كيف ستوازن تونس بين احترام الحريات ومجابهة الإرهاب

الاثنين 2014/10/27
نتائج الانتخابات ستفرز سلطة دائمة تتمتع بجرأة أكثر في مقاومة الإرهاب

سوسة- هل يمكن أن تساهم الحرية في انتشار الفكر المتطرّف؟، سؤال جدلي طرحه دايفد كيرباتريك، الكاتب في صحيفة "نيويرك تايمز" الأميركية، تعليقا على الأحداث الإرهابية التي شهدتها تونس خلال السنوات الثلاث الماضية، والتي كان أحدثها العملية التي أحبطها رجال الأمن قبيل الانتخابات التشريعية بأيام قليلة.

يشير دافيد كيرباتريك إلى أن تونس بعد قرابة أربع سنوات من انتفاضة الربيع العربي تبقى تونس النجاح الوحيد، فيما تعم الفوضى أغلب المنطقة. لكنه يستطرد متسائلا كيف لبلد مثل تونس، كان قبل الثورة وبعدها، يصنّف على أنه من أكثر الدول العربية انفتاحا واعتدلا، يصبح أول مصدّر للجهاديين في العالم؟ وكيف في بلد مثل تونس، يحظى بأكثر السكّان المتعلمين والمنفتحين في العالم العربي، بدل امتصاص الانجذاب للتطرف النشط، سمحت الحرية، التي أتت مع انتفاضة الربيع العربي، للناشطين بالدعوى والتجنيد بشكل أكثر علنية من أي وقت مضى ونجحت في استقطاب أعداد كبيرة من الأنصار نسبة هامة منهم من أصحاب الشهادات والمتفوّقين؟.

في إطار الإجابة على هذه التساؤلات، استطلع دايفد كيرباتريك أراء بعض التونسيين، خاصة من الشباب، الذي يرى أن الحريات الجديدة والانتخابات لم تفعل شيئا لتحسين حياتهم اليومية وخلق الوظائف أو كبح جماح قوة أمنية متغطرسة مازال الكثير هنا يسميها “الحاكم”. إلا أن ذلك لا يبرر وفق الأغلبية التوجّه نحو التطرّف، في حين أن أقلية فقط من التونسيين عبّروا عن دعمهم للجهاديين.

كشفت الاستجوابات في المقاهي داخل حي التضامن، الشعبي، أو على أطرافه أن العشرات من المعطلين والرجال من الطبقة العاملة يساندون المتطرفين أو يرغبون في الانضمام إلى صفوفهم، مقتنعين بأن التنظيم قد يوفر لهم مستوى أرفع من العيش، تأتي على قائمة الاغراءات التي تدفع التونسيين نحو الانضمام إلى التنظيمات المتطرّفة.

يقول المحللون إن المتخرجين من الجامعات العاطلين عن العمل –الذين يمثلون مجموعة كبيرة في تونس حيث التعليم غير مكلف لكن الوظائف تبقى نادرة– هم مرشحون أوائل للجهاد. يقول المسؤولون التونسيون أن قرابة 400 تونسي عادوا من سوريا والعراق وتم إيقاف الكثير منهم، ويقول محاموهم إن الكثير منهم يقولون إنه غرر بهم للذهاب.

في بعض الحالات تجد أن العائلات توافق قرار أبنائها الانضمام إلى الجهاد. يقول شهاب الدين الشواشي البالغ من العمر 24 سنة وهو طالب في الطب إنه هو وعائلته ساندوا قرار أخيه بلال، 29 سنة، للتحول مع زوجته إلى الرقة عاصمة الدولة الإسلامية بحكم الواقع، بالرغم من أن طريقة عيش الإخوة مختلفة شديد الاختلاف. ويقول “ربما عندما تنتهي الحرب سنكون كلنا في دولة إسلامية تحت حكم الشريعة”.

العنف المستلهم من الدين في تونس هو مشكل معقد لم تفهمه قوات الأمن جيدا ويحتاج الى مجهود كبير من أجل مجابهته

وبالفعل كشفت عشرات المحادثات مع شباب تونسي أنه لا يوجد أحد تقريبا سواء من المتعاطفين أو المنتقدين يصدق التقارير الإخبارية عن قيام الدولة الإسلامية بعمليات القتل الجماعي أو قطع الرؤوس إذ يعتقدون أنه تم فبركتها في الغرب. كما عبّروا كلهم عن معارضتهم للحكومات العربية الحالية باعتبارها فاسدة ودكتاتورية، وكلهم كانوا يحملون نظرة قاتمة عن النهضة، كما صعب على أغلبهم تسمية مؤسسة إسلامية موثوق بها أو عالم دين إسلامي لم يلحقهم الإفساد من سلطة دنيوية معينة.

وزادت نقمة التونسيين على هذا التنظيم وأمثاله بعد العملية التي جدت قبل أيام قليلة من الانتخابات التشريعية، حيث تمكنت قوات الأمن والجيش التونسي، يوم الجمعة الفارط، من إحباط مخطط إرهابي وتفكيك خلية كانت تنوي تنفيذه، وقد أسفرت العملية التي دارت في أطراف العاصمة تونس، عن مقتل ستة أشخاص (في صفوف الإرهابيين المنتمين إلى تيار إسلامي متشدّد) من بينهم خمس نساء. ومما زاد من نقمة التونسيين أن التقارير كشفت أن إثنتين من الفتيات اللواتي قتلن في العملية كن من أنجب الطالبات في الجامعة التونسية. هذا التصعيد الإرهابي، يبدو أنّه كان منتظرا لدى العديد من المحللين والمهتمين بالشأن التونسي، نظرا لأنّ عديد الأطراف المتشدّدة وخاصة أتباع “تيار أنصار الشريعة” المحظور، لا تأمل أن تستقر البلاد وأن تُثبّت مؤسسات حكمها الدائمة، كي يترك لها المجال شاسعا للنشاط خارج الأطر القانونية سعيا لفرض مخططاتها ومشاريعها، التي ترمي من خلالها إلى تعميم حالة الفوضى من أجل تقويض أسس الدولة.

المتخرجون العاطلون عن العمل الذين يمثلون مجموعة كبيرة في تونس هم أكثر المرشحين للالتحاق بالتنظيمات الجهادية

في هذا السياق، قال القيادي بالحزب الاشتراكي، نوفل الزيادي في تصريح لـ”العرب”: “إنّ المعطى الحالي الجديد الذي اتسمت به الأجواء الانتخابية هو توازن الرعب، أو ما يصطلح عليه باستقرار الرعب، القائم أساسا على ترهيب قاتل لمجموعات من الناخبين”، مشيرا إلى “أنّ الترهيب والإرهاب يلتقيان ويشتركان في نقاط عدّة، كما أنّ الهدف الذي يصبوان إليه ما فتئ يصب في منحى تخويف الناخبين من التوجه إلى مكاتب الاقتراع للإدلاء بأصواتهم، حتى يتمّ تأبيد المشهد الحالي الذي أسهم عاملان حدّ الآن في خلقه والنفخ في صورته”، لكن هذه المحاولات فشلت في تحقيق المبتغى ودليل ذلك أعداد الناخبين التي توافدت على مدار اليوم على مراكز الاقتراع، وكلها ثقة في أن الغد أفضل.

ولدى عرضه لهذين العاملين اللذين تحدّث عنهما، أوضح الزيادي: “أنّ الأول يتمثّل في التوجيه الإعلامي المبيّت من قبل بعض المتنفّذين، الذي حصر الصراع بين طرفين لا ثالث لهما (في إشارة منه إلى حزبي حركة النهضة الإسلامية وحركة نداء تونس المحسوبة على العلمانيين) من أجل صناعة رأي عام لا يخرج عن هذا الإطار”.

أمّا العامل الثاني فهو “منوط بإرادة قوى خارجية ما فتئت تحاول التدخل في الشأن التونسي قصد إعلاء كفّة عن أخرى، ولا شيء يدفعها إلى ذلك غير الحفاظ على مصالحها، بالنظر إلى أهمية التجربة التونسية وإمكانية تأثير نجاحها أو فشلها عربيا وإقليميا”.

ويقر المحللون المحليون أن العنف المستلهم من الدين في تونس هو مشكل معقد لم تفهمه قوات الأمن جيدا ويحتاج الى مجهود واسع النطاق من أجل مجابهته. في المدى البعيد من المحتمل أن تتضمن محاربة التطرف معالجة الإقصاء الاقتصادي والاجتماعي وإعادة السيطرة على الفضاء الديني.

وقد حمّل فتحي الورفلي رئيس حزب “تونس بيتنا” ائتلاف الترويكا الحاكم، الذي كانت تقوده حركة النهضة، ورئيس الحكومة السابق علي العريض، “تداعيات الإرهاب الذي تشهده البلاد اليوم والذي يمكن أن يعصف بالمسار الانتقالي عموما”، مشدّدا على “أنّ البلاد تجني اليوم ما زرعته الترويكا، من أجل بقائها في الحكم، حيث أنّ معالجتها الفاشلة للمسائل الأمنية وعدم وعيها بخطورة قرار تصنيف تنظيم أنصار الشريعة كـ”تنظيم إرهابي”، وارتجال ذاك القرار الذي يبدو أنه جاء بإملاءات خارجية، كلها عوامل أسهمت في تفشي ظاهرة الإرهاب لدى فئة من الشباب التونسي كانت حينها تنتظر من يحاورها ويقف على أسباب انحرافها نحو تيار التطرف”. كما أكّد أنّ الإرهاب الحقيقي الذي تعيشه تونس اليوم، يتمثل في “أولئك الشيوخ الجاثمين على قلوب التونسيين وإرادتهم”، مشدّدا على أنّ الحرمان من التنمية والتكافؤ بين الجهات والفئات هو إرهاب أيضا. الغول الإرهابي الذي كان متربصا بالانتخابات فشل في إثناء التوسنيين عن التوجه لممارسة حقهم، بشهادة رئيسة بعثة الاتحاد الأوروبي لمراقبة الانتخابات التونسية التي أكدت أن عملية الاقتراع جرت “في ظروف طيبة ومناخ إيجابي”، حيث الناخبين والجيش والشرطة كانوا يد واحدة لتأمين الانتخابات التشريعية التونسية.

7