كيف سيواجه البارزاني نتائج خطوته الانفصالية عن العراق

الثلاثاء 2017/09/26

أوصل قرار مسعود البارزاني بالاستفتاء الأزمة السياسية بينه وبين شركائه التاريخيين في بغداد إلى نقطة اللاعودة في انفراده بقرار الانفصال عن العراق وإقامة “الدولة الكردستانية” وفق مبرراته التي أعلنها وسط جمهوره في منطقة كردستان، عبر خلالها عن إحباطه من نكث رفاق الأمس الشيعة بوعودهم المعلنة والسرية بمنحه مكاسب سياسية واقتصادية مضافة لما حصل عليه وشعب كردستان من مكاسب داخل العراق، مثل توزيع الثروة بنفط كركوك والهيمنة على الأراضي “المتنازع عليها” والدور الأكثر فاعلية بالعملية السياسية، دون أن تتضح في خطاباته ما هي صورة واقع الدولة الجديدة التي حلم بها أبوه وأجداده تاريخيا والتي كان مصيرها الفشل مثل جمهورية مهاباد عام 1946، بل واعترافه علنا بأنه قد أخطأ في الشراكة مع القوى السياسية الشيعية الحاكمة في بغداد وتأكيده انتهاء هذه الشراكة ووصفه حكومة بغداد بـ“الدولة الدينية الطائفية”. وهو ليس اكتشافا جديدا يقدمه البارزاني، فالنظام الذي جاء به الاحتلال الأميركي في أبريل عام 2003 قام على تحالف الشيعة والأكراد إلى جانب ثلة من السياسيين العرب السنة الذين كونوا كتلا انتخابية تبيح لهم تلك المشاركة وفق الانتخابات ولم تتحدث الوقائع عن إدارتهم أو انتمائهم لأحزاب عربية عراقية داخل الحركة الوطنية العراقية قبل عام 2003 إلا من كان منهم منتسبا لحزب البعث في عهد نظام صدام وتبرأ منه إلى جانب أولئك المنتمين للحزب الإسلامي أو الحركات الدعوية الإخوانية، وارتصفوا في طابور الحصول على المكاسب والمنافع على حساب حقوق الناس التي يتبجحون بشعاراتها. وبعضهم نقل خبرته من الأعمال التجارية وغالبها “بالسحت الحرام” إلى تعاطي مهنة السياسة في عهد الاحتلال وبعده، فاكتسبوا خبرة اللعب والمناورة والكذب على العقول الجاهلة، وتوافقت مصالحهم الجديدة هذه مع الأحزاب “الشيعية” وتوابعها الفرعية، مقابل القيادات الكردية المكتسبة للنضج السياسي عبر تاريخ نضالها الطويل من أجل شعب يرى أنه يستحق ما للشعوب الأخرى وبينها الشعب العربي في العراق من حياة كريمة وعادلة.

لكن الوقائع تقول بأن القيادة الكردية حصلت على مكاسب هائلة في دولة المحاصصة الطائفية لم تتمتع بها الشعوب الكردية في إيران وتركيا وسوريا. ولأن العملية السياسية في العراق قامت على مصالح مؤقتة فكان متوقعا لها أن تنهار من الضفة الكردية مثلما بدأت من عندها عام 2003، والبارزاني اعتقد في دخوله هذه المغامرة الجديدة بالاستفتاء أنه يمتلك صمام الأمان للحكم في بغداد ومن دونه سينهار نظامه السياسي من سقفه “الكردي”، متوقعا ألا يستمر هذا النظام بهويته الحالية من دونه، لأنه مشارك فاعل في “عجينة” هذا النظام ذي المحاصصة الطائفية وأنه سيجبر سياسيي بغداد على الرضوخ لمطالبه، لكن فاته ما عملته إيران وأذرعها الاستخبارية والسياسية خلال الخمسة عشر عاما الماضية من شغل متواصل في تثبيت أركان حكم الأحزاب الشيعية ومدها بوسائل التواصل مع جمهور الوسط الشيعي عبر تعزيز مبدأ الولاء المذهبي وتفصيلاته ومظاهره الكثيرة، رغم الحصاد المر لهذه الأحزاب في حرمان أبناء الشيعة من حقوقهم في الحياة الكريمة، وما أنتجته سياسة التهميش والظلم بحق العرب السنة أولى ضحايا التحالف الكردي الشيعي الذي انهار اليوم.

ما تقدم يعيد تأكيد حقيقة أن نتائج هذه الوصفة من الحكم هي التي أوصلت مسعود البارزاني إلى هذه النتيجة الخطيرة التي يتعرض وفقها العراق إلى التفتيت والتقسيم خصوصا أنه فقد أهم مقومات نجاح مشروعه في تحقيق “الحلم الكردي” حين وضع كركوك والمناطق التي استحوذت عليها قواته خلال الثلاث سنوات الماضية في حرب داعش تحت مظلة الاستفتاء، وبذلك حفز وأثار الشعور الوطني العراقي العام والمحلي في كركوك للرفض والمجابهة السياسية أو العسكرية لتعطيل هذا الهدف، وسط تصعيد إعلامي تعبوي من قبل القوى العسكرية الميليشياوية الشيعية وتهديداتها بالأعمال العسكرية وسط تسريبات لسيناريوهات مخيفة بأعمال عسكرية إيرانية وتركية تستهدف أربيل، تقصي من خلالها قيادة مسعود البارزاني الذي قطع الطريق على حكومة حيدر العبادي من أن تتعاطى مع مطالب الأكراد الكبيرة ضمن مفاوضات وحوارات سياسية أصبح وقتها متأخراً الآن نتيجة تجاهل غير واع من قيادة الحكم في بغداد للتحذيرات الكردية منذ أكثر من ثلاث سنوات.

لكن المفاجأة بعد قرار البارزاني بالاستفتاء كانت مخيبة لآماله وتطلعاته حيث تحقق الإجماع العالمي ضد خطوته تمثل بقرار مجلس الأمن الدولي ودول الجوار رغم التسريبات القائلة بوجود ضوء أخضر داخلي من بعض القوى العالمية.

ووسط هذا الإحباط وجد البارزاني نفسه أنه لا مجال أمامه سوى الذهاب في مغامرته إلى النهاية في تحقيق الاستفتاء هذا اليوم 25 سبتمبر الحالي، فاتحا الأبواب أمام الحوارات المقبلة لما بعده، أي التفاوض حول الحدود والثروات، لكنه وقع في الخطأ القاتل وهو ضم مناطق ما يسمى بعد الخط الأزرق المقرر قبل عام 2003 والهيمنة على المناطق المسماة وفق الدستور العراقي بالمتنازع عليها وأهمها كركوك، وهنا وقع في المأزق السياسي القاتل فقضية كركوك كانت المشكلة المعقدة خلال السنوات الخمسين الماضية، ولم تفرط فيها الحكومات السابقة التي منحت الأكراد حكما ذاتيا عامي 1970 و1974 وكذلك في مفاوضات صدام حسين مع القيادة الكردية عامي 1984 و1991. يعود ذلك إلى تنوع هذه المدينة الإثني والعرقي، والاختلاف حول ديموغرافيتها وما أصابها من موجات “تعريب وتكريد”، ولعل الخطأ القاتل هو إدخالها بالاستفتاء مما ولد ردود فعل سلبية داخلها والرفض حتى من قبل شريك القيادة البارزانية الحزب الوطني الكردستاني، مما يتطلب النظر إليها بعين الحفاظ على وحدة العراق وفق الدستور الذي ساهم الأكراد في تشريعه عام 2005 لكن البارزاني يقول اليوم “إن العراق وفق هذا الدستور اتحادي وليس موحدا”.

إن موضوع الاستفتاء لن يقود بصورة تلقائية إلى استقلال كردستان عن العراق، فهذه ليست نزهة أو كلاما عاطفيا قوميا تعبأ حوله الجماهير. نعم إنها ورقـة سياسية بيد البارزاني للمفاوضات القادمة وسط رفض حكومي وسياسي وشعبي في العراق العربي، ورفض تركي وإيراني وتلويح بالضغوط الاقتصادية والعسكرية من هاتين الدولتين، إلى جانب التحذيرات الدولية.

إن مسيرة قيام الدولة صعبة وشاقة وبحاجة إلى دعم من مجلس الأمن والجمعية العمومية للأمم المتحدة وهذا غير متحقق الآن فكيف ستحصل الدولة الكردية على استقلالها؟ هل التشبث بحق تقرير المصير كافٍ لتحقيق هذا الهدف؟ ولعل إسرائيل وحدها هي الداعمة العلنية للخطوة الكردية، سيقول العالم للبارزاني نعم أوصلتم صوتكم بالخيبة والإحباط من حكومة بغداد، ولكن أعطوا الفرصة للقوى العالمية لكي تدير مفاوضات وحوارات سياسية توصلكم إلى الحصول على ما طالبتم به قبل الاستفتاء.

كما أن الأميركان الذين صنعوا معادلة الحكم في العراق وكان الأكراد ركيزتها يخافون من تدهور الأوضاع وغياب هذه المعادلة وانهيار العملية السياسية في العراق وانفتاح أزمة جديدة في المنطقة لا تتحملها إدارة الرئيس دونالد ترامب الحريصة على مصالحها في نفط كركوك وعدم التفريط فيه لصالح البارزاني إلا إذا أعطاهم التطمينات بأن نفط كركوك يبقى تحت الحماية الأميركية، وهو متحقق فعليا بإدارة الشركات الأميركية العملاقة.

وفي كل الأحوال إذا ما نجح البارزاني باستفتائه في تحقيق نتائج إيجابية لصالح انفصال الأكراد عن العراق، فالاحتمالات المتوقعة هي شروعه في العمل السياسي المستند على ورقته هذه مع حكومة بغداد، وبذلك تتلاشى الهبة الإقليمية والدولية الرافضة، ويسدل الستار على ورقة الاستفتاء إلى ما هو متوقع كالآتي؛ مفاوضات الحقوق التي يطالب بها مسعود البارزاني (الحدود والثروات) وطبعا كركوك هي العقد الكبيرة، فأية دولة يحلم بها الأكراد من دون “خزان الذهب”، وهنا السيناريوهات المتوقعة هي الدخول بمسيرة مفاوضات طويلة قد تتدخل فيها الأمم المتحدة حول عائدية كركوك، وهذا يستبعد قيام الدولة الكردية المفترضة قريباً، كما أن ما يشاع حول قيام الكنفيدرالية أمر مستبعد لأن مثل هذا النظام يقام بين دول مستقلة قد تؤول إلى فيدراليات وليس بين إقليم فيدرالي قائم فعلا ودولة مركزية موجودة.

أما إذا تعقدت الأمور وساندت طهران وأنقرة التصعيد ضد الوجود السياسي لقيادة البارزاني في أربيل وذلك أمر غير مستبعد في ظل تعقيدات الوضع السياسي الداخلي الكردي، خاصة وأن البارزاني نفسه صرح قبل أسبوعين بـ“أنه سيتخلى عن رئاسة الإقليم بعد نجاح الاستفتاء”، مع ذلك كله فإن ما يحصل اليوم هو نتاج طبيعي لأصل مشكلة العراق وهي نظامه السياسي القائم ومن دون بذل جهود وطنية خيّرة لتغييره أو تعديله نحو النظام المدني التعددي الكافل لحقوق جميع أبناء الشعب، فهذه العاصفة الكردية هي الخطوة العملية الأولى لتفكيك هذا البلد وتقسيمه.

كاتب عراقي

8