كيف نتجنب الوقوع غير الآمن في شراك الخطأ

كلما وقعنا في الخطأ بإرادتنا أو بغير إرادتنا، فإن شعورا بالخجل والذنب يبقى يرافقنا حتى بعد مرور زمن طويل على ارتكاب ذلك الخطأ، هذا الشعور بالخجل مصدره الفعل المباشر الذي يتبع زمن ارتكابنا للخطأ، أما الشعور بالذنب فمصدره أفكارنا وتصوراتنا عن ماهية الخطأ أو ما قد يسببه لأنفسنا أو للآخر من أذى. فكيف لهذه المشاعر المؤلمة أن تترك تأثيرها على سلوكنا في المستقبل وما مدى احتمال عودتنا لتكرار ذلك الخطأ؟
الخميس 2016/01/28
الشعور بالذنب لا يمنع من ارتكاب الخطأ ثانية

في دراسة حديثة أجراها باحثون أميركيون في أحد السجون لعينة تكونت من 500 سجين، لقياس مدى تأثير مشاعر الذنب والخجل على السجناء أثناء تواجدهم في السجن ومقارنة أدائهم خارج السجن بعد مرور فترة على انتهاء مدة محكوميتهم، وُجد بأن هناك علاقة سلبية بين الشعور بالذنب وتكرار ارتكاب الجريمة في المستقبل، حيث يميل السجناء الذين عبروا عن شعور أقل بالذنب إلى معاودة الجريمة بصورة شبه مؤكدة مقارنة مع زملائهم الذين عانوا من شعور قوي بالذنب بسبب ارتكابهم الجرم للمرة الأولى.

أما عن الشعور بالخجل والعار فقد بينت الدراسة بأن علاقته أكثر تعقيدا في ما يتعلق بالسلوك المستقبلي، فهذا الشعور على الرغم من أثره المباشر الذي يتعلق بمكان وزمان اقتراف الخطأ، إلا أنه متعلق بالدرجة الأولى بطبيعة النظر إلى أبعاده وتأثيره في شكل الصورة الكلية للذات.

وأوضحت أن من يميل إلى إلقاء اللوم على الظروف والآخرين في تورطه في ارتكاب الخطأ، هو مرشح أكثر من غيره إلى معاودة ارتكاب الجريمة، في حين يلقي البعض باللوم على أنفسهم الأمر الذي يزيد من شعورهم بالخجل وهم في هذا أكثر تقبلا للواقع وتصالحا مع أنفسهم وبالتالي أكثر ميلا لتبني سلوك مغاير ومستقيم في المستقبل، رغبة منهم في التكفيرعن ذنوبهم.

ويرى جون تانجاني وجيفري ستاويج، الباحثان اللذان أشرفا على الدراسة في ولاية ميتشغان الأميركية، أن الشعور بالخجل والعار يتسبب في تشويه صورة الذات لذلك فإن من يحاول إلقاء اللوم على الآخرين بسبب ارتكابه الخطأ، فهو إنما لا يرى في نفسه أي شائبة ولا يجد في سلوكه أي خطأ وبالتالي فهو لا يهتم بالسعي إلى تحسين صورة ذاته ومن السهل عليه العودة مجددا لارتكاب الخطأ طالما استساغ أسلوب خداع الذات هذا.

الشخص الذي يلقي اللوم على الظروف والآخرين عند ارتكاب الخطأ، مرشح أكثر من غيره إلى معاودة ارتكاب الجريمة

في الغالب، يولد الشعور بالذنب والعار إحساسا متنامياً بالضيق، يحاول الإنسان السوي قدر استطاعته أن يتجنبه لهذا فإن الابتعاد عن الأفعال التي تولده هو الطموح الأمثل للانعتاق من الضغط النفسي المصاحب له.

من جانب آخر، يحاول العديد من الناس التعلم من أخطائهم بقدر استطاعتهم، لكنهم يميلون في الغالب إلى ارتكاب الأخطاء ذاتها والركون إلى اختيارات بعينها متى توفرت العوامل المحيطة وسمحت الظروف بذلك.

هذه المفارقة الغريبة تصدى لها متخصصون إلى علم النفس منذ أمد طويل وأرجعوها في صلب عمل الدماغ.

وكان تفسيرهم لذلك بأن دماغ الإنسان يستجيب في العادة إلى الخطأ بوقفة قصيرة وكأنه يحاول امتصاص الصدمة ثم يحاول إرسال مجموعة من الرسائل التحذيرية، وهي عبارة عن معلومات يتم تجميعها من خلال ملابسات الحدث فيتم خزنها في أماكن معينة من الدماغ تتعلق بالذكريات بعيدة المدى يتم استدعاؤها تلقائيا في الوقت المناسب، لمنعنا من الوقوع في الخطأ ثانية لدى اتخاذنا القرارات في المستقبل.

إلا أن دراسات حديثة أظهرت أن هذه الوقفة القصيرة وما يتبعها من محاولة جمع أكبر عدد من البيانات المتعلقة بالموقف الذي تكرر فيه الخطأ تؤدي إلى تضارب في عملية التجميع بسبب زيادة المعلومات الذي يأتي على حساب نوعيتها وجودتها، وبالتالي فإن أي فائدة ترتجى من عملية تجميع المعلومات لتلافي تكرار الأخطاء تبوء بالفشل.

في هذا الإطار، أشارت دراسة حديثة أشرف عليها باحثون في جامعة نيويورك الأميركية، إلى أن بعض التغييرات قد تطرأ على عمل الدماغ فور حدوث الخطأ ومنها التباطؤ في العمل، بالإضافة إلى حدوث عمليتين وظيفيتين متناقضتين في آن واحد تتولى إحداهما جمع معلومات كثيرة تتعلق بتفاصيل حدوث الخطأ والظروف المحيطة به لغرض استخدامها في اتخاذ القرارات المستقبلية لتجنب تكرار حدوث الخطأ ذاته في المستقبل.

أما العملية الثانية فتعمل على الضد من ذلك تماما حيث تلجأ إلى التقليل من أهمية هذه الأدلة والمعلومات والتفاصيل الأخرى التي يحصل عليها الدماغ في في المرة الأولى بغرض تشخيص أسباب الخطأ، ومن شأن هذا التناقض في الوظيفتين أن يتسبب في زيادة احتمال تكرار الخطأ لعدم توافر مرجعية معلوماتية مخزنة بشكل منطقي في الدماغ.

21