كيف نفهم المسألة

الثلاثاء 2015/01/13
صحفيو ورسامو شارلي إيبدو لم يدفنوا بعد

عمل إرهابي بامتياز، قام به مجرمون تستروا بالإسلام وهو منهم براء، كما يحلو لنا أن نكرر منذ سنوات عند الحديث عن القتلة العاملين تحت راية الديانات والعقائد.

بالمقابل، فبعض رجال الدين، وما أكثرهم، ليسوا براء البتة بسبب ممارستهم التجهيل ومساهمتهم في الإساءة إلى الدين ورموزه أكثر بألف مرة من رسم كاريكاتوري.

من المؤلم في هذا الإطار أن بعضاً من نخبنا، بدأ باستعادة أسطوانة المؤامرة والتشكيك في ما ورائيات الحدث وإعطائه أبعادا ميتافيزيقية. وهم لم يكتفوا بذلك، بل وزادوا عليه بتوجيه اللوم إلى “البسطاء” منا والذين لم يفهموا “القطبة المخفية”، وتضامنوا بشكل مبدئي مع حرية التعبير ونددوا بوجه من اغتصبها انسجاماً مع مبادئهم التي تبنّوها لمواجهة المستبد مهما كان: رئيس دولة أو رجل أمن أو رجل دين أو رجل مال أو رجل جريمة… إلخ.

من الملفت للنظر أن غالبية هؤلاء المجرمين لا يعرفون العربية، وبالتالي، علاقتهم بالنصّ ضعيفة وصلتهم به تتم عن طريق دعاة جهلة منتشرين بكثرة في مساجد أوروبا وقد تغاضت عنهم الحكومات لأسباب سياسية لأن غالبيتهم يتبعون لدول للحكومات الأوروبية معها مصالح. إضافة إلى ذلك، نرى تأثير الفضائيات على من فكّ منهم الحرف، وهي فضائيات تنعم بأموال متدفقة لا تقطعها أي دعوة على الأثير إلى قتل الآخر وتكفير الآخر وإقصاء الآخر.

هناك صلة “عقائدية” وتحريضية واضحة مع الجماعات الإرهابية التي تعبث بانتفاضة الشعب السوري. وقد تبيّن ذلك على أكثر من مستوى تقني ومادي ومعنوي.

ومن نتائج هذا فرنسياً على الأقل، بروز صوت إعلامي بشكل خجول، ولكنه مسموع، للدعوة إلى إعادة النظر في الموقف الفرنسي تجاه الحالة السورية، على الأقل، في ما يتعلق بالتعاون الأمني.
كثير من القادة المستبدين يشعرون بالشماتة مما حصل

كما أنه من المتوقع أن تؤثر هذه العلميات الارهابية على موقف الأحزاب السياسية اليمينية في أوروبا دافعة بها إلى الانغلاق أكثر أو الصحوة الجمهورية ومحاولة التمييز بين الارهاب الذي لا دين له وبين المجموعات السكانية المنتمية إلى أديان وأعراق مختلفة. كما أن اليمين المتطرف بكافة تلاوينه سيقفز على “الفرصة” ليستخدمها في تعزيز نظرياته الداعية إلى الحد من الهجرة ومعالجة ملف الأجانب (المسلمين) بما يتناسب مع “مسؤولية” جماعية عن ارتكابات أفراد مجرمين.

الخروج من عنق الزجاجة يتطلب وعياً مجتمعياً عبّر عن جزءٍ منه الفرنسيون بخروجهم الكثيف في مظاهرة يوم الأحد الماضي. وإن تلطخت روعة هذه المسيرة المواطنية بوجود قادة سفاحين في قسمها الرسمي، كما نتنياهو وليبرمان وغيرهما، إلا أن هذا لم يحرم الملايين من التعبير عن تضامنهم مع حرية التعبير ومع وحدة المجتمع الفرنسي بمختلف تكويناته.

ويجب الحذر بشدة من الوقوع في فخ التنصّل مما حصل كمسلمين، وهو ما يدعو إليه البعض. فإدانة الارهاب يجب أن تتم أساساً من خلال الاقتناع والتشبث بالانتماء إلى قيم مشتركة أولها الإنسانية، وليس بالتمايز عمن ارتكبه تحت عنوان إعلامي ساذج: “أنا مسلم، وما يحصل ليس باسمي”. لأن هذا يعني، وإن لم يكن ذلك مقصوداً، بأنني حتما كمسلم يجب أن اتحمّل مسؤولية جريمة هؤلاء القتلة، ويجب أن أتمايز عنهم. التقوقع الفئوي لا يفيد المسلمين في أوروبا كما سواهم.

كثير من القادة المستبدين يشعرون بالشماتة مما حصل، وبأن فرنسا تدفع ثمن وقوفها الرسمي والشعبي إلى جانب مفاهيم حقوقية كونية حاربوها واجهضوها في بلدانهم، ولكن هذا لن يمنع من أن جريدة شارلي إيبدو، التي ما فتئت تسخر من الدمويين والمستبدين من القادة العرب والإسرائيليين وغيرهم، ستصدر في الأسبوع القادم بمليون نسخة، بعد أن كانت تصدر بأربعين ألف فقط.

هناك أخطاء كثيرة لا مجال لتطوير أبعادها في هذه العجالة، وهي تتعلق بعجز السياسات الاجتماعية والاقتصادية للحكومات الأوروبية، ومنها فرنسا، في ما يخصّ اندماج الأجانب أو من هم من أصول أجنبية. ويمكن تطويرها أكثر باتجاه الطبقية المرتبطة بالليبرالية الجديدة والتي تقصي فئة من عموم الشعب بمعزل عن دينها وعرقها.

يمكن أن تكتب في هذا الحقل الكتب، ولا أعتقد بأن الوقت مناسب لذلك “الترف” البحثي ولتطوير نظريات “على الساخن” في هذا الاتجاه، وإن كان من الواجب عدم إغفاله في أقرب فرصة. فصحفيو ورسامو شارلي إيبدو لم يدفنوا بعد.

16