كيف نساعد المراهقين على وضع حدود صحية لأنفسهم

المراهق يحتاج إلى وضع حدود لقدراته، وخبراء التربية ينصحون الآباء بضرورة العمل على تعليم الأبناء منذ الصغر رعاية أنفسهم كخطوة أولى في الاستعداد لمساعدة الآخرين.
الاثنين 2019/06/24
الوضوح يسهل رسم الحدود

يحتاج المراهقون إلى التعرف على حدود قدراتهم، لكي يتمكنوا من وضع أهداف واضحة في حياتهم تمكنهم من تحقيق التوازن النفسي والعاطفي ومن النجاح في علاقاتهم الاجتماعية، ويسميها علماء النفس الحدود الصحية، مؤكدين أن تعليمها للأبناء يجب أن يبدأ من الطفولة، وأنه ليس بالأمر الهيّن لكونه يحتاج إلى غرس مبادئ تصبح ثابتة عند الطفل وتستمر معه بمجرد أن يتعلمها من والديه، اللذين يتخذهما قدوة في ذلك.

واشنطن - تحتاج العائلات إلى تهيئة بيئة تساعد الأجيال القادمة على التحوّل إلى عقلاء أصحاء يعرفون حدودهم جيدا، الأمر الذي يمكّنهم من مساعدة الغير دون أن يتضرروا في الأثناء. ويقدم المختص النفسي جون تاونسيند في كتابه "الحدود مع المراهقين"، إرشادات تحتاجها العائلات لمساعدتها في تكوين أبنائها المراهقين ولتمكينهم من تحمّل مسؤولية أفعالهم وتلبية أساسياتهم وفهم مشاعرهم حتى يكتسبوا تقديرا واحتراما أعمق لأنفسهم ولغيرهم.

ويقول الكاتب الأميركي الذي ألف كتبا مواضيعها حول “الحدود” مع الدكتور هنري كلاود “إذا لم تعط مثالا على وضع حدود تلبي احتياجاتك، فلا تتوقع أن ينجح أطفالك في ذلك. اعمل على وضع حدود لنفسك في علاقاتك على سبيل المثال. سيرى أطفالك ذلك، إذ يركزون على الأفعال أكثر من الأقوال”.

ويكشف الكاتب بذلك أهمية أن يطبق الآباء على أنفسهم القواعد والمبادئ التي يريدون أن يتعلمها أطفالهم فيكونون بذلك القدوة التي يتبعها الطفل.

وتؤكد التجارب العلمية والحياتية أن الشخص لا يستطيع مثلا مساعدة الآخر إذا لم يكن لديه ما يحتاجه، وعلى الرغم من أن غالبية الناس يميلون إلى أن يكونوا محبّين ومساعدين إلا أنهم لا يستطيعون القيام بذلك إذا لم يعتنوا بأنفسهم أولا. ويعتبر هذا الدرس مهمّا وجديرا بأن يتعلمه الأطفال فيدركون الحدّ الفاصل بين الاعتناء بالنفس لكي يتمكنوا من مساعدة الآخر وبين الأنانية.

ويحتاج الأطفال إلى إدراك أهمية الرعاية الذاتية لكي تتوفر لديهم القدرة على تمديد هذا التعاطف إلى الآخرين، وينصح خبراء التربية الآباء بضرورة العمل على تعليم الأبناء منذ الصغر رعاية أنفسهم وتوضيح أن ذلك لا يعتبر أنانية، بل خطوة أولى في الاستعداد لمساعدة الآخرين.

وتساهم هذه الخطوة الأولى في تنشئة الأطفال على الاهتمام بالنفس وبالآخرين وفي تعليمهم وضع حدود لقدراتهم. ويؤكد المختصون في علم النفس أنه لا يجب أن نعتبر أن تعليم هذه المبادئ للأطفال سيكون سهلا، ولكن يحتاج الآباء إلى العمل على ترسيخ هذه المبادئ إذا أرادوا أن يكبر أطفالهم ليصبحوا أشخاصا حققوا اكتفاءهم الذاتي من السعادة.

الآباء في حاجة إلى مساعدة أطفالهم على إيصال ما يريدونه بوضوح، فعليهم أن يَفهموا أطفالهم، ويُفهموهم أيضا أن التعبير عمّا يريدونه مختلف عن المطالبة بما يرغبون فيه

ويشير تاونسيند إلى الأهمية التي يكتسيها قول كلمة “لا” في بعض المواقف، موضحا أنه عادة ما نغضب عندما يقول أطفالنا كلمة “لا”، إذ نتوقع منهم الامتثال لكل ما نأمرهم به. ويضيف “بطبيعة الحال، يجب على الأطفال أن يتعلموا أنه يتعين عليهم القيام بأشياء لا يريدونها في بعض الأحيان. ومع ذلك، يجب أن نسمح بوجود مجالات تشجعهم على التعبير عن إرادتهم”.

ويقدم المختص النفسي مثالا؛ إذا طلب أحد الأقارب عناقا على سبيل المثال، فيجب أن تسمح لطفلك بأن يقول “لا”. (بالنسبة للأطفال الصغار، قد يتطلب ذلك تدخل أحد الوالدين). يحتاج أطفالنا إلى مساعدة لإدراك حقهم في وضع حدود في عالمهم، وكلما كان ذلك ممكنا فلديهم الحق في قول “لا”. ويعد الوضوح في التعامل مع الطفل إحدى أنجع الوسائل لتلقينه الوضوح خاصة في تعبيره عن حاجاته، فقد نضع لأنفسنا حدودا غامضة عندما لا نكون واضحين مع الآخرين في ما نريده. وغالبا ما ندرج الصراحة في التعبير عما نريده في قائمة السلوكيات التي يجب أن نتجنبها في حياتنا الاجتماعية لأنها تقدمنا للناس كأشخاص أنانيين لا نحترم احتياجات غيرنا.

ويفسر تاونسيند أن الآباء في حاجة إلى مساعدة أطفالهم على إيصال ما يريدونه بوضوح، “علينا أن نَفهم أطفالنا، ونُفهمهم أيضا أن التعبير عمّا تريده مختلف عن المطالبة بما ترغب فيه، إذ أنّ التسوية والتفاوض أساسيان في أي علاقة جيدة، وبالتالي لا يمكنك التوصل إلى حل مناسب لوضع معيّن إذا لم تفهم ما يريده الشخص الآخر”. ويطلب من الآباء “تعلّموا أن تقودوا الحوار وأن تكونوا طرفا واضحا يمكن التفاوض معه على أساس غير غامض”.

ويحتاج الآباء إلى التحدث مع أطفالهم حول أهمية وضع الحدود والسماح لهم بالتدرب على قول ما يريدون أو لا يريدون، ويسمي علماء النفس هذا العنصر بـ”الممارسة المتعمدة” التي تعني التدرب على مختلف المراحل التي لا يتقنها الفرد. ومن الضروري تعلم كيفية القيام بشيء ما قبل تطبيق ذلك على أرض الواقع وفي وضعيات لا تتحمل الأخطاء.

ويثير الكتاب المعني بالحدود وكيفية مساعدة الأبناء على التعرف عليها وتوضيحها أن العيش بأهداف محددة يسهل وضع الحدود لكون ذلك أمرا صعبا على الكبار أيضا، ويوضح المؤلف أنه إذا كانت العملية تعسفية وغير مدروسة فلن ينجح الهدف منها. ويقول “إذا كنت تحاول أن تعلم طفلك متى يقول: لا، عليك أن تفهمه أهمية هذا القرار الفردي والغاية منه”.

ويعتبر وضع الحدود في حقيقة الأمر وسيلة مميزة لمساعدة الآخرين، حيث يمنع من يقدم المساعدة من تجنب مهمات اتخاذ قرارات صعبة قد تضر بهم عندما يحاولون إفادة غيرهم. ويعد تدريب الأطفال والمراهقين على ذلك أساسيا لكي يدركوا ماهية العلاقات النموذجية السليمة مستقبلا.

21