كيف ستواجه السينما زمن الوباء؟

مصير مجهول تواجهه مهرجانات السينما التي تعتبر البوابة الرئيسية لطرح الأفلام الجديدة في أسواق السينما العالمية في ظل تفشي فايروس كورونا.
الأربعاء 2020/04/01
السجادة الحمراء تفقد نجومها

السؤال الذي يطرحه الكثير من المهتمين بالسينما هذه الأيام هو: كيف ستصبح علاقتنا بالسينما في زمن كورونا وما بعده؟ أي في هذه الأوقات الصعبة التي أرغمنا ذلك الانتشار الهائل للفايروس القاتل على البقاء في بيوتنا لا نغادرها سوى للضرورة القصوى؟ هل ستظل علاقتنا بدور السينما، أي بمشاهدة الأفلام على الشاشة الكبيرة، قائمة، أو بالأحرى هل ستكون قابلة للاستمرار؟

لا شك أن الرابح الأكبر في معركة كورونا هو شبكات البث الرقمي مثل نتفليكس وأمازون وديزني وغيرها، فقد أصبحت مشاهدة الأفلام عبر هذه الشبكات على شاشة التلفزيون، هي البديل المريح أو الوحيد، السهل والمأمون حاليا. خاصة في ظل المنافسة الشرسة التي اندلعت بين هذه الشبكات التي تتبارى في الاستئثار بعرض المسلسلات والأفلام الجديدة الجذّابة، التي تحصل على تمويل كبير من جانب تلك الشبكات العملاقة التي يشترك فيها عشرات الملايين في العالم، وهو تمويل تعجز عن تقديمه شركات الإنتاج السينمائي التقليدية، داخل هوليوود أو خارجها.

سيخسر الجمهور دون شك متعة التواجد معا داخل صالات السينما، والإحساس الجمعي المشترك بروح الفيلم السينمائي، وهو شكل التواصل الذي اعتاد عليه الجمهور منذ ظهور السينما حتى اليوم.

خسائر بالجملة

ما العمل في حالة انتشار الوباء مُجدّدا في مهرجان مثل كان أو البندقية أو برلين، بسبب الزحام الكبير داخل قاعات العرض؟
ما العمل في حالة انتشار الوباء مُجدّدا في مهرجان مثل كان أو البندقية أو برلين، بسبب الزحام الكبير داخل قاعات العرض؟

ستخسر دور السينما وشبكات العرض المنتشرة في العالم التي تمكنّت من الصمود طويلا أمام كل التحديات التي واجهتها منذ ظهور منافسها الشرس، التلفزيون في الخمسينات وانتشــاره الكبيــر في السبعينات وما بعدها، ثم ظهور الفيديو ثم الاسطوانات المدمجة وأقراص البلو راي مع تعدّد الشبكات التي تبثّ بواسطة الكابلات وغير ذلك. إلاّ أن التحديات التي فرضها ظهور شبكات البثّ الرقمي ربما لن تقدر عليها دور العرض التقليدية في زمن كورونا وما بعده.

مهرجانات السينما التي تعتبر البوابة الرئيسية التي تطرح من خلالها الأفلام الجديدة في أسواق السينما العالمية، أصبحت تعاني من عدم وضوح الرؤية. فما هو مصيرها؟

أميل شخصيا إلى الاعتقاد أن جميع المهرجانات الكبرى المعروفة في العالم مثل كان وفينيسيا وكارلو فيفاري ولوكارنو ولندن ونيويورك وموسكو، لن تقام هذا العام. فقد أصبح 2020 عام كورونا، وأصبح التواجد جنبا إلى جنب مع جمهور غريب وأفراد قادمين من كل مكان في العالم، داخل قاعات العرض في المهرجانات السينمائية الدولية يضيف رعبا مضاعفا. خاصة مع التلامس الجسدي الذي لا مفرّ منه بسبب الزحام الكبير، ولم يكن غريبا أن يصف ناقد مخضرم من نقاد مجلة “فاريتي” الشهيرة مهرجانات السينما مؤخرا بأنها “صناديق ساخنة للجراثيم”.

تقديرات العلماء، وليس السياسيين أو الإعلاميين، تقول إن التوصّل إلى لقاح للفايروس القاتل ثم عقار فعّال يقضي عليه، لن يصبح متوفرا قبل 18 شهرا. وحتى بافتراض أنه قد أصبح متوفرا فعملية إنتاج مئات الملايين من العبوات والجرعات الضرورية منه التي تكفي سكان الكرة الأرضية، ستستغرق زمنا طويلا حتى في حال اشتراك عشرات من شركات إنتاج الأدوية في إنتاجه بنفس المواصفات.

وبالتالي سيظل الشك قائما، والسؤال الوجودي مطروحا: هل نغامر ونقيم المهرجان أم نؤجل إقامته مرة أخرى؟ وهل نغامر ونذهب إلى المهرجان أم من الأفضل أن نجلس في بيوتنا ونشاهد الأفلام عبر نتفليكس التي أظن أنها ستقبل على التلويح بإغراءات مالية كبيرة مقابل شراء أحدث الأفلام؟

هناك أيضا شك كبير في أن يقبل نجوم السينما، والمخرجون والمنتجون وغيرهم ممّن يحضرون المهرجانات السينمائية وعددهم بالآلاف، خاصة إذا أضفنا إليهم الصحافيين والنقاد، السفر بالطائرات من الولايات المتحدة ودول جنوب شرق آسيا بل ومن دول أوروبية عريقة في صناعة السينما مثل إسبانيا وإيطاليا، لحضور المهرجانات السينمائية والتواجد وسط الزحام الكبير، علما بأن الطائرات في حد ذاتها، تعتبر من المصادر الأساسية للعدوى. وقد يكون المرض غير واضح على شخص ما يجلس بجوارك، لكنه يظل ناقلا للعدوى. فما العمل في حالة انتشار الوباء مُجدّدا في مهرجان مثل كان أو فينيسيا أو برلين، بسبب الزحام الكبير داخل قاعات العرض؟ وهل سيقدر المسؤولون عن هذه المهرجانات على تحمل المسؤولية خاصة في حالة إذا ما عاد الفيروس للانتشار نتيجة وجود ضيف قادم من إحدى الدول الموبوءة التي لم تبرأ، تماما، بعد؟

الحل في البث الرقمي

جميع المهرجانات الكبرى المعروفة في العالم لن تقام هذا العام
جميع المهرجانات الكبرى المعروفة في العالم لن تقام هذا العام

لم يعُد هناك مفرّ في رأيي من أن تتحوّل مهرجانات السينما التي تودّ البقاء في دائرة الاهتمام، إلى شبكة الإنترنت، تعرض من خلالها أفلامها على الجمهور الراغب في المشاهدة مقابل دفع مبلغ ما أو قيمة الاشتراك في المهرجان، مع دعوة الصحافيين والنقاد إلى مشاهدات مُحدّدة التوقيت والتاريخ في العروض الصحافية الخاصة حتى يتسنّى لهم الكتابة عن الأفلام. كما يمكن تخصيص بثّ مباشر لأحداث وفعاليات المهرجان مثل المؤتمرات الصحافية مع صنّاع الأفلام والندوات التي تناقش العديد من القضايا، وغير ذلك.

على أن يشاهد أعضاء لجان التحكيم الأفلام من منازلهم دون حاجة إلى السفر والتواجد معا في اجتماعات مغلقة، بل يمكن أن ترتّب تلك الاجتماعات أيضا عبر الشبكة الرقمية، ومن ثم إعلان النتائج.

دور السينما مغلقة في معظم الدول حاليا باستثناء الصين التي ظهر فيها الفايروس ومنها انتقل إلى العالم، بعد أن استطاعت أن تكبح جماحه، كما تقول. وقد عادت إلى افتتاح مئات من دور العرض التي كانت قد أغلقتها (يا للشجاعة!).. لكنني على أي حال، من أنصار التشكّك في كل ما يصدر عن الصين “الرسمية” كدولة شمولية مغلقة محكومة بسلطة الحزب الواحد وقمع الأمن والجيش.

التحديات التي فرضها ظهور شبكات البثّ الرقمي ربما لن تقدر عليها دور العرض التقليدية في زمن كورونا وما بعده

ومن لا يعرف عليه فقط أن يراجع ما جرى قبل أكثر من ثلاثين عاما في ميدان تيانامن في قلب بكين حينما قمعت الدبابات ثورة الطلاّب وداست على أجسادهم بكل وحشية. ولكن السؤال هو: هل ستستعيد السينما حضورها في حياة الناس مجددا بعد أن تنقشع أزمة وباء كورونا العالمية؟

يراودني شك كبير في عودة الأمور إلى سابق عهدها على كافة الأصعدة، سياسيا واقتصاديا وثقافيا، فلماذا تصبح السينما استثناء من التغيّر المحتوم؟ أظن أن الأشكال الجديدة للمُشاهدة عبر شاشة الهاتف المحول وأجهزة التابليت والكمبيوتر المحمول وأمثالها، ستصبح البديل الفردي لدى ملايين البشر، وستغلق بالتالي آلاف من دور العرض وقاعات السينما الموجودة في المدن، ويبحث صنّاع السينما عن وسائل أخرى للوصول إلى المُشاهدين في بيوتهم، ستكون بالضرورة وسائل أكثر فردية وانعزالا.

ولو حدث هذا بالطبع وأرجو وأتمنى ألاّ يحدث، لأصبحت تلك هي النهاية التعيسة لشكل عظيم من أشكال التخاطب الإنساني عبر ثقافة وفن الفيلم. وسيكون أسوأ وداع لعصر السينما.

16