كيف خدم التجانس الطائفي مشروع بورقيبة في محاربة التشدد

يتميز المجتمع التونسي بـ”شبه تجانس تام” في العرق والدين والمذهب واللغة وباقي مكونات الثقافة الشعبية السائدة، فهو، في غالبيته الساحقة، مجتمع يدين بالإسلام السني ذي المذهب المالكي، ويتكلم العربية دون فوارق شاسعة تلحظ في اللهجات بين مناطق البلاد التي تبلغ مساحتها ما يقارب مساحة سوريا التي تتعدد فيها أعراق وقوميات وديانات وطوائف ولغات، فهل يشكل وجود التنوع الديني أو عدمه عاملا مساعدا على محاربة التطرف أم مغذيا لحالات التشدد؟
الاثنين 2016/08/29
العلمانيون ليسوا أقلية في بلد بورقيبة

ليس من الأمانة ولا من الموضوعية طبعا، أن نتجاهل مكونات مجتمعية وأساسية في تونس، سواء من الأعراق كالأمازيغ والزنوج، أو من الديانات كاليهود والمسيحيين، أو من المذاهب كالحنفية والأباظية، أو حتى من بعض المتشيّعين والبهائيين واللادينيين وغيرهم، لكن هؤلاء يشكلون نسبة لا تتجاوز في مجملها الـ5 بالمئة.

العوامل التي أفضت إلى هذا التجانس الغريب في تونس، عديدة ومتنوعة، وتعود في معظمها إلى الجغرافيا السياسية والتاريخية للمنطقة، كما أنّ للمدارس الفقهية المعتدلة التي تميز بها جامع الزيتونة عبر العصور دورا في إرساء قيم الاعتدال والوسطية، ناهيك عن الثقافة الشعبية السائدة، ذات المزاج المتوسطي، والذي يحبذ الانغماس في تفاصيل الحياة ومشاغلها بدلا من الجنوح إلى الجدل في العقيدة وأمور التديّن، وهو مزاج يختلف عن طبيعة أهل المشرق، وانفتاحهم التاريخي على الفلسفات الروحية والعقائد القادمة من حضارات متاخمة، فاعلة ومؤثرة عبر التاريخ.

قبل عصر الفضائيات ووسائل الاتصال والتواصل، كان التونسيون في المرحلة البورقيبية، يقضون وقتهم أمام محطتي تلفزيون، تونسية محلية، وأخرى إيطالية تلتقط بشكل تلقائي لقوة إرسالها من جارة تونس في الضفة الشمالية، وتبث القناة الوطنية قبل نشرة أخبار نشاطات الرئيس، برنامج “من توجيهات الرئيس” الذي يظهر فيه الزعيم بورقيبة وهو يتحدث عن كل شيء تقريبا (تربية أسرية، إنجازات علمية، ذكريات شخصية، نميمة سياسية، إرشادات زراعية.. إلخ)، وكل ذلك مع “تخريجات” دينية منتقاة ببراغماتية هائلة، وهو يخاطب التونسيات والتونسيين بلغة الأب الراعي، والمعلّم الناصح، وضمن أسلوبه المسرحي المعروف، أمّا بقية المواد التي يملأ بها التلفزيون التونسي ساعات بثه، فهي برامج وأفلام وحلقات نقاش فرنسية، تهدى إلى تونس في إطار حرص فرنسا على استمرار وجودها اللغوي والثقافي بعد أن بدأ يهدده مشروع التعريب في الجزائر.

القناة التلفزيونية التي ينظر التونسيون من خلالها إلى العالم هي المحطة الإيطالية، وما تحمله من إيقاع شبابي يكسر الجدية والرتابة، إلى أن جاء عصر الفضائيات ووجد خطاب التطرف مكانا له على شاشات التونسيين في منازلهم وبدأوا يستمعون إليه بشيء من الانبهار والاكتشاف، فاستقطب الكثير من الشباب الذين تأثروا به على سبيل “الموضة” وكسر رتابة الإعلام القادم من خلف البحر دون صحون التقاط.

بورقيبة الذي منح حقيبة وزارية لأحد مواطنيه اليهود، استفاد من التجانس الديني وكرسه تجنبا لكل تصدع يهدد مشروعه

هكذا أدمن التونسيون في بيوتهم هاتين القناتين، ولم تكن للمتدينين أي خيارات أخرى خارج ما يبثه التلفزيون الرسمي كل جمعة من برنامج يحمل عنوان “الدين والحياة”، تتناوب على إعداده وتقديمه نخبة من المتخصصين وذوي الكفاءة العالية بالتدريس في كلية “الشريعة وأصول الدين”، وهم جميعا من المقربين إلى بورقيبة والمدافعين عن مشروعه من داخل الخطاب الديني المروج في الإعلام الرسمي.

لم تكن علاقة الزعيم التونسي بمؤسسة جامع الزيتونة وشيوخها وأعلامها، على درجة من التفاهم والانسجام، وذلك بسبب رفضه لأن يمثل هذا الصرح الديني ـرغم اعتداله ـ تعليما موازيا، يشتت مشروعه العلماني الصريح ورؤيته لمستقبل الدولة والمجتمع، هذا بالإضافة إلى طبيعة توجه بورقيبة وتكوينه الثقافي، دون أن ننسى مزاجه الشخصي ونزعته النرجسية نحو النفور من كل ما من شأنه أن ينافسه على “النجومية” والخطابة على شاشة التلفزيون، والذي كانت لتأسيسه من قبل ألمانيا الغربية آنذاك قصة تظهر مدى تنبّه بورقيبة لحساسية هذا الجهاز ومفعوله السحري في الأوساط الاجتماعية آنذاك، فلقد منح بورقيبة الحكومة الألمانية امتيازات في الاستثمار السياحي وغيره، مقابل أن تتكفل ألمانيا بالتجهيزات التقنية وبتدريب الكفاءات التونسية.

أحكم بورقيبة قبضته على الخطاب الديني في تونس، وجعله في خدمة مشروعه المجتمعي والسياسي، وأتقن استخدام الإرث الإصلاحي والتراث التنويري التونسي عبر توجيهه وتكريسه في المؤسسات التعليمية والثقافية، فعمل ـ وبشراسةـ على سد كل الثغرات التي يمكن من خلالها أن يتسرب الفكر المتشدد.

بورقيبة الذي منح إحدى الحقائب الوزارية لأحد مواطنيه اليهود في بداية الاستقلال، استفاد ـرغم هذا الانفتاح البراغماتي ـ من التجانس الديني والعرقي وكرّسه لا قناعة منه، بل تجنّبا لكل تصدّع يهدد مشروعه، حتى أنه، ومن داخل الإسلام السني، همّش المذهب الحنفي السائد لدى البعض من الجماعات ذات الأصول التركية، وأبقى على المالكية مذهبا رسميا للبلاد.. كل ذلك خشية أي انقسام يشوّش على هدفه وحلمه بدولة علمانية.

13