كيف طاوعك قلبك

الأربعاء 2015/11/11

لم يكن جهاد هديب في حاجة إلى حباله الصوتية كي يتدلى منها إلى الحياة. كانت تكفيه قمصانه المشجّرة وسراويله الفضفاضة وأصابع يديه التي لا تشبه بعضها، تلك الأصابع المعروقة على نفسها كأبدية مجنحة. وكانت تكفيه وتليق به أيضا تعاشيقه، وليله الذي يمرّ في التخوم، وتمثاله المخمور.

جهاد هديب ابن “الضجيج الذي يهدر في الصمت”، وابن “الصمت الذي افْتُتِنَ وظلّ على دينه”. وهو ابن “ما يمكن خيانته ويسمّى الألم”: ألم لن يدخل “الوحشة التي تبقّتْ” فهي “غابته التي غسّلتها الأمطار”. ابن ألف ولام وميم تقال بين همس “الشعر الذي لا ينقذ من الحُبّ” وضجيج حياة الطفل الذي “مضى في البريّة حتى بلغ النبع، هاربا عمّا يخفق فيه مقبلا إلى ما يجهل”. ابن الألم الذي “نجا من الحلم/ فغادر غرفته إلى السطوح/ حيث المرأة التي تنشرُ جسدا” كأنه “الفضة التي أعتمتها فضّة”.

فكيف تجرأت على جهاد هديب، حبيبنا، أيها الموت؟ من أين لك بكل هذه القسوة والجبروت؟ وكيف طاوعك قلبك أن ترسل سرطانك اللعين ليكمن له في الطريق إلى “الأمل”، وينشب كلّابتيه في حنجرته، ثم يمارس -بزهو النذل الخسيس- رياضته اليومية المفضلة في جسد الشاعر النحيل، فيتركه بعض لحم على عظم، في غرفة “بيضاء برائحة الولادة” وسرير ضيّق.

يا لوجع الاستعارة وألم المجاورة، يا جهاد هديب!

ففي اليوم الذي لفظتَ فيه أنفاسنا الأخيرة، كانت عمّان، المدينة التي عدت إليها من غربة هناك، غارقة في سيول “المطر الذي سقط/ أحمق وثقيلا/ ثم تكدّس على الأرصفة”. كأنك كنت تقرأ علينا قصيدتك “عدتُ إلى رحم أمي الشتاء، إنني أتكوّر فيه”.

كأنّك كنت “ترشو الحارسَ وتصرفُ الخزَنةَ” كي تترك لجسدك “أن يخرج إلى مطرٍ”، أن يذوب، وكي تهبط أنت “إلى السفح بلا ذكريات”، حيث “اللائي علّمنكَ الارتباك بين أيديهن/ يدّخرنَ في الوردةِ رائحة/ تفوحُ في نومك”.

كاتب من الأردن

15