كيف قوض فيسبوك وتويتر التحول الديمقراطي في مصر

يؤكد تقرير لصحيفة واشنطن بوست، أن مواقع التواصل الاجتماعي لعبت دورا في تقويض التحول الديمقراطي في مصر، من خلال تعزيز الانقسام ونشر الخوف والعداوة بين المجموعات ذات الانتماء السياسي المختلف في البلاد بعد ثورة 25 يناير 2011، بعد أن ساهمت في تقارب هذه المجموعات خلال بداية الثورة.
الثلاثاء 2016/10/11
الشبكات الاجتماعية ليست المذنب الوحيد

القاهرة - أصبحت انتفاضة يناير 2011 في مصر مرادفة للاستخدام الناجع لمواقع التواصل الاجتماعي من أجل الإطاحة بالأنظمة المستبدة.

ولكن من الواضح جدا أن محاولة الانتقال الديمقراطي في مصر بعد الإطاحة بالرئيس الأسبق حسني مبارك انتهى بها المآل إلى استقطاب سياسي عنيف، فهل ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في فشل وحدة الصف الديمقراطي؟

تؤكد دراسة لصحيفة واشنطن بوست الأميركية نشرت ضمن سلسلة Blogs and Bullets الصادرة عن مختبر PeaceTech، استخدمت بيانات هامة من موقعي تويتر وفيسبوك لاستكشاف كيف أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الاستقطاب والخوف في مصر وكيفية تقويضها لانتقالها الديمقراطي، أن مواقع التواصل الاجتماعي ليست المذنب الأول والوحيد في هذا الفشل، ولكنها سرعت وكثفت التوجهات الخطيرة مثل الاستقطاب والخوف ونزع صفة الإنسانية عن المنافسين.

وقد طوّر الباحثون مجموعتين لبيانات مأخوذة من وسائل تواصل اجتماعي من أجل اختبار حقيقة هذه الملاحظات، في مرحلة أولى طوروا مجموعة بيانات عن موقع تويتر لكل تغريدة مفتوحة للعامة تحتوي على كلمة “مصر” بالإنكليزية أو العربية في الفترة بين يناير 2011 وأغسطس 2013. وقد اشتمل ذلك على حوالي 62 مليون تغريدة نشرها أكثر من 7 ملايين مستخدم.

وأنشأ الباحثون في مرحلة ثانية مجموعة مختلفة من البيانات عن موقع فيسبوك تستند إلى الصفحات العامة. ثم أخذوا عينة عشوائية تتكون من 1000 منشور من كل صفحة على مدار العام الممتد بين انتخاب محمد مرسي في يونيو 2012 وما وصفوه بالانقلاب العسكري في يوليو 2013، ثم استخرجوا كافة التعليقات عليها، والتي بلغ عددها 593 ألفا و428 تعليقا.

خلال الأيام الأولى من الثورة بدا أن مواقع التواصل الاجتماعي توحد المصريين، على الرغم من اختلافاتهم الأيديولوجية المحدودة، حول هدف مشترك، ولكن هذا لم يدم طويلا، فمع مرور الوقت عززت مواقع التواصل الاجتماعي الفصل الذاتي للمجتمعات السياسية وحشدها ضمن مجتمعات متشابهة في التفكير، داعمة التواصل بين أعضاء المجموعة نفسها ومساهمة في الوقت ذاته في تباعدها عن المجموعات الأخرى.

البحث اشتمل على حوالي 62 مليون تغريدة تويترية نشرها أكثر من 7 ملايين مستخدم

و من خلال تحليل إعادة نشر التغريدات، استطاع الباحثون تحديد مجتمعات دائمة، مثل الملقبون "بعامة السياسيين"،و"الناشطين"، و"الإسلاميين"، كما عثروا على كتلة واسعة غير سياسية تناقش عادة مواضيع مثل الموسيقى، والأحزاب، والنكات والصور التي تصاحبها عادة الفيروسات وأسموها "كاوتش بارتي" أو “حزب الأريكة (الكنبة)” وهو مصطلح مصري يشير إلى الجالسين على الأريكة ويشاهدون الأحداث دون تدخل.

ووفقا لـ"واشنطن بوست"، فإنه عندما تفاعلت تلك الفئة مع الشأن السياسي، من خلال الكوميدي السياسي باسم يوسف كان لها تأثير خاص، إذ يمكن لهذه الفئة (حزب الكنبة) أن تفوت التحليلات التي تبدأ بهاشتاغات سياسية بدلا من الهاشتاغ العام (#مصر)، والذي صار على الأرجح قاعدة الدعم الرئيسية لحركة “تمرد” في 30 يونيو ضد رئاسة مرسي.

بمرور الوقت، صارت المجموعات أكثر انغلاقا وأقل مشاركة للمحتوى الخاص بها مع الآخرين وأيضا أقل تواصلا مع المجموعات الأخرى.

وارتفع الانغلاق في الأشهر الثلاثة الأخيرة التي سبقت 30 يونيو، كما اتسعت الفجوة بين مؤيدي جماعة الإخوان المسلمين من جانب، وبين القطاع الأوسع من جمهور المهتمين بالشأن السياسي والنشطاء و”حزب الكنبة” من جانب آخر. وفي نهاية الأمر، صارت درجة التحركات الفردية بين المجموعات المختلفة أقل.

وأصبحت مختلف الكتل تتلقى الحدث نفسه بطرق مختلفة، عن طريق الغضب أو الاحتفال، وقد أصبح سردهم لوجهات نظرهم العالمية السياسية غير مفهومة خاصة مع مشاركتهم لمعلومات أقل، ومع تفاعلهم الإيجابي الضئيل.

تعقبت الدراسة تحرك أحاسيس الخوف من خلال مصطلحات قائمة على كلمات مفاتيح عربية مرتبطة بالخوف والعنف، ومع أواخر يوليو سنة 2012 -قبل انطلاق أول حادثة عنف في أكتوبر- لاحظت ارتفاعا في عدد مصطلحات العنف والخوف والفوضى.

في ديسمبر سنة 2012 وفي لحظة ما، وقعت اشتباكات خارج قصر الاتحادية الرئاسي، وكان لا بدّ من صياغة دستور جديد وهو ما ساهم في صنع روايات مختلفة بين الكتل، ثم جاءت مظاهرات سنة 2013 التي صاحبتها هجمات ضد مكاتب الإخوان المسلمين، وقد أشعلت سرعة انتشار الشائعات، فتيل عدم استقرار الوضع في مجتمع ما، ولكن ليس في كل المجتمعات.

كان تحرك الخوف مُركّزا بشكل كبير ضد مجتمعات النشطاء السياسيين أكثر منه ضد جمهور عامة الناس، فأحد الاكتشافات اللافتة التي عثرت عليها التحاليل الإحصائية هو أن نسبة مصطلحات الخوف بين كتلة “حزب الأريكة” كانت منخفضة، وعلى الرغم من أن مصر سيطر على مجتمعها الخوف والفوضى في تلك الفترة، إلا أن تلك المجموعات غير السياسية لم تكن غارقة في الخوف، وعلى العكس من ذلك، بدت مصطلحات الخوف أكثر انتشارا بين كتل الناشطين والإسلاميين، وهي المجموعات الأكثر تسيُّسا.

إن هذه الرواية القائمة على أدلة تجريبية لها دلالة كبيرة، ليس في مصر فقط، ولكن أيضا في كل محاولة مستقبلية للانتقال نحو المستقبل، فقد كان للتكتل المجتمعي ولأصحاب الفكر المتشابه على الواب تأثير مباشر على حقيقة وحدة الصف الديمقراطي على أرض الواقع.

19