كيف لنا أن ننسجم مع نمط الحياة المتسارع

الإحساس بالتوتر والضيق والقلق، أمور تتجاوز الأفراد وخصوصياتهم النفسية والعائلية والاجتماعية، لتصبح واقعا يتقاسمونه وهو في الحقيقة الضريبة المنطقية التي يدفعها الجميع.
الأحد 2018/02/25
التوحد مع السياق العام للقصيدة

دائما وفي لحظات الضيق أتذكر قصيدة لمظفر النواب أعتبرها من أجمل ما قيل في التعبير عن التضخّم، بعنوان “في الحانة القديمة”، يقول في مطلعها، “المشرب ليس بعيدا.. ما جدوى ذلك/ أنت كما الإسفنجة تمتص كل الحانات ولا تسكر”. يبقى دائما أيضا أنني أغيّر الضمير من المخاطب المفرد “أنت” إلى المتكلم المفرد “أنا”، في تعبير عن التوحد مع السياق الذاتي والسياق العام للقصيدة.

والجدير بالذكر أن ما نعتبره تطورا حياتيا ملفتا تعدّدت مظاهره المادية ومنتجاته العلمية والتكنولوجية، أضحى سببا وجيها لقلق مزمن وحيرة دائمة ترافق كل مشاغلنا، تهدّ جهودنا، وتكبل طاقتنا وتحبسنا في دائرة مشاعرنا السلبية. مردّ التبرم النفسي أن كل الرؤى ضبابية، وكل الأفعال متشنجة، وكل الأماني سراب، أو هي تبدو معتمة كذلك.

يتشنّج الأب لأنه لا يعرف من أين يبدأ وبماذا يبدأ، في كل ما يخص أسرته ومتطلباتها المادية والنفسية. هل يكفي أن يضاعف مجهوداته في عمله ويؤمّن الحدّ الأدنى من المال ليستقيم حال أبنائه في معيشتهم اليومية وفي دراستهم وفي انتظاراتهم المستقبلية؟

التدهور الرهيب الذي تشهده أغلب العملات المحلية في مقارعة الدينار واليورو كنتيجة حتمية للأزمات الاقتصادية الناتجة عن سياسات الاستقطاب والتغوّل، كانت له انعكاسات وخيمة على ميزانية الأسرة ضعيفة ومتوسطة الدخل، تقريبا في كافة الدول العربية وحتى النفطية منها، وهو أمر لا شك يبعثر البرامج والمشاريع العائلية ويسلط ضغوطا رهيبة على العائل، وينحصر الهدف المنشود في ضيق من الزمن لا يتجاوز اليوم الواحد، وما بعده يُعدّ متاهة، فتضيق الرؤية ويكثر التشنج والعشوائية ويصبح معهما صوت الشاعر مظفر النواب أبلغ وأفصح في التعبير عن الامتلاء والتضخم، وهو ما يجعل كل الأمور تتساوى، في نظرة سوداوية تنشد بصيصا من الأمل.

المرأة أيضا وهي مسؤولة عن أسرتها كما مسؤوليتها عن أدوارها الاجتماعية المختلفة في مجالات عملها أو أنشطتها، يضيق صدرها وتنحسر مجالات الرؤية أمامها خاصة وأن حساسيتها تجاه ما يدور من حولها شديدة بل جارفة. فالمرأة -بخصوصيتها النفسية الأنثوية- تكون دائمة القلق، مسكونة بهاجس الخوف والرهبة على نفسها وموقعها الأسري والاجتماعي، وعلى أفراد عائلتها وزوجها، وعلى المحيطين بها جميعا. فهي التي تريد أن تخطط المشاريع الأسرية، وهي أيضا أداة التنفيذ في ظل كثرة شواغل الرجل، وختاما هي التي تجلد نفسها بشدة عند كل فشل أو تقصير أو انزياح عن هدف مرسوم مسبقا. الأطفال بدورهم، ورغم عدم تحملهم لمسؤوليات مادية بالخصوص، يتأثرون بسرعة بالأجواء العائلية داخل أسرهم وفي فصولهم الدراسية وحتى في أماكن لهوهم وترفيههم عن أنفسهم، فيتشنجون لأتفه الأسباب ويردون الفعل بطرق مختلفة قد تصل أحيانا إلى العنف اللفظي أو المادي، إنهم يحسون بما عبّر عنه الشاعر أبوالطيب المتنبي بقوله:

على قلق كأن الريح تحتي * أوجّهها جنوبا أو شمالا

فالقلق الذي ينتابهم يؤثر سلبا على مردودهم الدراسي من ناحية كما يعقّد علاقاتهم بأفراد أسرهم وبزملائهم وأترابهم. والمشكلة لا تكمن في ذلك فحسب بل تتشعب لأن المرافقة سواء داخل الأسرة أو خارجها لا تؤتي أكلها ولا تكون مفيدة إذا كان المرافق؛ الأب أو الأم أو المدرس أو الجار أو الصديق.. هو بدوره في حاجة إلى سند ليتجاوز ضيقه.

الإحساس بالتوتر والضيق والقلق، أمور تتجاوز الأفراد وخصوصياتهم النفسية والعائلية والاجتماعية، لتصبح واقعا يتقاسمونه وهو في الحقيقة الضريبة المنطقية التي يدفعها الجميع جرّاء “التشييء” و”التعليب” اللذين وُسِمت بهما طبيعة الحياة المعاصرة التي افتقد فيها الإنسان الكثير من الهدوء والطمأنينة وراحة البال، بل نذهب إلى أبعد من ذلك لأن العواطف تحجّرت وجفّ منبع الحب والوئام والتوادد، وأصبحت الرومانسية عملة نادرة في زمن أصبح الشعار الأهمّ فيه “خوذ وهات”، مقايضة لم تسلم منها العلاقات حتى بين أفراد الأسرة الواحدة.

ما زاد الطين بلّة أن الوسائل التكنولوجية الحديثة وفي مقدمتها وسائط التواصل الحديثة، على قدر ما سهّلت التواصل بين البشر وقلّصت المسافات إلى درجة الصفر، على قدر ما سلبت الأشخاص حميميتهم ودفئهم العائلي والاجتماعي، وجعلتهم مرتهنين لـ”إملاءاتها” عن طواعية وكأن إرادتهم سلبت.

كل ما ذكرنا أثر سلبا على المرودية العامة للأشخاص الذين أصبحوا يدفعون دفعا إلى إنجاز الأعمال المنوطة بعهدتهم، فحتى أنبل المهن كالتعليم والصحة، فقدت الكثير من جوانبها الأخلاقية والتي هي بالأساس محورها الذي تتأسس عليه. من هنا تفشت أخلاقيات جديدة تقوم في جوهرها على الأنانية المفرطة، تترجم دائما إلى الشعور بالضغوط النفسية والقلق والضيق الذي يصل أحيانا إلى الإحساس بالاختناق.

ولكن مع كل هذا لا بد من البحث عن إحياء عواطفنا الجميلة وتفعيل أخلاقنا التي تقوم على الشراكة الفاعلة والمثمرة، لتجاوز “الموت البطيء”.

21