كيف كانت الصورة لو لم يتمرد الزنوج على قيم الرجل الأبيض

شكل المسرح الأميركي محور العديد من المؤلفات التي تناولته من وجهات نظر مختلفة، إلا أن الجامع بينها كان تركيزها على بداياته، وتطوره خلال منتصف القرن العشرين، حيث ظهرت أسماء عديدة ساهمت بشكل أو بآخر في كشف مواضيع كان مسكوتا عنها لأسباب متعددة، ولعل من أبرزها معاناة السود في ظل مجتمع أميركي ظل يكرّس أغلبه لمفهوم التمييز العنصري بكل أبعاده وأنواعه.
الجمعة 2016/09/30
معركة وجود الزنجي في مجتمع أميركي متغير (لوحة للفنان خالد الخاني)

يتناول كتاب “المسرح الأفروأميركي المعاصر” للناقد والباحث صديق محمد جوهر رئيس قسم الأدب الإنكليزي بجامعة الإمارات، تاريخ وخصائص المسرح الأفروأميركي المعاصر عن طريق رصد تطوّر الحركة المسرحية عند أحد رواده المؤسسين، وهو الكاتب المسرحي الشهير لروى جونز (إمام أمير بركة) الذي كتب وأخرج عددا لا بأس به من المسرحيات التي تسببت في الكثير من الجدل سواء في الدوائر النقدية أو على المستوى الجماهيري. كما يتناول بالتحليل مسرحية جونز الشهيرة “الهولندي” من أجل الوقوف على أهم السمات والخصائص التي تميز بها عالمه المسرحي في فترة حرجة من التاريخ الأميركي المعاصر.

يأتي الكتاب، الصادر عن دار صفصافة للنشر في جزأين: الأول يتوقف عند المسرح الأفروأميركي المعاصر لدى لروى جونز ومسرح الجيتو الزنجي، مع ترجمة لمسرحية الهولندي، فيما يحلل الثاني ثنائية الاحتجاج والعنف في المسرح الثوري الزنجي، مسرح جونز في ميزان النقد الأدبي، البطل الزنجي في مواجهة العنصرية، تجليات الحدث الدرامي في مسرحية “العبد: انتفاضة البؤساء”، التلميحات التناصية في مسرحية العبد، المواجهة بين البطل الزنجي وغريمه الأميركي الأبيض، النهاية المأساوية الغامضة، فضلا عن ترجمة نص مسرحية العبد: أسطورة من مقدمة وفصلين.

يرى المؤلف أن جونز المؤسس الحقيقي لمسرح الجيتو الزنجي في الولايات المتحدة خلال الستينات، ظل رمزا للتمرد على المجتمع الأميركي ورموزه السياسية طوال حياته وكان مناوئا للسياسة الخارجية الأميركية منذ صباه، وقد تبلور هذا العداء في قصيدته الشهيرة التي كتبها في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر والتي أثارت عاصفة من الجدل في دوائر الفكر والثقافة في أميركا.

شكك جونز في قصيدة “شخص ما نسف أميركا” في الرواية الرسمية الحكومية التي تؤكد أن أنصار تنظيم القاعدة هم من ارتكبوا الأعمال الإرهابية التي أدّت إلى انهيار البرجين في نيويورك وتدمير جزء من مبنى البنتاغون وقتل أكثر من ثلاثة آلاف من المدنيين الأبرياء. وأشار في القصيدة بشكل متكرر أن مرتكبي أحداث سبتمبر الإرهابية هم الفئات المستفيدة من هذه الأحداث: المؤسسات الرأسمالية الكبرى والساسة الفاسدون وتجار السلاح وأصحاب شركات النفط، إلخ.

جيل الغضب

يشير جوهر إلى أن مسرح الأديب الأميركي الأسود لروى جونز مرّ بثلاث مراحل هامة كما يلي: مرحلة أوائل الستينات، حيث كان الكاتب يقيم في ضاحية غرينتش بنيويورك وكان عضوا في الحركة الأدبية والفنية ذائعة الصيت والمعروفة لدى النقاد باسم حركة “جيل الغضب”، ثم المرحلة الراديكالية السياسية في أواسط ونهاية الستينات، حين اعتنق جونز الدين الإسلامي وتحول اسمه إلى؛ إمام أمير بركة، وانتقل إلى الجيتو الزنجي الشهير في مدينة هارلم، عاصمة الزنوج الأميركيين في نيويورك، وأخيرا مرحلة السبعينات ومطلع الثمانينات، حيث تخلى الكاتب عن الإسلام، واعتنق الماركسية وأسقط من اسمه لقب إمام وأصبح أمير بركة، وهو الاسم المعروف به حتى الآن. ومن المعروف أن الكاتب في المرحلة الأخيرة قد اتجه إلى تأليف المسرحيات السياسية التي تسيطر عليها النزعات الماركسية الدعائية إلى حدّ ما.

رغم انتماء جونز للحركة التجديدية البوهيمية الثورية إلا أنه لم يستطع تحقيق ذاته الأدبية الوثيقة الصلة بهويته الزنجية

يلفت جوهر إلى قول الناقدة إيستر جاكسون التي ترى أن جونز كاتب مسرحي مبدع من الطراز الأول مثل يوجين أونيل، ولا يختلف جونز عن أونيل في كونه اكتسب شهرته المسرحية بسبب آرائه المعادية للحضارة الأميركية والمجتمع الأميركي المعاصر فحسب، ولكن لأنه أبدع مسرحيا في تصويره لقضايا وصراعات الجيتو الزنجي مع الحكومة الأميركية في حقبتي الستينات والسبعينات من القرن العشرين، لقد بدأ جونز تاريخه المسرحي بمسرحية “المرحاض” والتي يرمز اسمها إلى المجتمع العنصري في الولايات المتحدة إبان الستينات من القرن الماضي، ثم قدم جونز مسرحية “التعميد” التي رصدت أنماطاً من الانحلال الأخلاقي في نفس المجتمع آنذاك.

وتمثل هاتان المسرحيتان البدايات الأولى من تاريخ جونز المسرحي في أواخر الخمسينات وأوائل الستينات من القرن الماضي حيث كان الكاتب منتميا إلى حركة “جيل الغضب” الطليعية التي احتضنت العديد من الكتّاب الأميركيين الذين ينحدرون من عرقيات وإثنيات مختلفة سواء كانوا من أصول أوروبية أو آسيوية أو أفريقية أو من دول أميركا الجنوبية.

يقول جوهر “بدأ جونز تجربته المسرحية في أواخر الخمسينات ومطلع الستينات كواحد من الكتّاب الشبان الأميركيين (السود والبيض) المنتمين إلى ما أطلق عليه النقاد في ما بعد اسم جيل الغضب لأنهم تصدوا للسياسات التي أدّت إلى سباق التسلح النووي إبّان الحرب الباردة، كما اشتبكوا مع المؤسسات الداعمة لاستمرار العنصرية في البلاد. وقد أسس هؤلاء الكتّاب والأدباء حركة طليعية تجديدية في مجال الأدب الأميركي عرفت في ما بعد باسم حركة المنبوذين وكان روادها يسعون إلى تغيير شكل ومضمون الأدب الأميركي المعاصر حتى يتناسب مع المتغيرات الاجتماعية والثقافية والسياسية في الحياة الأميركية بعد الحرب العالمية الثانية”.

تحليل مسرحية جونز الشهيرة "الهولندي"

القسوة والاضطهاد

يرى المؤلف أنه بالرغم من انتماء جونز للحركة التجديدية البوهيمية الثورية التي اتخذت من ضاحية غرينتش بنيويورك مقرا لها، إلا أنه لم يستطع تحقيق ذاته الأدبية الوثيقة الصلة بهويته الزنجية المعادية للعنصرية في ظل هذه الحركة. وعلى الرغم من العداء الذي كان يكنه الكاتب للحركات العنصرية في المجتمع الأميركي إلا أنه لم يصرّح بذلك في بدايات كتاباته المسرحية ولذلك لجأ جونز إلى تكثيف استخدام الرمز والأسطورة في هذه المرحلة؛ على سبيل المثال نجد أن مسرحية جونز الأولى “المرحاض” تحمل إرهاصات التمرد والإصرار على التصدي للنظام العنصري الذي أذل الزنوج طوال عهود العبودية، ويعدّ هذا التمرد من أهم سمات مسرح الجيتو الزنجي “في مرحلته الثورية- الراديكالية”.

وجاء هذا المسرح الذي وصل إلى ذروته في أواخر الستينات ليجسد مظاهر القسوة والاضطهاد والقهر التي تعرض لها الزنوج على مدى التاريخ. في هذا السياق فإن رمزية العنوان “المرحاض” قد تم توظيفها مسرحيا كرمز للمجتمع العنصري الذي ينتقده جونز. ويذهب ورنر سولورز إلى أن مسرحية “المرحاض” تؤكد على موقف الكاتب المناهض للعنصرية في الولايات المتحدة، كما أن المسرحية تبرز بداية اهتمام جونز بلغة الجيتو الزنجي حيث تغلغلت هذه اللغة بشكل ملحوظ في النص المسرحي المستهدف. وبينما يؤكد بول ويذرنجتون أن المسرحية تتميز “بالقسوة التي انعكست على لغة الحوار وسلوك الشخصيات”، يرى روبرت تنر في دراسته عن تلك المسرحية أن هدف المؤلف الرئيسي هو التأكيد على أن “هلاك الزنوج يكمن في خضوعهم لقيم وأخلاقيات دعاة العنصرية”.

14