانية التقليدية. وقال مينا “نجد اهتماما كبيرا بالثقافة الغربية في فئة شباب المدن المنتمين إلى الطبقة الوسطى”، ووصف هذا الاتجاه بأنه تمرد على الحياة والفن اللذين تحددهما السلطات.

وأضاف أن المعهد الموسيقي في طهران وفر إمدادات ثابتة من الموسيقيين منذ الأربعينات من القرن الماضي، وانضم بعضهم لاحقا إلى أوركسترا طهران السيمفونية.

وقضى أحد خريجي المعهد الموسيقي، إد نيكو، 10 سنوات في لوس أنجلس لكنه عاد إلى إيران لرعاية والدته. واشتكى عازف الكمان من نقص في عدد معلمي الموسيقى الأجانب. وقال الموسيقار البالغ من العمر 44 عاما “علينا أن نتعلم الموسيقى بأنفسنا”. ومع ذلك، يبقى نيكو متفائلا بأن إيران ستتغير، وعبّر عن إعجابه بسن جمهور الموسيقى الكلاسيكية الشاب.

تمرد على الحياة والفن
تمرد على الحياة والفن

 

7