كيف سقطت قوات الأمن المصرية في فخ الإرهابيين بالواحات

استهدف الإرهاب مجددا مصر في فاجعة إرهابية جديدة وقعت السبت بصحراء الواحات المصرية، وأسفرت عن استشهاد نحو 17 شرطيا خلال مواجهة مسلحة مع عناصر إرهابية. وأثارت الحادثة حيرة المصريين رغم ما أظهرته الأجهزة الأمنية من نجاح في عمليات سابقة، إلا أن الحادثة كشفت عن ضعف في الوعي الأمني وثقافة التعامل مع تنظيمات محترفة في مناطق الصراعات، بالإضافة إلى غياب التنسيق بين المؤسسة العسكرية وقوات الشرطة.
الاثنين 2017/10/23
منطقة صراعات أم مجلس عائلي؟

القاهرة – عكست مذبحة رجال الشرطة بالقرب من الواحات في الصحراء الغربية بمصر اهتزازا كبيرا في ثقافة أجهزة أمنية منخرطة في عمليات ضد جماعات إرهابية على أكثر من جبهة، وضعفا في كفاءة وتدريب ضباط وجنود ينتمون إلى وحدات “العمليات الخاصة” التابعة للشرطة، وغياب تنسيق مع الجيش، كان من الممكن أن يغير مسار الأحداث بشكل جذري.

ومنذ بداية التحضير للقيام بالعملية وحتى مقتل 17 من رجال الشرطة وإصابة 19 آخرين، وفقا لبيانات وزارة الداخلية المصرية، كانت خطوط الإخفاق واضحة، إذ لم يتم تزويد القوات بأسلحة متوسطة أو ثقيلة، كما لم يتم سد ثغرات أمنية، يقول خبراء أمنيون إنها تسببت في اختراقات قد تكون سببا أساسيا في وقوع المذبحة.

فخ محكم

يقول جنود من بين المصابين، الذين يتلقون علاجهم في مستشفيات تابعة للشرطة، إن المتشددين كانوا ينتظرون قدوم الرتل الأمني في ما يشبه “فخا” محكما. وأطلق المتشددون لاحقا قذائف الأر بي جيه والهاون على مدرعات الشرطة من أعلى تلال احتلوها، بينما كانت القوات تمر عبر واد ضيق.

وقال اللواء السابق رضا يعقوب، الخبير في مكافحة الإرهاب الدولي، لـ“العرب” إن “عناصر الخلية الإرهابية كانت في ارتفاع أعلى من قوات الأمن، ما سهل عليها توجيه ضربة قوية بأسلحة ثقيلة”.

وغابت التغطية الجوية، التي يوفرها سلاح الطيران في الجيش، عادة في مثل هذه العمليات الكبرى. لكن المشكلة على ما يبدو في انتشار نزعة الاسترخاء التي ظهرت في صور التقطها الضباط قبيل بدء العملية مباشرة.

أساليب التدريب البدني والقتالي مازالت بدائية في معسكرات الأمن المركزي، التي تتلقى فيها قوات "العمليات الخاصة" الجزء الأكبر من دورة تأهيلها

وتظهر في الصور بنادق آلية وأسلحة خفيفة أخرى فقط. وتقول تقارير إن مدافع أوتوماتيكية كانت مثبتة أعلى المدرعات، هي أقوى ما كان بحوزة الشرطيين المصريين.

لكن في المقابل كان الجهاديون أكثر تجهيزا وتدريبا، إذ يقول خبراء أمنيون إن رصاص أسلحتهم تمكن من اختراق جسم مدرعات الشرطة.

ويقول يعقوب “ما جرى في حادث الواحات يمكن تلخيصه في أن القوات فوجئت بوجود أسلحة مع الإرهابيين تفوق جندي المشاة العادي، وبعضها اخترق المدرعات”.

وقد تكون هذه الأسباب مقنعة بالفعل، بظاهرة الحركات الإرهابية في مصر تبدو مختلفة بعض الشيء عن كيانات أكثر تنظيما وتماسكا بنيويا مكّنها من السيطرة على مدن كبرى، خصوصا في العراق وسوريا ومصر. وجعلت هذه الحقائق حدود المواجهة تبدو واضحة ومناسبة لشن حرب يتدخل فيها جيش نظامي.

لكن التنظيمات “المصرية” مازالت تعمل تحت الأرض، وتشن هجمات خاطفة وتعتمد على الفخاخ في بلد تنتشر فيه الحواجز الأمنية في المدن الكبيرة، وعلى الطرق السريعة بين المحافظات.

وفي هذه الحواجز من السهل رؤية ضباط وجنود يستلقون على كراس ويتبادلون أطراف الحديث في وضع أشبه بالمجالس الشعبية. ولم يغير إعلان حالة الطوارئ شيئا، إذ ظل التعامل برتابة مع الحوادث الإرهابية المتصاعدة في مصر سائدا بين الضباط والجنود.

وأظهرت صور نشرتها وكالات أبناء عالمية ضباطا يستلقون على الجزء الأمامي لمدرعة تابعة للشرطة في موقع مذبحة الواحات، بعيد مرور يوم واحد فقط على الحادث.

وينتمي هؤلاء الضباط إلى قوة تأمين مفترضة للموقع، لكن الصور أظهرتهم بعيدين عن أسلحتهم وفي وضع بدني ونفسي لا يسمح لهم بصد أي هجوم محتمل، وسط منطقة عمليات جبلية.

فؤاد علام: طريقة هجوم الإرهابيين أظهرت أنهم مستعدون لمواجهة القوات الأمنية

وعكس ذلك مشكلة أخرى تعاني منها الشرطة خصوصا وهي ضعف الوعي الأمني والتدريب. فمازالت أساليب التدريب البدني والقتالي بدائية في معسكرات الامن المركزي، التي تتلقى فيها قوات “العمليات الخاصة” الجزء الاكبر من دورة تأهيلها.

ويقول خبراء أمنيون غربيون إن “مصر مع الوقت قد تجد نفسها مجبرة على الاعتماد فقط على قوات خاصة من الجيش في مثل هذه العمليات التي تجري خارج المدن. قوات الشرطة ليست مؤهلة في مصر على القيام بذلك”.

صمت سياسي

لم يعلق الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي بشكل خاص على مذبحة الواحات، في بيان أصدرته الرئاسة المصرية أدان الإرهاب الأحد. وفي اليوم التالي لوقوع الحادث كان السيسي حضر الأحد احتفالا بذكر مرور 75 عاما على معركة العلمين، التي وقعت في شمال غرب مصر خلال الحرب العالمية الثانية، وقال كلمة تجاهل خلالها الحديث عن الحادث أيضا. ويقول مسؤولون مصريون إن صمت السيسي يعكس غضبه ورغبته في عدم الإدلاء بتصريحات لا تضم معلومات أو تبريرات سياسية مقنعة للمصريين.

وأكد الرئيس المصري الأحد أن “الحرب على لإرهاب لها طبيعة خاصة تختلف عن الحروب النظامية”، مشددا على أن “مصر ستواصل مواجهة الإرهاب ومن يموله ويقف وراءه بكل قوة وحسم وفاعلية، حتى القضاء عليه”.

وقد يكون صمت السيسي هو “الهدوء الذي يسبق العاصفة”. إذ عادة ما يفضل، في حوادث كهذه، الإعلان عن قرارات تأخذ شكلا انتقاميا من المتشددين في أول ظهور له بعد الحادث.

ولا يستبعد مراقبون قيام الجيش المصري بعملية عسكرية كبيرة داخل الأراضي الليبية توجه ردا حاسما ضد معسكرات تابعة لمتطرفين قد يكونون على علاقة بحادث الواحات كتنظيمات “جند الخلافة” و”المرابطون”.

وقام سلاح الطيران المصري في فبراير عام 2015 بتوجيه ضربات مكثفة لمواقع تابعة لتنظيمات إرهابية في الأراضي الليبية عقب ذبح 20 مصريا (وآخر من غانا) على يد تنظيم داعش. وفي مايو الماضي قصفت الطائرات المصرية مواقع أخرى داخل الأراضي الليبية بعد استهداف متشددين مركبة كانت تقل أقباطا في طريقهم للصلاة في دير بمحافظة المنيا جنوبي القاهرة، وقتل إثر ذلك 29 شخصا.

وفي ديسمبر الماضي حافظ السيسي على صمته أيضا بعيد تفجير الكنيسة البطرسية بوسط القاهرة، قبل أن يقدم واجب العزاء في الضحايا الأقباط، ويكشف عن معلومات عن الجهة التي خططت للحادث والشخص الذي ارتدى حزاما ناسفا وفجره في مقر الكنيسة.

اللواء رضا يعقوب: القوات المصرية فوجئت في حادثة الواحات بوجود أسلحة مع الإرهابيين

وساعد الصمت الحكومي على صعود مطالبات سياسية وحزبية وبرلمانية بضرورة الإعلان الرسمي والفوري عن أسباب وقوع المجزرة، واتهمت شخصيات عامة وزارة الداخلية بالتقصير وسوء التقدير.

وتقدم اللواء تامر الشهاوي، الضابط السابق بجهاز المخابرات الحربية وعضو لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب، بطلب استدعاء عاجل إلى اللواء مجدي عبدالغفار وزير الداخلية، لكشف ملابسات الحادث الإرهابي.

خيانة محتملة

يرى متابعون أن خطورة المجزرة الإرهابية الأخيرة تكمن فيها أنها وقعت في محيط القاهرة، وعلى بعد 135 كيلومترًا من العاصمة، حيث تعاملت معها الأجهزة الأمنية بالطرق التقليدية دون توجيه ضربة موجعة لهذه العناصر الإرهابية.

كما أن الإصرار على عدم الاستعانة في مهاجمة معسكر للمتشددين بسلاح الطيران أولا أو دراسة المنطقة جغرافيا بشكل أعمق، يوحي بأن هناك ثغرات في التعامل مع مثل هذه المخاطر الأمنية مستقبلًا.

ولم يستبعد بعض الخبراء عنصر الخيانة من داخل جهاز الأمن، خاصة وأن هناك معلومات استخباراتية راجت عن حادث الواحات بشأن قيام المسلحين بترصد قوات الأمن على الطريق وكانوا في انتظارهم.

ودعم اللواء فؤاد علام، عضو المجلس القومي لمكافحة الإرهاب، ووكيل جهاز أمن الدولة (الاستخبارات الداخلية) سابقًا، هذه الرؤية، مؤكدا أن “الخيانة واردة في حادث الواحات الإرهابي، لأن طريقة هجوم العناصر الإرهابية على قوات الشرطة أظهرت أنهم كانوا ينتظرون قدوم قوات الأمن، لدرجة أنه تم إطلاق النيران على الرتل الأمني قبل توزيع عناصره على أماكنهم”.

وكشف في تصريحات لـ”العرب” أن “الجهة الأمنية المسؤولة عن رصد وتتبع هذه العناصر الإرهابية أخطأت في عدم التنسيق مع الجيش، لأنها كانت على علم مسبق بأن هذه منطقة جبلية وعرة مليئة بالدروب والمخابئ، والعناصر الأمنية لم تكن مستعدة لخوض معركة في هذه الأجواء ومواجهة مجموعة إرهابية بحوزتها أسلحة مضادة للطائرات".

7