كيف نفهم الصين من خلال السينما

التكرار السينمائي الحديث لا يشكل نوعا من القطيعة مع مبادئ التقاليد الصينية في التجسيد وإعادة الإنتاج مع وضعها في الممارسة العملية في اللوحات الطبيعية.
الأحد 2018/04/01
لم يحقق "القط الشيطاني" نجاحا مماثلا لما حققه "الأرض الصفراء"

ليس من الممكن فهم ما يحدث في الصين إلا في ضوء ما يتم التعبير عنه في الأدب والفن بشكل عام منذ نحو ثلاثين عاما، وهي السنوات الحاسمة التي حققت خلالها الصين تقدما اقتصاديا جعلها تصبح المنافس الأول على الأسواق في العالم.

وأجد نفسي في هذا المقال مضطرا للاستناد إلى حصيلة ما قدم له وعرضه وأسهب في شرحه البروفيسور جيروم سيلبرغيلد، أستاذ تاريخ الفن بجامعة واشنطن، في كتابه العظيم “الصين في السينما” الذي يعتبر كتابا في “تاريخ الفن”. فهو كمؤرخ للفنون البصرية الصينية، يعتبر ظهور جيل جديد من الأفلام مثل “الأرض الصفراء” (1984) و”حادثة المدفع الأسود” (1985) على أيدي مخرجين مما ينتمون لما عرف بـ”الجيل الخامس” كان أمرا منتظرا لزمن طويل، وفي الوقت نفسه غير متوقع على الإطلاق.

إنه يعتبر أن اهتمامه الكبير بهذين الفيلمين اللذين اعتبرا البداية الحقيقية لحركة السينما الجديدة في الصين، لم يكن يرتكز على الناحية الجمالية البسيطة التي تتمثل في الشكل الجذاب، بل بقدرة مثل هذه الأفلام على التواصل بعمق وثراء، وعلى أن تخلق وتقيم علاقة حيوية بين الصورة والنص، وعلى أن تطرح – بأسلوب فني مقنع- قضايا اجتماعية وفلسفية معقّدة تهم الصين وتعرّف العالم بالصين، فقد كان إحياء التقاليد السينمائية الصينية الكامنة وبلوغها هذا المستوى الفني بقيادة جيل من المخرجين السينمائيين الشباب الذين شكلتهم تجربة الثورة الثقافية وتخلي الصين عن الماوية، سببا في الاحتفاء والفرح.

يستند منهج البروفيسور سيلبرغيلد أولا على الاهتمام الكبير بتحليل عناصر الصور في علاقتها مع النصوص والسياقات الوثيقة الصلة بالموضوع. إنه يولي اهتماما كبيرا وواضحا بالدلالات والاستعارات في الفكر الصيني.

وهو كمؤرخ فني يميل أكثر، على العكس من دور الناقد السينمائي، إلى التأكد من أن البحث التاريخي يلعب دورا أكبر من دور الحسم النقدي. يقول سيلبرغيلد “لقد ظل السينمائيون، مثلهم في ذلك مثل كل ‘عمال الفن’ Art Workers في الصين يذعنون طويلا لأغراض الآخرين ويخضعون فنهم للأيديولوجية.

 ولكن رد فعلهم إزاء الرقيب لم يكن يتمثل في النص (الذي قد يفهمه الرقيب جيدا) ولكن في الابتعاد عن النص من خلال بصرية الفن السينمائية (التي يتعذر فهم الرقيب لها). والمفارقة أن هذه الاستراتيجية مكنت البراعة الفنية ليس فقط من بلورة المصادر البصرية للمعنى، ولكنها عززت وساعدت في تشكيل جمالية هذه المغامرة الفنية بأسرها”.

تشين كايغي هو أحد أعلام "الجيل الخامس" في السينما الصينية
تشين كايغي هو أحد أعلام "الجيل الخامس" في السينما الصينية

وحدة الشكل والمضمون

كان ماو تسي تونغ مثل غيره من كبار المنظّرين السياسيين الشيوعيين، يدعو إلى وحدة الشكل الفني والمضمون الأيديولوجي. إلا أن سيلبرغيلد يرى أن مهمة المؤرخ الفني لا تتمثل في إملاء الأيديولوجية ولا في رفضها بل في شرحها. وهو أمر ليس باليسير بل وغير كافٍ تماما، ومتواضع دائما “إن الانحياز هنا هو إلى جانب التاريخ والاستمرارية التاريخية، فالقديم يثري معرفتنا ويصبح جزءا من الجديد، يتشكل في التعبير السينمائي عن تعدد الأجناس والاستعارات والشكل الدرامي وأنماط الأسلوب السينمائي ودلالاته لتحقيق البلاغة البصرية”.

يستند منهج سيلبرغيلد في البحث التاريخي إلى محاولة فهم الخيوط المعقدة والخفية للإشارات التي تنسج منها هذه الأعمال الفنية، والتي تربط هذه الأعمال بكل من الماضي والحاضر. وهو يرى أن جوهر أي فيلم هام لا يكمن في شكله “الجميل” ولا في رسالته “الصحيحة”، وأن الكثير من الأفلام الجميلة لا تملك إلا هذا الجمال، وقد كان دائما ينظر بتشكك إلى الجاذبية البصرية في الفن الصيني.

وقد تم توصيل الرسالة التي يفترض أنها صحيحة بأشكال لا علاقة لها بالفن الرفيع عادة، فالرسالة “الصحيحة” لا ترتبط بالضرورة بالفن الرفيع، تماما كما لا ترتبط بالرسالة “الخاطئة” وبالفن الرديء. “وإذا كان هناك حقا شيء ‘جيد’ أو ‘رديء’ عند مؤرخ الفن الصيني فإنه يكمن، موضوعيا، في قدرة العمل الفني على منح الشكل والحافز، وهو أمر جيد دائما لتجربة بصرية وتخيلية ثرية”.

يقول سيلبرغيلد “إن ما يبدو لنا أنه من صميم الكادر السينمائي هو في الحقيقة، ومن خلال الصلة الظاهرية، ليس في صلبه على الإطلاق. والمقصود بكلمة ‘الصلة’ البعد التاريخي، سواء على مستوى الماضي أو الحاضر. وقد تكون وسائل هذه الصلة نصّية أو بصرية خالصة أو مزيج منهما. وفي كلتا الحالتين، فإن فهمنا للصلة والصلات يجب أن يعترف بهذه الصلات ويكون ملمّا بها. وهناك عوامل عديدة تتحكم في الفرق بين التفسير الذي يستند إلى التاريخ، والتفسير المعاصر”.

طبقا لرؤية سيلبرغيلد فإن الاهتمام بالمؤثر التاريخي يغيّر من استقبالنا للفيلم السينمائي تماما. ويضرب مثالا على ذلك بقوله إن “صينية” الصين في فيلم صيني وفي السينما الصينية نفسها، باستخدام مفردات معاصرة تماما، يمكن أن تصبح عند البعض غامضة ومدعاة للازدراء بسبب توظيفها “آلية أجنبية” حديثة. أما الاهتمام بالدور التاريخي للمحاكاة في الخيال التقليدي الصيني المصور، الذي كان عادة ما يُنظر إليه كشيء مقدس أو أقرب إلى القداسة، فإنه يولد معنى آخر مختلفا تماما.

لقد أصبحت أفلام السينما الصينية متوفرة حديثا في العالم، سواء كأفلام سينمائية أو كأسطوانات مدمجة أو أقراص بلو راي

نقد النقد

يسوق سيلبرغيلد رأيا للناقدة السينمائية الصينية الأميركية راي شو في فيلم “الأرض الصفراء”. تقول شو “بتقديم مشكلة التدوين في إحدى لحظات البداية في الثورة الصينية الاشتراكية، يكشف المخرج تشين كايغي التحكم الفاشي في المجتمع الذي يمكن للمنظرين الغربيين العثور عليه بسهولة في مصادرهم الثقافية الخاصة من خلال الأشكال المحسوسة للأجهزة التقنية ولكن التي تبدو ظاهرة بنفس الدرجة في دولة غير غربية.. إن ما هو ‘في حالة دمار’ (في فيلم ‘الأرض الصفراء’ The yellow Earth) ليس فقط أسطورة التقدمية الشيوعية ولكن أيضا الافتراض بأن النقد نفسه يمكن أن يصمد بعيدا عن الآلات التي تسمح له بالتعبير.

ولأن ‘الأرض الصفراء’ يستخدم الجهاز السينمائي الموروث من الغرب، ولأنه يوزع في السوق السينمائية العالمية، فإنه يصبح، مثل غيره من الأفلام، أداة لتجسيد ‘صين’ معينة.. إن الإحساس بأجواء المناظر الطبيعية في القرية: الأرض والسماء والفلاحين وطريقتهم الهادئة في الحياة، يختفي في اللحظة التي نرى فيها هذه الأشياء على شاشة السينما، لأن ما نراه هو بالفعل نتيجة التشابه (مع الأصل) من خلال التكنولوجيا والتسليع”.

أما سيلبرغيلد فيرى أنه على الرغم من أن الفيلم ووسائل الاتصال والعرض الأخرى (التلفزيون والفيديو والفاكس والبريد الإلكتروني والإنترنت) تمثل اليوم تحدّيا حقيقيا لهيمنة الدولة على المعلومات والمعرفة في الصين (وهو ما يبيّن أن التقدم الصناعي في حد ذاته ليس فاشيا ولا غير فاشي بالوراثة) فإن المنطق ‘الغربي’ الذي يتضح في المثال السابق، يبني سورا ثقافيا عظيما حول السينمائيين الصينيين، ويسعى إلى الحط من شأنهم وحصرهم في إطار النظرة الاستشراقية ويحدد لهم الأولويات ويقلل من شأنهم ويحرمهم من حقوقهم في التعبير”. ويضيف أنهم جميعا يسيرون في اتجاه معاكس تماما لما ترمي إليه الناقدة صاحبة المثال السابق.

التكرار

بالمقارنة يرى سيلبرغيلد أن التكرار السينمائيfilmic replication لا يقلل من شأن الاستناد إلى الأسس الصينية المجردة: فالمفاهيم الكونفوشيوسية للتصميم الفني وللدور المركزي لما تولده الصورة والمنمنمات في التقاليد الداوية Daoist والبوذية، والمناقشات الجمالية التقليدية لفن المحاكاة تقول عكس ذلك.

 التكرار السينمائي الحديث لا يشكل نوعا من القطيعة مع مبادئ التقاليد الصينية في التجسيد وإعادة الإنتاج مع وضعها في الممارسة العملية في اللوحات الطبيعية ورسومات الحدائق، وفي نماذج النقش التقليدي للخط اليدوي على الحجر والحصول على نسخ منها عن طريق استخدام ورق تنطبع عليه الصور، وفي النصوص المطبوعة على الخشب التي يعاد إنتاج كميات كبيرة منها، في أعمال النحت التي تزيّن التوابيت بأشكال دقيقة، وفي صب قوالب البرونز وتشكيل الخشب وفي التخطيط المدني والعمارة.

تشين كايغي أخرج أيضا فيلم "أسطورة القط الشيطاني"
تشين كايغي أخرج أيضا فيلم "أسطورة القط الشيطاني"

 ليس هناك إذن أساس ثقافي متين تستند إليه هذه النظرة التي ترى أن الفيلم يعتمد بالضرورة آليا على “الغرب” أو لنسب بعض التميز “الفاشي” إلى آليته. ويؤكد الكثير من الأدبيات الفكرية صحة هذا الرأي. وفضلا عن ذلك، من الأفضل كما يرى سيلبرغيلد، ألا ينسب تأسيس “الحداثة” للغرب أو مساواة “الحداثة” الصينية بـ”الغربنة”Westernization .

إذ من الممكن أن تنبني حداثة صينية، بل هو يرى أيضا أن هناك فنّا طليعيا صينيا يعيش على الماضي الصيني: فالحاضر يمتد إلى الماضي والماضي يعيش في الحاضر. في تأثر أفلام الجيل الخامس بالفنون المحيطة بها، يرصد سيلبرغيلد الإشارات الكثيرة الكامنة فيها، إلى العلاقة بين الماضي والحاضر، الاهتمام بالبلاغة الفنية في مكوناتها وتقاليدها، التعبير عن النص بالصورة، صياغة التناظر، سيطرة الرمزية والميلودراما، التحرر والتعبير عن الذات وعن الهوية الثقافية، والتحايل على الرقابة.

التأثير الغربي

هو لا يرى أن هذه الأفلام خالية تماما من التأثير الغربي (تأثير هوليوود)، ولكنها في معظمها تخضع لقواعدها الخاصة: القواعد الصينية. وعادة ما يتم تجاهل اللقطة – واللقطة العكسية لحساب اللقطات البعيدة الثابتة، وفي الكثير من الأحيان يتم كسر خط الـ180 درجة الذي لا يمكن المساس به عادة في أفلام هوليوود. ورغم أن المقارنة مع أفلام هوليوود مفيدة، فإن المقارنة مع الأمثلة التاريخية للفنون البصرية الصينية، مثل الرسم الصيني التقليدي عظيمة الفائدة.

إنه يرى أن هذه الأفلام “تطرح جميعها قضايا أساسية تواجه الصين في ملحمتها المستمرة من أجل تكوين هوية حديثة. وهي تعبّر، أحيانا بشكل مباشر، عن أنماط ساهمت طويلا في التعرف على البلاغة الصينية المكتوبة والبصرية، حتى لو اختلفت أو حادت عن البلاغة التقليدية أو أعادت تعريفها أو قامت بتجديدها”.

إنها تتحدث بوعيها التاريخي (وغالبا الفني التاريخي)، وهو وعي خلاق بالتقاليد تماما كما عبّر عنه ذات مرة ت. س. إليوت “يتضمن الحس التاريخي استقبالا، ليس فقط لماضوية الماضي، ولكن لوجوده. فالحس التاريخي يرغم الإنسان على الكتابة ليس فقط معبرا تعبيرا عميقا عن جيله، بل بإحساس بأن الأدب بأسره له وجود متزامن ويكون نظاما متزامنا”.

لقد أصبحت أفلام السينما الصينية متوفرة حديثا في العالم، سواء كأفلام سينمائية أو كأسطوانات مدمجة أو أقراص بلو راي. وهذا ليس معناه أن ننكر أن أي فيلم، وكل فيلم، يقدم أساسا ذا معنى للاستكشاف. ولكن سيلبرغيلد يحذر من النظر إلى هذه الأفلام باعتبارها كتلة واحدة وأنها تتمتع جميعها بنفس المستوى الفني المتميز الذي يجعل منها تحفا فنية.

 ويضرب مثالا على ما يقوله بفيلم “حب في مت لو” (1980) الذي يشير بإعجاب إلى موجة التفاؤل والأمل التي نتجت عن الحقبة الأولى لحكم الزعيم الصيني دينغ تسياو بنغ (الذي خلف ماو تسي تونغ)، من الانفتاح على الغرب والمصالحة مع تايوان بشروط بكين، بينما تكشف جماليات الفيلم العفوية بشكل مؤلم، والعذبة بشكل مفجع – حسب قوله- والتي تذكرنا بأفلام دوريس داي في الخمسينات، عن سذاجة هذه الرؤية. ويضيف أخيرا أنه يكفي أن يشاهد المرء هذا الفيلم مرة واحدة للوقوف على سطحيته.

15