كيف نعالج قضية الأقليات والإثنيات في بلداننا

الخميس 2014/08/14

إن انفجار النزاعات الإثنية والطائفية في كثير من بلداننا في شكل صراعات دموية هو نتاج لغياب الديمقراطية وحقوق الإنسان طوال مرحلة استقلال هذه البلدان، ولفشل ما يدعى بالدولة الوطنية في إنجاز مجتمعات الحداثة، والتقدم الاجتماعي والسياسي والثقافي والتربوي بشكل خاص.

جرّاء هذا الوضع المزري صرنا أمام مفترق طرق، وأصبحت بلداننا مهددة بالتفكك من الداخل في ظل بروز مجموعات انفصالية يقودها الحنين إلى نموذج قديم عفى عنه الزمن، وإلى ماضيها الاثني أو العرقي البعيد مثل فصيل متطرف ضمن التيار العام للحركة الأمازيغية- البربرية في الجزائر مثلا، وحركات أصولية متطرفة دموية مثل “داعش” التي تتستر بالدين كقناع لتحقيق مآربها مثل تأسيس القرية- الدولة، والطائفة- الأمة.

مما لاشك فيه أن العالم المعاصر ما بعد الاستعماري يتميز بأنه عالم القوميات، والأقليات والإثنيات والأعراق المتعددة والمختلفة، وهكذا، فإنه من النادر جدا أن يكون هناك في أي بلد من بلدان المعمورة تجانس مطلق وكلي. وللحيلولة دون انفجار الأقليات قامت البلدان المتقدمة والديمقراطية في الغرب وفي آسيا، بتأسيس مراكز للدراسات الإثنية والعرقية من أجل إيجاد حلول لأية مشكلة تنشأ جراء هذه الفسيفساء الإثنية أو العرقية داخل جغرافياتها، أو على حدودها. بالتأكيد أن بلداننا لم تقم بتأسيس هذا النوع من المراكز ذات الأهمية القصوى، كما تفتقد منظوماتنا التعليمية إلى تعليم منهجي وأقسام متخصصة في هذا المجال المهم والمصيري. وهكذا تركت هذه المسألة الخطيرة دون علاج مؤسس على الوازع الديمقراطي.

نعرف أن قضية الإثنيات والأقليات العرقية طرحت ولا تزال تطرح بقوة على جميع الدول العربية والإسلامية، وتتطلب علاجا جذريا في إطار مناخ القبول بالتراضي بهذه التنوعات وجعلها أساسا يبنى عليه معمار الدولة وبنياتها السياسية والثقافية واللغوية والروحية، بدلا من تهميشها أو إنكارها، أو خنقها وكبتها. وفي الواقع فإن التطورات السلبية التي تشهدها قضية الإثنيات والأقليات في معظم بلداننا، تدخل في إطار الخلل الذي أصاب البنيات المركزية في عمق الدولة- الأمة المستوردة من الغرب، وفي المقدمة الهوية أو الهويات الثقافية المكبوتة أو المجمدة، والمضامين المتخلفة للفكر السائد، والخيارات السياسية ذات الطابع القمعي المفروضة على المواطنين والمواطنات.

في هذا السياق ينبغي علينا أن نحدد دلالة مصطلح الإثنية الثقافية أو الدينية الروحية، لكي نتجنب السقوط في فخ الخلط في المفاهيم، ومنها اعتبار الإثنية مرادفا للعرقية. الإثنية ظاهرة ثقافية بامتياز، كما أن وجود الإثنيات أو الأقليات في أي مجتمع أمر طبيعي، ولكن الإثنية أو الأقلية تكون مشكلة عندما تصبح قوة طاردة وتنغلق على نفسها من تلقاء نفسها، أو بسبب الإجحاف والإنكار والتهميش، أو التجاهل والعزل السياسي، أو الثقافي، أو الديني المذهبي الروحي، أو الاقتصادي المسلط عليها أو بسبب كل هذه العناصر مجتمعة.

فالقمع، والعزل ليسا علاجين أبدا لأنهما يدفعان بالإثنيات والأقليات إلى ممارسة أشكال من المقاومة السلبية كالتمركز الإثني، ورفض القيم والأفكار واللغة الأخرى المحيطة بها، والتقوقع، واعتبار قيمها وثقافتها الخاصة بها ملاذا وحيدا ومهربا يحميها من أشكال الإنكار التي تمارس ضدها. ومن هذا الوضع غير الصحي تنشأ العداوة المتبادلة بين الأطراف المتصارعة حول إثبات الهوية والموقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وفي هذا الإطار يرى كل من جون هارفي، وتيم سليفان أن “تطور القيم الإثنية يمكن أن يعتبر إما شكلا من أشكال الحماية الذاتية، أو حركة إيجابية من أجل قبول الناس بها داخل المجتمع″. ويضيف هذان الدارسان أنَ: “الإثنية، تشير إلى انصهار كثير من القسمات التي تنتمي إلى طبيعة أية مجموعة أثنية، أي إلى مركب من القيم والمعتقدات، والمعايير والأذواق والسلوكيات والتجارب، ونوع من الوعي، والذاكرة والولاءات”.

ويلاحظ هنا أن الفرق بين الإثنية، وبين النزعة العرقية كبير جدا، فالنزعة الإثنية تنشأ عندما تختار مجموعة إثنية أن تنفرد بنفسها وتتحصن في فضاء هويتها التي لا يمكن لأحد أن ينكرها أو يأخذها منها. أما النزعة العرقية فإنها تمثل نزعة منغلقة، “أو طريقة لتأسيس التقسيم التراتبي بين الأعراق، وذلك قصد تحديد هويات الناس وفقا لمعيار جيني ثابت”، ورفض ما أدعوه بالتناص الدموي بينهم فضلا عن التلاقح الثقافي والحضاري والاجتماعي.

لابد من الإقرار أن الاعتراف بوجود الإثنيات والأقليات في بلداننا أمر حيوي، ودليل على صحة التوجه السياسي، لأن مثل هذا الاعتراف الذاتي سوف يجنب المنطقة التدخلات الأجنبية التي تستخدم ورقة الإثنيات والأقليات لتحقيق أغراض مختلفة، منها تشويه سمعة بلداننا باعتبارها تسحق الإثنيات والأقليات، معنويا أو ماديا، وهي بهذا المسعى تعمل من أجل خلق البلبلة الداخلية كمقدمة للتشجيع على الانفصالات، وإنشاء دول مجهرية تتحول في آخر المطاف إلى مجرد “مناطق نفوذ والتدخل والهيمنة والسيطرة” لتلك القوى الأجنبية التي تلجأ، حين تريد، إلى استخدامها كقواعد عسكرية لفرض الأمر الواقع.

لكي ننقذ الموقف بعد كل هذا التشظي والصراعات الدموية، فإنه لا بد من إقامة حوار متمدن وحضاري مع هذه الإثنيات والأقليات في إطار الوازع الديمقراطي واحترام حقوق الإنسان وتوزيع الثروة بعدالة وإغلاق بؤر التخلف بكل أشكاله. إن التوصل إلى نزع بؤر التوتر مرهون بمعالجة مطالبها بأساليب سلمية وعقلانية تحت مظلة شعار “التنوع هو عنوان ثراء الوطن”.

أريد هنا أن أقدم حالة إثنية محددة والنظر في مشاكلها التي ينبغي أن تحل في الأطر الديمقراطية وبعيدا عن سياسات التسويف حينا والتهميش وهي وضعية البربر (الأمازيغ) في الجزائر. لابد من القول بأن القائلين بأن الظاهرة الأمازيغية في الجزائر هي من خلق الكولونيالية، مخطئون كل الخطأ، والدليل على ذلك أن فرنسا الكولونيالية لم تعامل البربر “الأمازيغ” معاملة مخالفة للعرب الجزائريين، بل إنها قامت بقمع وتحطيم هويات الجميع، وفضلا عن ذلك فإن البربر لم يطالبوا فرنسا بأن تعطيهم وطنا خاصا بهم طوال الكفاح التحرري الذي امتد من 1830 إلى 1962، ولم يسجل التاريخ الوطني أن البربر قد خرجوا في زمن الاحتلال الفرنسي في شكل جماعات تدعو إلى الانفصال أيضا.

وبناء على هذا فإن سياسات قمع وإنكار النظام الحاكم في الجزائر للحقوق الإثنية الثقافية واللغوية هي التي خلقت نزعة الانفصال التي عجزت فرنسا عن تحقيقها. لاشك أن النظام الجزائري قد اعترف، من الناحية النظرية البحتة، باللغة الأمازيغية كلغة وطنية ولكنها تعامل رسميا كلغة جهوية من حيث الممارسة في المحيط الاجتماعي وفي المنظومة التعليمية، كما أنه أقرَّ بحقوق الإثنية البربرية الثقافية من حيث الشكل فقط.

في الواقع، إن النظام الجزائري قد رفض، ولا يزال يرفض، ترسيم هذه اللغة كما فعل المغرب مثلا بكل شفافية ووضوح. وهنا لابد من التوضيح أن سيناريو عدم ترسيم اللغة الأمازيغية في الجزائر سيبقيها ظاهرة صوتية تنقرض رويدا رويدا بانقراض الجيل الأكبر سنَا الذي يتحدث بها شفويا فقط، وبالإضافة إلى هذا فإن هذه اللغة في وضعها الحالي لم تتطور لكي تصبح لغة الفكر والعلوم العقلية والإنسانية، كما أن معاملة ثقافة الأمازيغ بطرق ملتوية دون الجهر بها من طرف النظام الجزائري كظاهرة ثانوية وهامشية وخاصة بمنطقة معينة، وحبسها في سجن الفولكلور البدائي، لا يعطي لها بعدا وطنيا وحداثيا من جهة، وبعد الثقافة العالمية من جهة أخرى.

إن هذا الوضع السلبي الذي يكرسه النظام الجزائري مسؤول مباشرة عن “فَرْنَسَة” المحيط العمراني العام في المنطقة الأمازيغية، خاصة في فضاء القبائل الكبرى على نحو شبه كامل كرد فعل ومقاومة نكوصيين، وعن تنامي العداوة المستترة للغة العربية فيها، فضلا عن تفريخ خلايا نائمة لحركة انفصالية أمازيغية أعلنت عن نفسها مركزها في باريس وفروعها في البلاد، وهي تنتظر انفجار أزمة حقيقية لتشرع في التمرد، والعمل المباشـر على مسرح الأحداث.


كاتب جزائري

8