كيف تواجه السعودية التراجع الأميركي في المنطقة

الأربعاء 2014/03/12

عندما اختارت إيران التقارب مع دول الخليج وخصوصا مع المملكة العربية السعودية، شعرت الولايات المتحدة بأن هذا التقارب سيخالف الاستراتيجيات التي وضعتها للمنطقة من أجل أن تتفرغ للتواجد في آسيا، فلجأ باراك أوباما إلى أسلوب يحافظ على هذا التباعد من خلال مقابلته مع مجلة أتلانتيك عندما رد على سؤال حول من يراه أكثر خطرا، التطرف السني أم الشيعي؟ في إجابته على هذا السؤال اكتفى بمدح إيران بأن تصرفها أكثر استراتيجية ولها نظرة عالمية، ولم يكتف أوباما بذلك بل قال إن إيران دولة كبرى، وعلى دول المنطقة أن تتعايش مع هذا الخيار الذي اختاره في التفاوض معها.

إنها مرحلة جديدة تشير إلى تهدئة إيران حتى لا تقترب من المصالح الأميركية في المنطقة في حالة غيابها، وإلى أن مرحلة المواجهة معها قد توقفت.

مثل تلك المواقف تجعل إيران تستمر في تعزيز نفوذها في المنطقة العربية الذي يبعدها عن التقارب مع السعودية. وقد التقطت دولة قطر مثل تلك الظروف، خصوصا أنها تربطها علاقات خاصة مع الولايات المتحدة الأميركية تفوق العلاقات مع بقية دول الخليج ومع أكبر دولة خليجية وهي السعودية المسؤولة عن صياغة الأمن في المنطقة، وهذا الدور يساهم في تغيير الوضع في مرحلة الاضطراب التي تمر بها المنطقة.

مثل هذا الدور الذي تلعبه دولة قطر كأداة أميركية في تغيير المنطقة جعل السعودية تقدم على اتخاذ قرارات غير مسبوقة في تاريخ العلاقات الخليجية- الخليجية بعد فشل مرحلة الاحتواء التي كانت تمارسها مع دولة قطر على مدى خمسة عشر عاما كانت تمر ما بين مد وجزر، ولكن هذه المرة المنطقة لا تحتمل التلاعب بأمنها، خصوصا بعد أن بدأت قطر تقيم تقاربا مع إيران بمعزل عن التقارب الخليجي الذي يقوده مجلس التعاون، وبعد أن نجحت الولايات المتحدة في خرق منظومة دول الخليج من خلال دولة عمان كوسيط بين إيران والولايات المتحدة، حين تمكنت من إنجاح المفاوضات مع دول 5+1 حول النووي الإيراني.

ولن تسمح السعودية هذه المرة بأن تلعب دولة صغيرة إطلالتها البرية الوحيدة هي مع المملكة، مما يهدد أمنها بشكل مباشر إن هي تجاوزت الحدود المرسومة لإمكانيات دولة صغيرة، حتى لو كانت تقع على أراضيها أكبر قاعدة أميركية وتمتلك من الغاز احتياطيات كبيرة وهي ثالث احتياطي عالمي ويجب أن توظفه لخدمة الأمن العربي وليس العكس.

تريد السعودية ترتيب أوضاع المنطقة العربية قبل زيارة باراك أوباما التي تقررت بعد توجه المملكة ودولة الإمارات شرقا، حيث زار الأمير سلمان الهند واليابان ولم يكمل جولته إلى الصين حتى لا تُغضب الولايات المتحدة وتترك الباب مفتوحا أمام تحقيق توازنات تحقق من خلالها الأمن العربي المضطرب في المنطقة وعودة استتباب الأمن بشكل خاص إلى دولة مصر العمود الفقري للأمة العربية.

واستبقت السعودية زيارة أوباما إلى المنطقة بإصدار قرارات تمنع حركات الإسلام السياسي من ضرب أمن واستقرار المنطقة من خلال الإرهاب بكفيل عالمي ودول راعية.

وأوضحت السعودية تحريم مثل تلك الحركات بشقيها السني والشيعي وربطها بالدين الإسلامي الذي هو منها براء. وهي حركات تجد لها مأوى وحواضن في الدول التي تعاني فوضى في العراق وفي سوريا، وتحاول أن تتموقع أكثر في مصر وجرّها إلى صراع لا ينتهي مثل الذي يدور حاليا في سوريا.

فقطع عنها أي دعم مالي يأتي من دول تملك المال في الخليج وتحديدا دولة قطر الداعم الرئيسي التي حلت محل القذافي الذي كان سندا للجماعات الإرهابية في أنحاء متفرقة من العالم. وهو ما يقوض الأمن العربي في ظل تراجع أميركي نحو آسيا، خصوصا وأن اللعبة الدولية بدأت تأخذ منحى مختلفا.

فبعد أن كانت روسيا طرفا رئيسيا في الأزمة السورية وفي الصراع على سوريا، هي الآن تواجه الدفاع عن رقم استراتيجي ومجال حيوي تعده رقما صعبا في حساباتها الداخلية والخارجية، ولذلك ستوجه روسيا لكماتها للأميركيين والأوروبيين في أوكرانيا، وقد تقبل هي وإيران الحل اليمني للأزمة السورية بعد تغير اللعبة الآن.

واتفق الرئيس الصيني وأوباما على الحل السلمي في أوكرانيا لأن الولايات المتحدة لا تستطيع استفزاز بوتين باعتبار أن الدور الروسي كبير في تشجيع إيران على التعاون مع أميركا.

وقد أشاد مؤتمر باريس بالمنحة السعودية للجيش اللبناني التي تحجم حزب الله لصالح قوة الجيش، وهناك الآن دعوة لتقاسم أعباء الأزمة السورية، مثل تلك الخطوات التي تقودها السعودية.

هناك قلق انتاب المالكي وسارع إلى اتهام السعودية وقطر بدعم الإرهاب في العراق خشية من أن يخسر الانتخابات في إبريل لصالح قوى أخرى، وهو تأكيد يصر عليه المالكي بالاقتراب من إيران، وهي لعبة تصب في صالح الاستراتيجية الأميركية، وفي صالح الحرس الثوري الذي يرفض التخلي عن المكاسب التي حققها في بلاد الرافدين الذي كان يطمح إلى الاستيلاء عليها تاريخيا، باعتبارها تقف عقبة أمام تقارب إيران مع السعودية.

بدأت تتكشف كل الأغطية عن جميع المشاريع التي ظهرت في الفترة الأخيرة، وبدأت هناك قراءة واقعية للأحداث الجارية في المنطقة العربية بعد أن سقطت كافة الذرائع، وأصبحت واضحة وجلية، وهو ما سمح للسعودية بأن تلعب على المكشوف بعد أن فشلت المحاولات الإيرانية وأذرعها في لبنان وفي اليمن وفي الخليج في تحشيد الجموع، مثلما كانت تفعله في السابق من تأييدها لمشروعها.

ولذلك حينما تحارب السعودية الإرهاب فهي تقدم خدمة لإعادة الأمن للمنطقة العربية، ولن يتمكن أحد من معارضة مثل تلك الخطوة الواضحة والصريحة، ولن تقبل المملكة أن يلعب أحد على تلك الأوراق الخطرة حتى ولو كانت الولايات المتحدة، وهي إيذان بدخول المنطقة مرحلة جديدة من الأمن العربي.

بدأت السعودية في قراءة الأحداث بدقة، ووجدت أن ورقة الإرهاب هي التي تستخدم من كافة القوى، وهي التي تدمر الأمن العربي، والقراءة الدقيقة هي مقدمة الحل، وهي التي تجنب الأمة العربية مزيدا من الكوارث، وهي القادرة على قصقصة أجنحة إيران في المنطقة التي بها تمددت وقوضت الأمن العربي، دون يكون الاستهداف لإيران بشكل مباشر.

يجب أن يكون هذا المشروع في كافة المنطقة العربية، وليس فقط في السعودية ودول الخليج فقط، استعدادا لحل الأزمتين السورية ثم العراقية التي أقلقت نوري المالكي وحزبه والحرس الثوري في إيران.


استاذ بجامعة أم القرى بمكة

8