كيف نفهم إخفاء المرأة لسنها الحقيقي

الأحد 2016/04/10
المجتمع يحدد عمر المرأة بقدرتها الجسدية الأنثوية

إخفاء المرأة لسنّها ظاهرة قديمة وهي تقريبا مشتركة بين جميع الحضارات قديما وحديثا. وأسباب ذلك عديدة لعلّ من أهمّها الصورة التي رسمتها الثقافات والحضارات عن المرأة، وبالتالي تبدو هذه الظاهرة شديدة الصلة بجملة الضغوطات الثقافية والاجتماعية والنفسية التي تمارسها المجتمعات على المرأة لكي تخفي سنها الحقيقي أو لكي تبدو أقل من سنها. فلتنال رضا الرجال ورضا المجتمع تنخرط طواعية في هذه الحالة من الإنكار وخاصة في المجتمعات التي تحصر جوهر ودور وصورة المرأة في الوظيفة الجنسية ووظائف الخصوبة والإنجاب.

وعندما تخفي المرأة عمرها الحقيقي وتحاول أن تظهر بشكل أكثر حيوية وأصغر سناً فهي تفعل ذلك لأن المجتمع يحدد عمر المرأة بقدرتها الجسدية الأنثوية، وهي بذلك ترضخ لتلك النظرة الاجتماعية السلبية إليها باعتبارها فقط كائنا جميلاً ومثيرا قبل أن تكون ذاتا وكيانا مستقلا. إنها قيم تكاد تكون شبه مفروضة على المرأة . وكما نعلم جميعا أن القيم هي أحكام مكتسبة من الظروف الاجتماعية يتشرّبها الفرد ويُحكم بها وتُحدد مجالات تفكيره وسلوكه وتؤثر في تعلمه وتصوره لنفسه وتكون في بعض الأحيان أقوى حتى من القوانين الملزمة، فهي التي يبلورها البناء الاجتماعي والثقافة الاجتماعية اللذان يعملان على تنسيق وتنظيم سلوك الأفراد وفق معاييرها وقيمها بما في ذلك مقاييس الجمال والسن والنظارة والقبول الاجتماعي، ومن أبرز تجلياتها تسمية سن المرأة المتقدم بسن “اليأس”.

إن الخوف من التقدم في العمر إحساس طبيعي لدى المرأة والرجل وهو مرتبط بحب الحياة والرغبة في الخلود، لكن أن يتحوّل هذا الإحساس إلى هوس فذلك دليل على أزمة مجتمعية وثقافية وقيمية. عندما يكون هذا الموضوع هو الهاجس الأول للمرأة وفي أعلى سلّم أولوياتها واهتماماتها وليس مجرد موضوع عادي فإنه يمثل مؤشرا من مؤشرات التخلف الثقافي الذي يعطّل تثمين دور المرأة ونظرتها لذاتها ويحصرها في الوظيفة الجمالية والجنسية والإنجابية على حساب الوظائف والأدوار الأخرى وهذا مؤشر على نوع من “التخلف الثقافي”.

ونقصد بمفهوم “التخلف الثقافي” تلك الحالة من المواقف والاتجاهات والسلوك الذي يهيمن فيه أحد عناصر أو مكونات الثقافة بشكل أسرع ممّا يتغير به غيرها من العناصر الأخرى للثقافة، ليصبح هو السائد والمهيمن. فإذا فشل المجتمع في إشباع احتياجات الأفراد وتحديد الأدوار الاجتماعية بفعالية وشغل الناس بمواضيع جوهرية يلتجئ الناس إلى المواضيع الجانبية والسطحية لإثبات ذواتهم كما هو الحال بالنسبة إلى موضوع السن عند المرأة.

إذن وفي هذه الحالة فإن إخفاء المرأة لسنّها يتعلّق باعتقادها أن سنّها وجسدها هما المقياسان الأهم لتقييم دورها ومكانتها في الحياة، وأيّ تراجع في أنوثتها يعني تراجعها في أدوار الحياة الأخرى، وهي تصوّرات ضد منطق الطبيعة وضد منطق الحياة. فالمرأة في النهاية هي إنسان وكائن طبيعي له طفولته وصباه وشبابه وكهولته، لذلك ليس كل النساء حريصات على إخفاء أعمارهن لأنّهن استطعن أن يتحرّرن من القيود التي تفرضها عليهن مجتمعاتهن وثقافتهن وبالتالي أصبحن ينظرن إلى أنفسهن ككائنات طبيعية تعيش عمرها الحقيقي فلكل سن سحره وجاذبيته وعبقريته وفتنته.

نحن في حاجة اليوم إلى أن تتصالح المرأة مع نفسها عبر زيادة منسوب الثقة في النفس في شتّى الأعمار والمراحل التي تمرّ بها. فعندما تثق المرأة في جمالها وشخصيتها فلا تراها تخفي عمرها بل على العكس تجدها تفتخر به وتلائم بينه وبين ما يتطلّبه من أدوار ووظائف.

باحث في علم الاجتماع

20