كيف صنعت شجاعة ساوثغيت مجد إنجلترا

أنريكي ومانشيني من الفشل إلى قمة الكرة الأوروبية.
الأحد 2021/07/11
ساوثغيت يعيد كرة القدم إلى مهدها

تمثل النسخة الحالية من كأس أمم أوروبا قصة استثنائية للعديد من المدربين الذين أظهروا إمكانيات فنية ضخمة في الفترة الأخيرة. ولعل أبرز الأسماء التي ظهرت بشكل مميز في اليورو، هو غاريث ساوثغيت الذي نجح في إعادة إنجلترا إلى القمة العالمية ولويس أنريكي مدرب إسبانيا ونظيره روبيرتو مانشيني المدير الفني لمنتخب إيطاليا. أنريكي ومانشيني أعادا إسبانيا وإيطاليا إلى مكانتهما القارية بعدما خفتت أضواؤهما خلال السنوات الأخيرة، إما بالخروج المبكر من البطولات الكبرى أو عدم التأهل من الأساس مثل ما حدث للطليان في كأس العالم 2018. فهل سيقدر ساوثغيت على فك شفرة المدرب مانشيني والتتويج باللقب الأوروبي؟

لندن - رُميت كرة تدريب منتخب إنجلترا لكرة القدم قبل خمس سنوات في حضن غاريث ساوثغيت، إثر نهاية محبطة لمشوار قصير مع سام ألاردايس. يقف المدرب الأنيق على بُعد مباراة واحدة الأحد ضد إيطاليا في نهائي كأس أوروبا في كرة القدم، لقيادة بلاده إلى أول لقب كبير منذ مونديال 1966. في البداية، عُيّن ساوثغيت مؤقتا، على أنه نموذج يحتذى به بالنسبة إلى اتحاد اللعبة، بعد سقوط ألاردايس في فخ صحيفة كشفت أنه قدم نصائح حول الالتفاف على القواعد الخاصة بانتقالات اللاعبين.

وانتهى مشوار دام ثلاث سنوات لساوثغيت مع ميدلزبره بالهبوط إلى المستوى الثاني، فيما كانت رحلته متذبذبة مع منتخب ما دون 21 سنة، ليصل مع الأسود الثلاثة بسيرة ذاتية متواضعة. وبرغم ذلك، قاد إنجلترا أول نصف نهائي للمونديال في 28 سنة، وذلك في أولى بطولاته الكبرى قبل ثلاث سنوات في روسيا. والآن قطع أبعد شوط لمدرب إنجليزي في البطولة القارية، عندما يستضيف إيطاليا في النهائي الأحد على ملعب ويمبلي الشهير.

شجاعة قناعاته

لعقود، رضخ مدربو منتخب إنجلترا لرغبات وسائل الإعلام والجماهير، للدفع باللاعبين الموهوبين في التشكيلة الأساسية، حتى لو كان ذلك على حساب الهيكلية العامة للفريق. اعتزل بول سكولز اللعب الدولي بعد سنوات من إزاحته إلى الجناح الأيسر، خارج مركزه الأصلي، لفسح المجال لفرانك لامبارد وستيفن جيرارد، ضمن جيل ذهبي فشل في تخطي ربع نهائي البطولات الكبرى تحت إشراف المدرب السويدي سفن غوران إريكسون في 2002 و2004 و2006.

وعلى النقيض من ذلك، ارتضى ساوثغيت بترك مهاجميه الموهوبين على مقاعد البدلاء. بقي وفيا لهاري كاين ورحيم سترلينغ، ما يعني بقاء موقع وحيد لكل من بوكايو ساكا، جاك غريليش، فيل فودن، جايدون سانشو وماركوس راشفورد. وفيما يُعدّ معشوق الجماهير، تحسّر غريليش على استبداله بعد 36 دقيقة فقط من نزوله في نصف النهائي ضد الدنمارك (2 – 1 بعد التمديد).

وقال الهداف الدولي السابق ألن شيرر “هناك جانب سيء لغاريث، وهو في المكان المناسب للقيام بذلك”. أما ساوثغيت فشرح قراره “احتجنا إلى مدافع إضافي والتأكد من صلابتنا. أردت الإبقاء على سرعة رحيم (سترلينغ)، ما يعني اضطرارنا إلى سحب أحد الشبان الذين نزلوا”.

يقف المدرب الأنيق ساوثغيت على بُعد مباراة واحدة الأحد ضد إيطاليا لقيادة بلاده إلى أول لقب كبير منذ مونديال 1966

وتابع “أشعر مع جاك غريليش، يظهر بوضوح مدى رغبته بخوض هذه البطولة.. ليس جميلا أبدا أن تستبدل لاعبا بديلا.. الأحد قد يدخل جاك ويصنع الفارق أو يمرّر كرة هدف الفوز”. ويعوّل لاعب كريستال بالاس وأستون فيلا وميدلزبره السابق على خط دفاعي صلب اهتزت شباكه مرة يتيمة في ست مباريات، وذلك من ضربة حرة ضد الدنمارك في نصف النهائي، بالاضافة إلى لاعبي الارتكاز ديكلان رايس (وست هام) وكالفين فيليبس (ليدز يونايتد). ويحظى ساوثغيت (50 عاما) بتقدير كبير من نظرائه، وتبيّن ذلك في المؤتمر الصحافي لمدرب الدنمارك كاسبر هيولماند. وقال هيولماند “تابعت استراتيجية الاتحاد الإنجليزي خصوصا كيف قاد غاريث المنتخب في السنوات الأخيرة. طريقته في تمثيل بلاده وتواصله رائعة. تهانينا غاريث، أعتقد أنك تقوم بعمل رائع في زمن صعب”.

ويشرح ساوثغيت “أحبّ أن يتكلم اللاعبون أثناء الاجتماعات، أحبّ أن يكون لديهم رأي في المباراة، لأنه في الدقيقة الـ85، عندما يكون لديهم قرار لاتخاذه لحسم الفوز من عدمه، لن نكون قادرين على اتخاذ هذا القرار من مقاعد البدلاء”. وكان ساوثغيت القائد المثالي لفريق يتمتع بوعي اجتماعي، ولم يوصل الرسائل فقط من خلال كرة القدم. وفي ولايته، اضطر لاعبو إنجلترا للتعامل مع إساءات عنصرية في مونتينيغرو وبلغاريا. كما استهلوا البطولة الحالية تحت صيحات استهجان بعض جماهيرهم، بسبب ركوعهم احتجاجا على الظلم العنصري. وقال ساوثغيت آنذاك “الأهم بالنسبة إلى لاعبينا أن يدركوا أننا متحدون تماما بشأن ذلك، نحن ملتزمون تماما بدعم بعضنا البعض”.

ولطالما تمّ التشكيك بحنكة ساوثغيت التكتيكية، بيد أنه أظهر رغبة للتكيّف مع متطلبات الفوز. وقبل ثلاث سنوات في روسيا، كانت العودة إلى دفاع من خمسة بمثابة الحماية لحارس ودفاع يفتقد للخبرة. هذه المرة لجأ إلى خطة 4 – 3 – 3 للحصول على لاعب هجومي إضافي، باستثناء ثمن النهائي ضد ألمانيا عندما عدّل خطته لإحباط تحركات يوزوا كيميش وروبن غوزنس على الجناحين.

ويوضح أن فريقه لا يمكن أن يظهر بشكل جيد في البطولة القارية إذا لم يتقن أنماط لعب عدة. وبرّر ساكا الزجّ به ضد الدنمارك أساسيا، من خلال صناعة الهدف الذي سجله سايمون كاير عن طريق الخطأ. لكن بعد الدفع بغريليش، تحوّل سترلينغ من الجهة اليسرى إلى اليمنى، حيث حصل على ركلة الجزاء الحاسمة والجدلية والتي مهدت طريق إنجلترا إلى النهائي المنتظر.

ساعة الحقيقة

Thumbnail

عندما عاد لاعبو إنجلترا للتدريبات في مقرهم في سان جورج بارك، لم يكن هناك شك في أن الفريق شعر ببهجة الاحتفالات الصاخبة عقب الفوز على الدنمارك قبل نهائي البطولة. ولكن في الوقت الذي كانت تتم فيها إزالة آثار الاحتفالات الصاخبة بالتأهل للنهائي، ستواجه إنجلترا اختبارا أكثر صعوبة. ورغم الفرحة العارمة والبهجة بعودة كرة القدم إلى موطنها والمبالغة لدرجة مطالبة أحد خبراء تحليل المباريات باعتبار اليوم يوما وطنيا للاحتفال، إلا أن إنجلترا لم تفز بأي شيء بعد.

وفي الواقع الشيء الوحيد الذي سيعود إلى موطنه هو المنتخب الإنجليزي الذي سيعود إلى ويمبلي لمواجهة إيطاليا الأحد المقبل في المباراة النهائية. وقال كريس وادل جناح إنجلترا السابق والمحلل في محطة راديو هيئة الإذاعة البريطانية ‘بي.بي.سي’ “عاد الفريق للواقع صباح اليوم. الجميع استمتع بما حدث الليلة الماضية”.

وأردف جناح إنجلترا السابق “لكن علينا الاستعداد الآن لمواجهة أحد أكثر الفرق خبرة في كرة القدم العالمية، مواجهة إيطاليا ستكون مواجهة أصعب من الليلة الماضية”.

ولم يخسر فريق المدرب روبرتو مانشيني في 33 مباراة وبلغ النهائي عقب فوزه بركلات الترجيح على إسبانيا في قبل النهائي، وهذه ثاني مرة تظهر فيها إنجلترا في نهائي بطولة كبرى، لكنها العاشرة لإيطاليا. وبالنسبة إلى النقاد واللاعبين السابقين الذين لم يتأهلوا إلى نهائي بطولات أوروبا أو كأس العالم خلال مسيرتهم، والجماهير الإنجليزية التي عانت طويلا، تبدو الفرحة واضحة بعد إنهاء 55 عاما من الانتظار.

لكن إحدى أكثر العبارات التي يستخدمها ساوثغيت خلال هذه البطولة كانت ضرورة أن يصنع “اللاعبون تاريخهم الخاص” وعدم الشعور بأعباء الماضي. ونجح اللاعبون في ذلك حتى الآن، حيث تجنبت إنجلترا العديد من مشاكل البطولات السابقة، بالفوز على ألمانيا منافسها التقليدي في دور الـ16 وعدم التوتر بعد التأخر أمام الدنمارك وخوض شوطين إضافيين.

ووسط ذروة الاحتفالات عاد ساوثغيت لتركيزه مرة أخرى، وقال “يجب الفوز بالمباريات النهائية. سنستعيد تركيزنا ونستعد بالشكل المناسب. علينا التعافي فقد تطلب الأمر الكثير من المجهود البدني والذهني. إيطاليا تعرضت لذلك لكنها تملك يوما إضافيا للتعافي”.

وأضاف مدرب إنجلترا “إيطاليا فريق قوي للغاية. فكرت في ذلك في آخر عامين. إنها تقدم أداء مذهلا وتملك مقاتلين في الدفاع مروا بكل شيء، وخضنا ثلاث مباريات للذكرى. نريد كتابة ذكريات لبلادنا”.

ولن يتم تحديد الذكرى الدائمة لهذه البطولة لإنجلترا بالفوز على ألمانيا أو تسجيل أربعة أهداف في أوكرانيا أو الفوز على الدنمارك، لكن من خلال نتيجة المباراة النهائية الأحد.

وتدرك إيطاليا كل ذلك، حيث خسرت آخر مباراتين نهائيتين في بطولة أوروبا 2000 و2012، لكن بينهما فازت بلقب كأس العالم 2006. ويمكن لكل مشجع إيطالي تذكر تشكيلة المدرب مارشيلو ليبي الفائزة بكأس العالم 2006 في ألمانيا، لكنّ عددا قليلا سيتذكر اللاعبين الخاسرين في نهائي أوروبا. وستتفوق الجماهير الإنجليزية داخل مدرجات ويمبلي التي ستستقبل 60 ألف متفرج الأحد المقبل، تماما كما كان الحال عندما فاز الفريق بلقبه الكبير الوحيد في كأس العالم 1966.

بطل الهيمنة

Thumbnail

مانشيني هو بطل هيمنة إنتر ميلان على الدوري الإيطالي خلال الفترة من 2005 إلى 2008 قبل الإطاحة به واستقدام البرتغالي جوزيه مورينيو، وحقق بعدها لقب الدوري الإنجليزي الممتاز مع مانشستر سيتي. وحتى على صعيد الفرق الأقل جماهيرية، حقق مانشيني كأسي إيطاليا وتركيا مع فيورنتينا وقلعة سراي تواليا.

وحدث تراجع لمانشيني بين عامي 2014 و2018 في تجربتي إنتر الثانية وزينيت سانت بطرسبرغ الروسي، فلم يتوج بأي لقب وتراجعت أسهمه كمدرب من الفئة الأولى. لكن تراجع الطليان وفشلهم في التأهل لنهائيات كأس العالم 2018 منح قبلة الحياة في مسيرة مانشيني التدريبية، خاصة أن أنجح المدربين الطليان من أمثال أنطونيو كونتي وماسيمليانو أليجري يفضلون قيادة الأندية. ونجح مانشيني في أن يخلق منتخبا عاشقا والكرة الهجومية، للفوز على عكس العقلية المعروفة عن الطليان بالتقدم في البطولات بالسيناريوهات الصعبة.

ووصل مانشيني مع المنتخب الإيطالي لرقم قياسي بعدم الخسارة في 33 مباراة على بعد مباراتين فقط من الرقم القياسي للبرازيل وإسبانيا (35). اعتزال جيانلويجي بوفون منح الفرصة لمانشيني لخلق منتخب جديد حول نجمي الدفاع جيورجيو كيليني وليوناردو بونوتشي، مع منح الفرص للشباب من أمثال نيكولو باريلا وفيدريكو كييزا وغيرهم.

أنريكي المدرب الذي قاد برشلونة لآخر لقب دوري أبطال أوروبا في تاريخ البلاوغرانا عام 2015، عانى خلال السنوات التالية من أزمات عديدة. وعلى الصعيد الفني خرج مع برشلونة بشكل مهين في دوري أبطال أوروبا 2017 بثلاثية دون رد أمام يوفنتوس، مما جعله يترك منصبه في كامب نو.

وبشهادة مانشيني، منتخب إيطاليا خالف التوقعات في يورو 2020 بعدها تولى أنريكي تدريب الماتادور عام 2018، لكنه ترك المنصب في مارس 2019، للاعتناء بابنته المريضة تشانا، التي عانت من سرطان عظام قبل أن تفارق الحياة في غضون أشهر قليلة.

الغريب أن أنريكي لم يكن منتظرا أن يقود إسبانيا في اليورو، حيث تولى مساعده روبيرتو مورينو المسؤولية بشكل مؤقت بعقد حتى نهاية المنافسات، لكن الاتحاد الإسباني لكرة القدم نجح في استعادة لويس وسط استياء مورينو في نوفمبر 2019.

أنريكي ورغم عدم امتلاك أسماء لامعة، كالتي كانت موجودة في جيل 2008 – 2012 التاريخي، نجح في أن يفرض فكره الفني بمجموعة من النجوم الشابة مع اعتماده على طريقة التمريرات القصيرة للبارسا والاستحواذ. وحقق لويس انتصارات مذهلة مع إسبانيا، قبل اليورو، أبرزها سحق ألمانيا 6 – 0 وكرواتيا وصيف العالم بنفس النتيجة.

وفي اليورو لم تكن إسبانيا من المرشحين حيث كان ينتظرها أبطال العالم فرنسا في ربع النهائي، قبل خروج الأخير على يد سويسرا. ورغم البداية السلبية لكتيبة أنريكي، نجح الفريق في تحقيق فوزين ساحقين على سلوفاكيا 5 – 0 وكرواتيا 5 – 3 لتؤتي السياسة الهجومية للمدرب أنريكي ثمارها بشكل كبير. وحتى أمام الطليان في نصف النهائي، لولا عدم وجود مهاجم كفء لكانت إسبانيا هي خصم إنجلترا الأحد في نهائي يورو 2020 بدلا من إيطاليا.

22