كيف سُرقت إرادة الشيعة في العراق

السبت 2015/04/18

غالبا ما يتم تداول مصطلح “الشيعة في العراق” كما لو أنه يشير إلى معنى واضح ومتفق عليه على مستوى التوصيف السكاني. وهو خطأ مضلل استفادت منه الأحزاب والجماعات الطائفية التي صارت تحتكر التمثيل الشيعي، وكأنها مخوّلة أو منتخبة للقيام بذلك الدور الذي صار نوعا من الزعامة التي لا تُمس، ولا تقبل التغيير.

لنتفحّص ذلك المصطلح من داخله. فهل المقصود به الإشارة إلى أتباع مذهب ديني، يتميزون عن سواهم بالالتزام بوصفات ذلك المذهب الجاهزة، أم المقصود به تلك المجموعة البشرية التي قُدّر لها اجتماعيا أن تُنسب إلى ذلك المذهب من غير أن تكون مؤمنة أو ملتزمة بعناصر اختلافه التي تقدم ما هو تاريخي على ما هو ديني لتصنع وصفات عزلتها؟

هناك فرق بين أن يكون المرء شيعيا ملتزما بفتاوى المرجعيات الدينية وفقهها والمرويات التاريخية التي استعملها المؤرخون والفقهاء الشيعة لتكريس مفهوم المظلومية، وبين أن يكون شيعيا رغم أنفه، كونه ولد في عائلة شيعية.

ومن خبرتي الشخصية بالعراق، وقد عشت الجزء الأكبر من حياتي هناك، فإن المجموعة البشرية التي يطلق عليها اليوم لقب الأغلبية الشيعية لم تكن تتميز بتشددها الديني، بل أن الكثير من أبنائها لا يمكن أن يُعتبروا متدينين، وقد لا أكون مخطئا إذا ما قلت إن نسبة كبيرة ممّن يوصفون اليوم في الإعلام بالشيعة، كانوا من الشيوعيين والعلمانيين والملحدين.

غير أن ما جرى بعد الاحتلال الأميركي من وقائع، لم تكن في الجزء الأعظم منها إلا فقرات من مخطط وضع لتدمير العراق وحرمان شعبه من الحياة السوية، قد أحدث قطعا بين الحقيقة التاريخية والواقع الذي كان المحتل يرغب في صياغة مستقبل العراق على أساسه.

لقد جلب المحتل معه طاقما سياسيا تألف في الجزء الأكبر منه من ممثلي الأحزاب والجماعات الشيعية، وفرضه ممثلا لما صار يسمّى بـ”الأغلبية الشيعية”. ولم يكن مفاجئا ألا يضم ذلك الطاقم أحدا من مفكري أو اقتصاديي أو علماء أو أطباء أو مهندسي أو مثقفي الشيعة الذين يقيمون في عواصم صنع القرار الاستعماري، لا لشيء إلا لأن المذكورين لم يوافقوا على غزو بلادهم واحتلالها، ولم يرغبوا في أن يتلوث تاريخهم الوطني بعار الخيانة.

وهكذا انفرد نفر من المتآمرين والجهلة وقطاع الطرق واللصوص والفاسدين والانتهازيين والعملاء بما ألقته لهم سلطة الاحتلال من مكرّمات، هي جزء من نظام المحاصصة الطائفية الذي جلب إلى الحكم أيضا أفرادا من أتباع المذهب السني، ليكونوا ممثلين لما صار يسمّى بالمكون السني، وهم في حقيقتهم لا يختلفون عن زملائهم ممثلي ما صار يسمّى بالمكون الشيعي من جهة تبعيتهم للمحتل.

ومَن يراجع قائمة المستفيدين من الطبخة الأميركية سيكتشف بيسر أن كلا الطائفتين (الشيعية والسنية) قد قدمت إلى الحكم أسوأ ما لديها من أبناء. هذا على افتراض أن الطائفتين كانتا قد ساهمتا، أصلا، في اختيار أولئك الأبناء اللصوص. وهو ما تدحضه الوقائع. فوجود نوري المالكي، وهو زعيم عصابة إرهابية، في الحكم لثماني سنوات كان بمثابة إهانة للشيعة، وفي المقابل فإن أسامة النجيفي الذي ترأس البرلمان العراقي، وهو الآن يشغل منصب نائب رئيس الجمهورية، كان لحظة عار في تاريخ السنة.

كان العراقيون، سنة وشيعة وأكرادا، بناة دولة سبقت دول المنطقة في مدنيتها ومعاصرتها، فهل يُعقل ألا يملك شيعتهم سوى المالكي، ولا يملك سنتهم سوى النجيفي، أما مسعود البرزاني، فإن مشكلته القبلية مع الأكراد معقدة بسبب التخلف. ومع ذلك فإن مأساة الشيعة تبقى هي الأكبر.

لقد اقتيدوا إلى موقع سوء الفهم التاريخي، من غير أن يُمنحوا فرصة الخيار. كانت ديمقراطية سلطة الاحتلال قد وضعت بين أيديهم قائمة أتباعها، وقالت لهم “أنتم أحرار في اختيار من يمثلكم”. وهكذا فإنك أينما تضع أصبعك ستختار لصا، أو سارقا، أو قاطع طريق. لقد سُرقت إرادة الشيعة لحساب ممتهني الخيانة.

كاتب عراقي

9