كيف نغلق الباب على مشاعرنا السلبية حتى لا تعود من الشباك

في جميع الأوقات تنتابنا مشاعر سلبية كثيرة، معقدة، متناقضة وبعضها يمتلك صفة العناد والثبات، وكأنها جزء من روتين حياتنا اليومية. ولعل أبرز هذه المشاعر هو القلق ثم تتبعه أخرى تتوارد بصورة تلقائية بتأثير القلق نفسه.
الأربعاء 2017/08/09
مشاعر ثائرة في حاجة إلى التهدئة

يحرّك القلق الشعور بالإحباط واليأس والغضب والذعر والشعور بالذنب والندم، وهناك نصيحة واحدة في هذه الأحوال تكاد تكون سمة لمن هم في موقع إبداء النصيحة والمشورة “حاولوا التخلص من وقع هذه المشاعر السلبية على حياتكم، تخلصوا منها ببساطة، أهملوها ولا تمنحوها الفرصة لإفساد أوقاتكم الجميلة"! وكأن هذه المشاعر هي مجرد وصفات غذائية غير صحية، يتعيّن علينا إتلافها والتخلص منها لتغدو قائمة طعامنا أفضل، فنتجنب بعد ذلك حدوث النزلات المعوية ومشاكل الهضم والسمنة.

ومع أن المبرّر لهذه المقولة يرتكز على أهمية عدم السماح لانفعالاتنا بالتحكم في سلوكنا، إلا أن أصحاب هذه النصيحة المباشرة، لا يرشدونا بالضرورة إلى الكيفية التي يتم بها تجاهل مشاعر الهزيمة هذه أو إتلافها، لإبعادها عن طريقنا وقفل جميع الأبواب بوجهها وضمان عدم عودتها مجددا من الشباك.

ويرى ليون سيلتزر، أستاذ علم النفس السريري في كلية كوينز بجامعة مدينة نيويورك الأميركية وصاحب مؤلف "استراتيجيات التناقض في العلاج النفسي"، أن محاولة القضاء على هذه المشاعر تعد خيارا سيئا وغير مأمون الجانب، إذ أن مشاعرنا هذه تنشأ في الأساس من تلك الأجزاء المتهوّرة والأقل تطورا من شخصيتنا، فهي امتداد لمشاعر الطفولة التي كان يسمح لها بالانطلاق على مساحة واسعة من حرية التعبير، على شكل سلوك متهور أحيانا، حين لم يكن هناك ما يردعها ويظهر لها العواقب الوخيمة للسلوك غير المسيطر عليها، إلا بتحذير يقوم به الأهل في الغالب.

ومما لا شك فيه، أن الطفل أكثر عرضة لارتكاب الأخطاء بحكم قلّة خبرته واندفاعه الذي يكون دون رادع في أغلب الأحيان، إلا أنه ومع التقدم في السن، فإن حصيلة الخبرة المتراكمة تنعكس على سلوكه الذي سينضج بالتدريج ليصبح مقبولا أو على الأقل مسيطرا عليه وأكثر انضباطا وأكثر عقلانية، وفق قيم المجتمع المتعارف عليها.

أغلب المشاعر السلبية كالشعور بالذنب والحزن والخوف، تظهر في حالة الانفصال بين الزوجين أو نهاية علاقة الحب

وفي حين، أن سلوك الشخص البالغ يخضع إلى حد ما للمنطق والموضوعية، ومنها مشاعر الطفولة، إلا في حالة واحدة؛ وهي عندما يكون مدّ المشاعر قويا لا يمكن السيطرة عليه أو ما يطلق عليه “فقدان العقلانية” والانخراط في “التفكير العاطفي”، عندها، سيحدث التراجع في السلوك والعودة إلى مشاعر مرحلة الطفولة من شأنه أن يشكل خطرا محسوسا فيما يتعلق بعقلانية القرارات التي يمكن اتخاذها في مثل هذه المواقف، وهي القرارات التي ستكون حتما تحت تأثير فورة اللحظة المؤثرة.

ومن الناحية المثالية، سيتم تقديم نصيحة للكبار تشبه تماما النصيحة التي يقدمها الأبوان للطفل الواقع تحت تأثير عنف مشاعره؛ وهي السيطرة قدر الإمكان على ردود الفعل وضبط السلوك وتهدئة المشاعر الثائرة إلى أدنى مستوياتها. ويبدو أن هذا هو الحل الأفضل من وجهة النظر العقلانية لكنها في الحقيقة، وبحسب متخصصين، ليست كذلك!

ويؤكد متخصصون في علم النفس الاجتماعي أن هذا النوع من النصائح المثالية، تبدو وكأن أحدهما يحاول أن يتحكم بعمل جهاز إلكتروني لإعادة ضبط إيقاعه من خلال الضغط على أزرار معينة، وهذا الأمر يعد شبه مستحيل فيما يتعلق بضبط إيقاع مشاعرنا؛ إذ أن فعلي الإرادة والمحاولة للعودة إلى العقلانية لا يمتلكهما مثل هذا السحر للقبض على لجام مشاعرنا الثائرة والتحكم في اتجاهاتها.

ويورد ليون سيلتزر مثالا حيا على ذلك؛ حين يتصرف الشريك أو الزوج بطريقة تثير غضب الطرف الثاني، وتكون ردة الفعل في الغالب هي الغضب، الذي يحاول البعض كبته أو ترويضه وفق ما تتطلبه نظرية العقلانية، لكنه في الحقيقة إنما يحاول ترويض جزء خاص بالطفل الذي في داخلنا.

ويضيف قائلا “هذا الطفل الذي أجبر على تهدئة انفعالاته خوفا من عقاب الوالدين، هو نفسه من يحاول أن يئد مشاعره خوفا من العقاب أيضا ومن فقدان الشريك حين يَستبدل الوالدين بشريك الحياة، الأمر الذي يوّلد نوعا من القلق النفسي الشديد الذي تتصارع فيه رغبتان؛ الرغبة في تجنب فقدان الشريك إذا ما تم التعبير عن مشاعر الغضب والرغبة في التخلص من هذه المشاعر وإطلاقها بصرف النظر عن النتائج، وكلا الرغبتين تتعاكسان داخل دوامة من الصراع النفسي المرير.

وتعمل هذه المشاعر، بحسب سيلتزر، وكأنها جروح داخلية أو أجزاء حية من طفولتنا من الماضي البعيد لم يتم شفاؤها بعد، لهذا، يتوجب علينا بدلا من التستّر عليها وتجميدها في مهدها، إطلاقها من عقالها وتحريرها من عبوديتها؛ فالجروح ينبغي إخراجها وعلاجها حتى تلتئم، لا إهمالها والتغاضي عنها، وهكذا هي مشاعرنا المكبوتة.

ومن جانبها، تؤكد جينا باديلي، أستاذة علم النفس الاجتماعي في جامعة تكساس بولاية أوستن الأميركية، أن أغلب المشاعر السلبية كالشعور بالذنب، الحزن، الغضب والخوف، تظهر في حالة الانفصال بين الزوجين أو نهاية علاقة حب، حيث تتملك هذه المشاعر طرفي العلاقة على حد سواء ولكن بصورة متباينة مع اختلافها بالشدّة، فالطرف الذي ينهي العلاقة مثلا يكون مكبلا بالشعور بالذنب، أما الطرف الثاني فتغلبه عادة مشاعر الغضب والحزن والخوف من الوحدة.

وفي كلتا الحالتين، تنشأ رغبة قوية للتخلص من سيطرة هذه المشاعر أو وقفها وربما إدارتها وتطويعها بصورة ما. إلا أن بعض الحلول الترقيعية التي يتبناها البعض لتحييد هذه المشاعر أو إخفائها في مكان سرّي من النفس يمكن أن تراكم آثارها السلبية وتعقد الأمور أكثر، فالنفس البشرية مثل غرفة المعيشة التي تحتاج إلى تنظيفها من الغبار والشوائب وتعريضها إلى ضوء الشمس كلما سنحت الفرصة وذلك للحفاظ على صحتنا النفسية.

21