كيف صارت الطبقة السياسية الأميركية رهينة فوكس نيوز

توجيه وسيلة إعلام واحدة لمدافعها صوب مؤسسات عريقة كاف لتغيير قناعاتها.
الأربعاء 2018/08/29
نظام مناعي حصين لترامب

رغم إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب الحرب على وسائل الإعلام التقليدية كما على وسائل التواصل الاجتماعي، إلا أنه يدين بالفضل الكبير لهذه الوسائط المؤثرة في الرأي العام عند وصوله إلى البيت الأبيض، والآن في استمرار شعبيته وحمايته من أي تمرد أو غضب، وهو ما تفعله تحديدا قناة فوكس نيوز اليمينية التي أظهرت في ظل أزمة التحقيق مع محامي ترامب السابق مايكل كوهين، أنها قادرة على تحويل دفة الرأي العام الأميركي على المستوى القومي عن الاهتمام بقضية قد لا تكون في صالح ترامب.

واشنطن - تتخذ قناة فوكس نيوز المحافظة الإخبارية الطبقة السياسية الأميركية رهينة لدعم الرئيس دونالد ترامب، في وقت يجد نفسه فيه في مأزق، إذا استمر في السير على خط مستقيم في نفس الاتجاه، فقد يقود إلى عزله.

ومنذ اعتراف محاميه السابق مايكل كوهين بأنه دفع لسيدتين أقام معهما ترامب علاقة كي يشتري صمتهما بناء على أوامر منه، وإدانة رئيس حملته السابق بول مانفورت بالاحتيال المصرفي والضريبي، ألقت فوكس نيوز بثقلها الإعلامي بشكل حاسم خلف ترامب، وشكلت ضغطا سياسيا هائلا على أعضاء جمهوريين في الكونغرس كانوا عبروا في السابق عن انزعاجهم من سياساته.

إعلام الدولة الرسمي

ساهمت القناة اليمينية، التي يعتبرها ترامب وسيلة الإعلام المفضلة بالنسبة له، في إخماد نار تمرد بين صفوف حزب المحافظين، وبات أعضاء الكونغرس المنتمون للحزب يفكرون أكثر من مرة قبل إقدامهم على توجيه أي انتقاد لسياسات الرئيس، على المستويين الداخلي والخارجي.

ويقول مراقبون مقيمون في واشنطن إن “ترامب يتعامل مع فوكس نيوز باعتبارها الإعلام الرسمي للدولة”. ويعني هذا دعما غير متردد لأكثر القضايا إثارة للجدل في الداخل.

ومنذ قضية إقالة مدير مكتب التحقيقات الفيدرالية السابق (أف بي آي) جيمس كومي في مايو 2017، أظهرت فوكس نيوز استعدادها لتوجيه ضربات موجعة سياسيا لخصوم ترامب، وعدم تردد في خوض معاركه نيابة عنه.

وظهر ذلك جليا في قضايا أثرت على الرأي العام الأميركي، كقانون الرعاية الصحية، المعروف بـ”أوباما كير”، وعلاقة ترامب بروسيا، والتحقيقات التي يقودها المحقق الخاص روبرت مولر حول تدخل روسيا في الانتخابات الرئاسية التي أجريت عام 2016 وفاز فيها ترامب، إلى جانب انسحاب الولايات المتحدة من اتفاق باريس للمناخ، وانسحابها من الاتفاق النووي مع إيران، والحرب التجارية التي يشنها ترامب على كل من الصين وروسيا.

فوكس نيوز تتخد الطبقة السياسية الأميركية رهينة دعم ترامب
فوكس نيوز تتخد الطبقة السياسية الأميركية رهينة دعم ترامب

ومساء الثلاثاء الماضي ولمدة 24 ساعة وبدلا من أن تتحدث عن مايكل كوهين، ركزت فوكس نيوز في تغطيتها على مقتل الشابة البيضاء مولي تيبيتس، والمشتبه به الرئيسي مكسيكي يقيم بطريقة غير قانونية في الولايات المتحدة.

ولم يتحدث ترامب بنفسه أيضا عن مايكل كوهين مساء الثلاثاء لكنه تطرق إلى مقتل تيبيتس، ثم خصص لها تسجيل فيديو على تويتر الأربعاء.

واعترف الجمهوري نيوت غينغريتش حليف ترامب، علنا بهذه الاستراتيجية. فقد كتب في موقع اكسيوس السياسي الإلكتروني “إذا أصبح اسم مولي تيبيتس معروفا لدى الجميع في أكتوبر فذلك سيضر بالديمقراطيين”. وأضاف “إذا بقينا نركز على مانافورت وكوهين وغيرهما فإن الجمهوريين يمكن أن يخسروا الجزء الأكبر من مجلس النواب”.

وإذا كانت قوة فوكس نيوز ومدى انتشارها بين المحافظين، خصوصا في الوسط وجنوب الوسط وولايات في الشرق، لم تخضع في السابق لتقييمات علمية وموضوعية لقياس درجة التأثير، فإنها لم تعد في حاجة اليوم لمثل هذا التقييم، بعدما أظهرت أنها قادرة على تحويل دفة الرأي العام الأميركي على المستوى القومي من الاهتمام بقضية قد لا تكون في صالح ترامب، كمعاملة المهاجرين غير الشرعيين وسياسات عنصرية ضد المسلمين، إلى قضايا أخرى أقل أهمية لكنها تشكل رصيدا سياسيا إضافيا له.

وتعتمد فوكس نيوز في بناء أجندتها الإعلامية الداعمة لترامب على إنجازات أغلبها اقتصادي، إذ أدت قرارات اقتصادية اتخذها ترامب في بداية ولايته، أهمها خفض كبير للضرائب على الأفراد والشركات، إلى وصول نسبة البطالة لأول مرة منذ عقود إلى 3 بالمئة فقط.

غوغل ينتقد ترامب، فهو "مزور" بنظره!

واشنطن - اتهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب محرك البحث غوغل “بالتزوير”، لأن البحث عن أخبار ترامب يقدم تقارير سيئة عنه، مشككا في قانونية هذا الأمر. ويأتي هذا التصريح الجديد ضمن حملة شرسة يشنها ترامب، وأغلبها عبر تويتر، على مواقع التواصل الاجتماعي العملاقة بسبب ما قال إنها رقابة تفرضها على أصوات المحافظين، وهي المزاعم التي لا دليل عليها ويتبناها أنصاره.

وغرّد ترامب على تويتر قائلا إن “نتائج البحث على غوغل عن أخبار ترامب لا تظهر سوى تقارير الإعلام الكاذب”.

وأضاف “بمعنى آخر فقد تعرضت هذه الأخبار للتزوير بالنسبة لي ولآخرين بحيث تكون جميع التقارير والأخبار تقريبا سيئة. سي أن أن الكاذبة على رأسها. إعلام الجمهوريين والمحافظين النزيه يتعرض للتعمية. هل هذا غير قانوني؟”.

وتابع أن “غوغل وآخرون يكتمون أصوات المحافظين ويخفون معلومات وأخبارا جيدة. إنهم يتحكمون في ما يمكننا أن نراه ولا نراه. هذا وضع غير جيد وستتم معالجته”. وأظهر استطلاع أجراه مركز بيو للأبحاث نشر في يونيو أن 43 بالمئة من الأميركيين يعتقدون أن شركات التكنولوجيا الكبيرة تدعم آراء الليبراليين على حساب المحافظين، كما أن 72 بالمئة يؤمنون بفكرة أن منصات التواصل الاجتماعي تفرض رقابة فعالة على الآراء السياسية المعارضة.

وقال 85 بالمئة من الجمهوريين والمستقلين ذوي الميول الجمهورية إنهم يعتقدون أن مواقع التواصل الاجتماعي تفرض رقابة متعمدة على الآراء السياسية. إلا أن العديد من الدراسات تشير إلى أن المحافظين ينشطون بشكل متزايد على مواقع التواصل الاجتماعي. ونفت كل من تويتر وفيسبوك أي انحياز في رقابة منصاتيهما.

وبالأساس، تحسّن سوق الوظائف بشكل كبير في ظل رئاسة باراك أوباما بعد الركود الكبير، عندما اختفت الملايين من الوظائف الأميركية فجأة، لكن العام الماضي شهد تراجعا مذهلا في مستويات البطالة.

وخلال الأشهر القليلة الماضية، بلغ عدد مطالبات التأمين الجديدة ضد البطالة ومستويات البطالة بين السود وذوي الأصول اللاتينية أدنى مستوياته في أكثر من أربعة عقود. وإلى ذلك، زادت الوظائف في قطاعات الإنشاء والتصنيع والتعدين بنحو نصف مليون وظيفة في غضون عام واحد فقط.

ويقول محللون أميركيون إن فوكس نيوز استخدمت إنجازات ترامب الاقتصادية، إلى جانب طبيعته التي تميل إلى الوفاء بوعوده التي قطعها على نفسه خلال حملته الانتخابية، لخلق “نظام مناعي” حصين لرئاسة ترامب، وفر له حماية لم تتوفر لرئيس أميركي من قبل.

تفتيت معسكر المحافظين

يشعر أعضاء في الكونغرس ينتمون للحزب الجمهوري أن ترامب، ومعه قناة فوكس نيوز، تسببا في قسم معسكر المحافظين في الولايات المتحدة، وخلقا فجوة كبيرة بين الجمهور المحافظ والطبقة السياسية التي تعبر عنه.

وقال دبلوماسي أوروبي، طلب عدم الكشف عن هويته، إن “الطبقة السياسية تجد نفسها لأول مرة وحيدة في مواجهة جيش زاحف من المعادين للسياسيين على رأسه ترامب نفسه”. وأضاف “لا يحتاج ترامب أكثر من أعداد ضخمة من المشاه وبروباغندا إعلامية تغطي تقدمها وتبقي معنوياتها مرتفعة، كي يكسب المعركة”.

ويبدو أن ترامب كسب المعركة بالفعل. فرغم أصوات بعض السياسيين الكبار التي علت، في أعقاب قمة ترامب مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين في هلسنكي منتصف يوليو الماضي إثر تنازلات جذرية قدمها ترامب لبوتين، تمكن الرئيس الأميركي من تحييد هذه الشخصيات بقليل من الضغط.

وبالفعل، لم تستغرق الانتقادات، التي خرجت أيضا من قناة فوكس نيوز حينها، ساعات حتى عادت الأمور إلى مجاريها. ويقول خبراء في السياسة الأميركية إن “قادة الحزب الجمهوري باتوا يخشون من الجماهير التي سرقها ترامب بعيدا عن تأييد الحزب، وأقنعها بتأييده هو فقط. ترامب صار حزبا مستقلا داخل الحزب الجمهوري”.

وبات من غير الوارد لدى هؤلاء البرلمانيين، الذين يستعدون لانتخابات تشريعية حاسمة في نوفمبر، معاداة الرئيس الأميركي الذي يستأثر بشعبية كبيرة لدى قاعدته الجمهورية، ويؤكد أنه قادر على التأثير على الاقتراع بتغريدة واحدة.

وكتبت صحيفة نيويورك تايمز في افتتاحيتها الخميس الماضي أن “الجمهوريين في الكونغرس يتظاهرون بأنهم لا يرون شيئا مع الرئيس ترامب بتجاهلهم أكاذيبه وتخريبه للمؤتمرات الديمقراطية وهجماته على مؤسسات الحكومة أو بالتقليل من أهمية شتائمه، عندما يكون من المستحيل تجاهلها”.

ولا شيء مما يفعله ترامب يثير غضب الجمهوريين، من سياسته الحمائية في حزب يدافع تقليديا عن السوق الحرة، وموقفه التصالحي مع بوتين في حزب التزم باستمرار الحذر من العدو في فترة الحرب الباردة، والحديث عن علاقات خارج إطار الزواج في حزب يركز على القيم العائلية والدينية.

ويقول كريستوفر ارترتون أستاذ العلوم السياسية في جامعة جورج واشنطن، إن السر هو قدرته على التعبئة في فترة من استقطاب كبير بين الناخبين تكون فيها “المشاركة حاسمة”. وقال “طالما بقي دعمه قويا، سيواصل القادة في واشنطن دعم ترامب بفتور (والتعبير عن استيائهم في الجلسات الخاصة من أنه يقوم بتدمير الحزب)”.

وقال ارترتون إن هذا ما يجعل البرلمانيين الجمهوريين الذين يحاولون الابتعاد عن ترامب، يخشون “هرب الناخبين ومهاجمتهم من قبل معلقي فوكس نيوز”.

وهؤلاء القادة على حق. فأي محاولة من قبلهم لتحدي ترامب قد تؤدي إلى تقسيم الحزب الجمهوري إلى حزبين. فإذا أعلن ترامب عن انشقاقه عن الحزب فقد يكون قادرا على بناء حزب يميني جديد ينهي استقرار وتوازن الثنائية القطبية اللذين عرفتهما السياسة الأميركية لقرون.

وتوضح قضيتا كوهين ومانفورت أن ظل المدعي الخاص روبرت مولر اقترب بشكل واضح من الدائرة القريبة من ترامب. وقال السناتور الجمهوري ليندساي غراهام، الذي كان في السابق أحد أكثر المهاجمين لترامب، إن “أي عضو من فريق حملة ترامب في 2016 لم يصدر بحقه حكم أو إدانة بالتواطؤ مع روسيا”.

ثعلب الإعلام الأميركي

تبدو فوكس نيوز تجسيدا إعلاميا لتغيرات عميقة شهدتها الساحة السياسية الأميركية والغربية، بشكل عام، منذ رحيل أوباما، وتصويت البريطانيين لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي، وصعود مطرد لليمين المتطرف في دول أوروبية عدة. وشهدت وسائل الإعلام منذ ذلك الحين “صعود اليمين المتطرف” أيضا من حيث التأثير والقدرة على الانتشار.

وساعدت هذه القدرة على الضغط بشكل غير مسبوق على وسائل الإعلام التقليدية التي تعتمد المهنية والمصداقية والموضوعية في تغطياتها. وتحولت صحف وقنوات تلفزيونية تحظى باحترام واسع، كـ”سي أن أن” ونيويورك تايمز وواشنطن بوست وغيرها، إلى معسكر معاد لترامب، التي يتهمها طوال الوقت بنشر “أخبار كاذبة”.

واعتمدت فوكس نيوز منذ إنشائها على الخروج عن نمطية التغطية الجامدة التي تلتزم بمعايير الإعلام الحرفية، وحاولت التحرر من التمسك بنخبوية شكلت جوهر أسلوب عمل وسائل الإعلام بشكل عام. وبدلا من ذلك، اعتمدت فوكس نيوز على شعبوية مبكرة، وبدأت تجني ثمارها في زمن شعبوي بامتياز.

Thumbnail

ويقول خبراء إعلام إن الشعبوية ليست صفة سيئة عندما تقترن بوسائل الإعلام، إذ أن المهمة الأولى للصحيفة أو القناة الإخبارية هي الوصول إلى الناس ومحاولة التأثير في اتجاهات الرأي العام. ولن تتمكن أي وسيلة إعلام من تحقيق ذلك من دون أن تكون قادرة على أن تبني لهجة قريبة من الناس. وتبدو أغلب برامج فوكس نيوز حوارية أساسا، حتى التغطيات الإخبارية تحمل صبغة حوارية طوال الوقت.

وتستعين فوكس نيوز غالبا بفريق معلقين شبه ثابت، تتعاقد معهم لمواسم متعددة. وأغلب هؤلاء المعلقين من الخبراء والسياسيين السابقين أصحاب التوجه اليميني أو المحافظ.

وبرعت فوكس نيوز في بناء صورة القناة الإخبارية المعاصرة، التي وضعت معايير مهنية خاصة بها. وحولت هذه المعايير ثقة قطاع واسع من الجمهور من وسائل إعلام تحظى بمصداقية إلى فوكس نيوز التي ينظر إليها عادة باعتبارها منصة بروباغندا.

ويقول خبراء إنه “كما تلاعب ترامب بالمسرح السياسي وقناعات الناخبين، تمكنت فوكس نيوز من التلاعب بسوق الإعلام وثقة المشاهدين والقراء”. وأضافوا “النتيجة الطبيعية أن يشكل الطرفان فريقا معا يختطف المجال العام في الولايات المتحدة، ويأخذ كل من يعارضه رهينة. هذا إرهاب سياسي وإعلامي واضح”.

7