كيف غيّر السوريون ثقافة العمل في المجتمع المصري

الربح المنخفض وإتقان العمل وإرضاء الزبون قيم أحياها المهاجرون السوريون حيث ساهموا بشكل واضح في تغيير ثقافة العمل والتوظف المُهملة.
السبت 2018/09/08
السوريون رسخوا أقدامهم في مصر (تصوير: محمد حسنين)

تستوعب مصر ثقافات وسمات كثيرة لمواطني دول متباينة، ولا تعبأ كثيرا بتعدد ونوع اللاجئين الذين اتخذوا منها مستقرا وملاذا، وأخفق الارتفاع الكبير في أعداد هؤلاء في حض الحكومة على استقبالهم داخل معسكرات ومراكز إيواء، ما أدى إلى انتشار وذوبان بعضهم في المجتمع. وكان للسوريين خصوصا بصمات واضحة في الثقافة والعمل والتوظيف والمعاملات اليومية

القاهرة – مع مجئ دفعات متتالية من اللاجئين السوريين إلى مصر، قدموا من مُدن سورية مختلفة، عقب احتدام الصراع بين القوى المسلحة هناك، حدث تغير واضح في خارطة السمات الثقافية والمجتمعية لكثير من المصريين، خاصة تلك المتعلقة بالعمل.

وإذا كانت السنوات العشر الماضية شهدت هجرات لمجموعات عديدة من السودانيين والعراقيين واليمنيين والليبيين إلى مصر، غير أن أحدا من تلك الجنسيات لم يؤثر في المصريين، مثلما أثر السوريون في عادات العمل.

صحيح أن البعض من العراقيين افتتحوا مطاعم كثيرة، وقدموا أطباقا جديدة وأكلات شهية للمصريين، كذلك فعل اليمنيون، غير أن نُظم وأساليب الإدارة لم تختلف كثيراً عن مثيلتها المملوكة لمصريين.

تأثيرات عميقة

أضاف السوريون لفنون الضيافة وقواعد البيع والشراء ونُظم التعامل مع المستهلك بصمتهم الخاصة، وساهموا بشكل واضح في تغيير ثقافة العمل والتوظف المُهملة.

تركزت مشروعات السوريين المقيمين في مصر على قطاع المطاعم، وصناعة العطور، وتجارة الملابس ثم دخلوا على تصنيعها، والتحق عدد كبير من الحرفيين بأعمال يدوية متخصصة، مثل السباكة والنجارة وإصلاح الساعات والحلاقة وصيانة الأجهزة الكهربائية والهاتف المحمول، ما أشعل منافسة بينهم وبين المصريين الذين شعروا بضرورة الاهتمام بفكرة إرضاء الزبون خشية فقدانه.

إلياس نادر، رجل أعمال سوري من طرطوس قدم إلى مصر قبل ثلاثة أعوام بعد أن انتقل إليها معظم أفراد عائلته، ويدير وأشقاءه بعض المحلات المتخصصة في أكلات “الشاورما” في القاهرة، لم يجد عقبات كبيرة في تشغيل مشروعه الذي جذب جمهورا واسعا خلال شهور قليلة.

يكشف نادر لـ”العرب” أسباب عديدة لتفضيل المهاجرين السوريين لمصر، أهمها تشابه السلوك والتقاليد، وتشابك الثقافات لدول شرق المتوسط، فقد جمعتها عبر التاريخ علاقات سياسية متشابكة، لذلك يعتاد المصريون على سلوك السوريين ولا يندهش هؤلاء من عادات بعينها تخص المصريين.

كما أن انخفاض مستوى المعيشة في مصر نسبيا، مقارنة بباقي الدول المجاورة، من العوامل التي جذبت السوريين وغيرهم، فرغم الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها مصر، إلا أن أسعار معظم السلع والخدمات أقل من مثيلاتها في الأردن وتركيا ولبنان مثلا، ويمكن لأسرة صغيرة العيش بشكل مناسب بنحو ألف دولار شهريا.

لدى المصريين قدرة على احتواء واستيعاب الكثير من الثقافات والجاليات بيسر، وهم الذين يملكون تراكمات حضارية وخبرات طويلة في التعامل مع الأجناس المختلفة.

ورغم تشوهات عديدة لحقت بالثقافة المصرية في العقدين الماضيين، لكن الشريحة العظمى منهم مازالت حريصة على قيم التلاحم والتآلف مع الآخر وتقبله ثقافيا. وتوفر الحكومة المصرية لكل من السوريين واليمنيين والسودانيين مزايا نوعية في مجالات الإقامة والدراسة والعمل والصحة.

يرى البعض أن أهم التغيرات التي شهدتها عادات العمل في مصر نتيجة مشاركة السوريين تصب بشكل رئيسي في صالح المستهلك، فقد صار الاهتمام بإرضاء العميل هدفاً أوليا.

تشمل القيم التي أحياها مجتمع “الشغيلة” السوري في مصر، الإتقان الشديد للعمل والنشاط والدقة في المواعيد وتفعيل ثقافة “الربح القليل” أو المعقول، والاهتمام بشكل المنتج والخدمة، والإبداع والتفنن، والإجابة على كافة تساؤلات العميل، والمساهمة في توعيته.

ويقول عماد محمود، محاسب بإحدى شركات الصناعات الغذائية في مدينة 6 أكتوبر، جنوب غرب القاهرة، لـ”العرب”: “معظم العاملين في المنطقة الصناعية بمصر يفضلون المطاعم السورية”.

مشاركة السوريين في المهن المختلفة أغنت قيم احترام قواعد العمل 

توجد العشدةرات من المطاعم المتخصصة في الوجبات السريعة يملكها سوريون تعمل على تلبية احتياجات البيئة الصناعية في 6 أكتوبر، تهتم بالعميل وتسعى إلى إرضائه بدرجة لم يعهدها الناس من قبل لدى المواطنين المصريين.

وتحرص المطاعم السورية على تقديم وجبات غذائية مُشبعة بأسعار زهيدة، ما يؤكد الاهتمام بفكرة الربح البسيط لجذب شرائح جديدة من جمهور المستهلكين.

ويتابع عماد “تستطيع أن تحصل على ساندويتش مشبع ولذيذ بثمانية جنيهات، أي نصف دولار، ويهتم السوريون بشكل كبير بسؤال عملائهم عن آرائهم في الوجبات المقدمة إليهم، وقد يسألك مدير المطعم إن كان أعجبك الطعام أم لا، وعلى وجهه ابتسامة تجعلك تشعر بقدر كبير من الاحترام”.

وأصبحت الكثير من الأسر المصرية تفضل المطاعم السورية على غيرها لعنايتها الفائقة بنظافة الوجبات وسلامة الأطعمة، وعدم المغالاة في الأسعار، والأدب الجم في التعامل مع الزبائن.

فن الجذب

يبدو الذكاء في التسويق، ومهارة جذب الزبون والصبر على تساؤلاته والإجابة عليها من الأمور الملاحظة، لا سيما في محلات العطور السورية التي افتتحت سلاسل لها في مصر.

يؤكد عاطف إسماعيل، مدرس ثانوي مقيم بحي المقطم جنوب القاهرة، لـ”العرب”، أن محلات العطور السورية تقوم بتوزيع عينات خلابة على المارة كنوع من التسويق الجذاب.

ويضيف “يشرحون للزبائن بصبر خصائص كل عطر وجنسيته وأوقات استخدامه، ويقدمون عروضا تجارية مغرية، مثل شراء منتجين والحصول على الثالث مجانا، أو الحصول على هدية للزوجة أو الأبناء حال الشراء بمبلغ معين، وهي عروض على بساطتها لم تكن معروفة من قبل في محلات العطور التقليدية.. لا شك أن السوريين أذكياء وقادرون على إغراء المستهلكين بمزايا المنتج وأهميته”.

يشير البعض إلى أن الكثير من محلات العطور المصرية التقليدية بدأت في محاكاة أساليب التسويق الجديدة التي استحدثها السوريون، ولجأت إلى عمل عروض للبيع وتدريب العاملين لديها للتعرف على خصائص وتاريخ كل نوع ومنح المارة هدايا.

من يدقق في حياة المصريين التجارية، يجد أن الكثير من فنون التجارة المعمول بها في مصر منذ عقود طويلة، مأخوذة عن الشوام الذين هاجروا إليها جراء أزمات مشابهة، وما جرى الآن قد يكون إحياء لتلك الفنون التجارية التي كادت تتلاشى.

يوضح أشرف الليثي، صحافي ومؤرخ اقتصادي، أن “صيدناوي”، أحد أشهر مؤسسي تجارة الملابس، كان مهاجرا من الشام، قدم إلى القاهرة منذ 80 عاما، ووضع قواعد العرض في الفاترينات، وهو ما لم يكن معمولا به من قبل في مصر.

لا تزال هناك محلات تجارية في مصر تحمل اسم هذا الرجل، الذي كان يطوف بنفسه على سلسلة محلاته ليسأل الزبائن عما أعجبهم وما لم يعجبهم، وهي الفريضة الغائبة عن المجتمع التجاري المصري منذ سنوات، كما قال الليثي لـ”العرب”. كان لمشاركة السوريين في المهن المختلفة أثر في إحياء قيم احترام قواعد العمل والالتزام بالمواعيد والجدية في الأداء واحترام القوانين. ومع أن الكثير من العاملين السوريين في المهن اليدوية يحملون مؤهلات دراسية عليا، إلا أنهم لا يجدون عيبا في الإقبال عليها، عكس قطاع من المصريين يفضل البطالة على الانخراط في أعمال يدوية.

يتميز السوريون بكبرياء وعزة نفس تجعلهم يرفضون ممارسات أفراد قلائل قد يلجأون للتسول أو استدرار الشفقة، باعتبارهم ضحايا سياسات ليسوا طرفاً فيها.

يحكي صحافي مصري ـ اعتذر عن نشر اسمه ـ لـ”العرب”، كيف التقى سيدة متسولة تُحاكي اللهجة السورية طالبة إحساناً، غير أنه اكتشف بعد منحها ما تيسر أن هناك مصريات كررن الطلب بلهجة بدت أكثر افتعالا، ما أكد أن ثمة وسيلة احترافية لدى بعضهن تتاجر بالمأساة السورية.

أشاد مصطفى الفقي، رئيس مكتبة الإسكندرية، في مقال له نشرته صحيفة “المصري اليوم” الخاصة مؤخرا بأفراد الجالية السورية في مصر.

وقال “رأيت بعيني بعض أطفالهم يبيعون أنواعًا من الحلويات لراكبي السيارات في إشارات المرور وعندما اقترب مني طفل سوري قائلًا: يا عمو هل تشترى هذه الحلوى الشامية؟ بسطت يدي في جيبي وأخرجت له خمسين جنيهًا، وقلت له: هذه لك لأنك من بلد حبيب ولا حاجة لي بالحلوى، فرفض الفتى الصغير في إباء، وقال: إنني بائع ولست متسولًا، فوجدتني مضطرًا لقبول الحلوى كي يقبل النقود، فالإباء شيمة لا تبرح أهلها حتى في أحلك الظروف”.

استفادة من المواهب

توجد العشرات من المطاعم المتخصصة في الوجبات السريعة يملكها سوريون، تهتم بالعميل وتسعى إلى إرضائه بدرجة لم يعهدها الناس
توجد العشرات من المطاعم المتخصصة في الوجبات السريعة يملكها سوريون، تهتم بالعميل وتسعى إلى إرضائه بدرجة لم يعهدها الناس

ظهرت في مصر مؤخرا ملامح تغيير تميل ناحية الاستفادة من المواهب السورية، وقد تؤدي زيادة الاحتكاك الناجم عن خروج السوريين من عزلتهم وانخراطهم مع الكثير من الفئات المصرية، بما يتجاوز مسألتي الطعام والشراب، إلى حراك ثقافي وتجاري، يعيد لمصر قدرا من بريقها السابق في التعدد.

يقول محمد كمال، صاحب مطبعة بحي الهرم في محافظة الجيزة القريبة من القاهرة “إن المصممين السوريين أكثر تفوقا والتزاماً بمواعيد وقواعد العمل من غيرهم، حريصون على تقديم أفكار جديدة في تصميمات الإعلانات المطبوعة وأدلة الشركات بما يُنعش ذلك السوق بشكل لافت”.

ويؤكد لـ”العرب” أنهم شكلوا منافسة ضارية في سوق الطباعة لنظرائهم وساهموا في توجه عام لدى الفنيين يقضي بضرورة تطوير مهاراتهم وقدراتهم.

يرى البعض من المراقبين أن السوريين أكثر حرصا على التميز، نظرا لتخطيط الغالبية منهم للاستقرار في مصر، باعتبارها وطناً بديلا قد يصبح دائما، ومثل طبيعة الأقليات في أي مجتمع يحرصون على التميز وإتقان العمل والتجويد الدائم لضمان العثور على مورد رزق، في ظل منافسة حادة مع المصريين. يشير هؤلاء إلى حرص المغترب عموما على إثبات ذاته، لأنه ليس لديه ترف الاختيار وإنما هو مضطر للتميز في مهنته.

وتجد التفوق الدراسي والنبوغ العلمي من أبرز السمات التي يتمتع بها قطاع كبير من المهاجرين، خاصة في الدول الغربية، لأنه يكفل لهم حياة كريمة لاحقة، في مجتمعات معروف أنها تقدس العمل وتحترم الموهوبين.

أوضح هاني صبري، مدرس علم الاجتماع بجامعة قناة السويس (شرق القاهرة)، لـ”العرب”، أن المجتمع السوري يقوم على التعدد، وهناك نحو 13 طائفة دينية مختلفة، بما يعني أن السوري أقدر من غيره على التكيف مع أي أجناس أو مجتمعات مغايرة.

ويرى أن ثقافة المشروعات الخاصة متجذرة في المجتمع السوري بشكل كبير وتنتقل معه أينما تحرك، على خلاف ثقافة التوظف الشائعة لدى المصريين.

ولفت صبري إلى أن هناك عاملين رئيسيين ساهما في سرعة تقبل المجتمع المصري للمهاجرين السوريين، الأول خاص باستياء المواطنين من مغالاة أصحاب المشروعات الخدمية والإنتاجية المحلية والتقليدية في الأسعار وعدم الاكتراث بآراء المستهلكين، والثاني يتعلق برغبة المجتمع في تجربة كل ما هو جديد، لذا فقد وجد المصريون في المنتجات والخدمات المقدمة من المهاجرين السوريين ما يلبي غضبهم تجاه ما هو تقليدي ورغبتهم في تجربة الجديد.

ويرجع البعض من الخبراء الاندماج الظاهر للاجئين السوريين في مصر إلى الأواصر التاريخية التي ربطت بين القاهرة ودمشق، والمحطات العسكرية والسياسية المتباينة التي جمعت بين العاصمتين في فترات مختلفة، ناهيك عن الروابط الحضارية التي خلقت نوعا من الثقافة المشتركة، ما يميز مصر وسوريا عن غيرهما من الدول العربية.

استقبلت مصر مع بدايات الحقبة الاستعمارية التي ضربت الشام، بدءا من منتصف القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، موجات وقوافل كثيرة من المهاجرين من بلاد الشام، ضمت مثقفين وفنانين وتجار، نقلوا جزءا كبيرا من حياتهم في بلدانهم إلى مصر، ما خلق بيئة واسعة ومشتركة، ربما طغت عليها ثقافة وعادات وتقاليد أهل الشام.

طبقا للبيانات الرسمية للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بالقاهرة، فإن عدد اللاجئين السوريين المسجلين يبلغ نحو 127 ألف لاجئ، غير أن مصادر رسمية مصرية تؤكد أن ذلك الرقم يقل أربع مرات عن عدد المقيمين فعلا.

20