كيف نفهم عودة بورقيبة

التونسيون لا يهتمون الآن إلا بالجوانب الإيجابية في شخصية بورقيبة، وفي طريقته في الحكم وفي تسيير المجتمع وشؤون الدولة. ولعل ذلك يعود إلى خيبة الأمل الكبيرة التي أصيبوا بها بعد 14 يناير 2011.
السبت 2018/08/04
التونسيون لا يهتمون الآن إلا بالجوانب الإيجابية في شخصية بورقيبة

منذ سقوط نظام الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي في 14 يناير 2011، أصبح يوم وفاة الزعيم الحبيب بورقيبة في السادس من أبريل 2000، ويوم ولادته في الثالث من أغسطس 1903، مناسبتين وطنيتين كبيرتين فيهما يحتفل التونسيون بذكرى “المجاهد الأكبر” الذي قاد معركة النضال الوطني للخلاص من الاستعمار، ووضع الأسس الأولى لدولة الاستقلال محدثا ثورة هائلة في مجال حقوق المرأة والتعليم، وفي العديد من المجالات الأخرى.

وكان الزعيم الراحل يؤثر عيد ميلاده على مناسبات وطنية أخرى، محبذا أن تشارك في الاحتفال به جميع محافظات الجمهورية ببرامج ثقافية متنوعة تحضر فيها العكاظيات الشعرية والغناء والرقص. وكل هذه الاحتفالات تنتظم في مسقط رأسه المنستير بمنطقة الساحل التونسي.

ويوم الاحتفال بذكرى الميلاد أو ذكرى الوفاة، يتوافد على مدينة المنستير آلاف الزوار القادمين من مختلف أنحاء البلاد. وإلى جانب العديد من الوزراء والمسؤولين القدامى الذين ساهموا في بناء دولة الاستقلال وعملوا إلى جانب “المجاهد الأكبر”، تشارك في الاحتفالات أجيال مختلفة، منها من عاش الزمن البورقيبي ومنها من لم يعشه. كما تشارك فيه فئات اجتماعية تتوزع بين الأغنياء والفقراء والموظفين والفلاحين، ورجال الأعمال والعمال البسطاء والمثقفين وأشباه الأميين. ولا يجمع بين هؤلاء ولا يوحد بينهم غير الوفاء لبورقيبة والاعتزاز به قائدا حكيما وزعيما فذا ورجلا تميز بخصال نادرة عن رجالات عصره.

وقد يتساءل الكثيرون عن سبب أو أسباب هذا الوفاء المؤثر الذي أصبح قسم كبير من التونسيين يظهرونه لبورقيبة، وهذا الحنين الذي يبدونه تجاه زمنه. فلكأنه لم يرتكب أخطاء، ولم يكن مسيطرا ولا مستبدا، ولم يقبل بالخروج من قصر قرطاج إلا بعد أن أمضى الأطباء وثيقة تثبت عجزه التام عن قيادة البلاد.

 وأعتقد أن هذا الوفاء يعود إلى أن التونسيين يعيشون راهنا مرحلة تتسم بالتذبذب والخوف من الحاضر ومن المستقبل. وبالتالي هم بحاجة إلى من يساعدهم على استعادة توازنهم وثقتهم بأنفسهم، وقدرتهم على مواجهة المخاطر التي أفرزها الزلزال الكبير الذي هز بلادهم في 14 يناير 2011، مجبرا بن علي الذي أخرج بورقيبة من قصر قرطاج على ترك السلطة والفرار من البلاد.

ولعل التونسيين وجدوا في بورقيبة خصال الأب الذي إليه يلجأون عند اشتداد المحن، والقائد الذي به وبحكمته يستعينون في هذه الفترة العصيبة من تاريخهم. وليس ذلك بالأمر الغريب، فقد قاد بورقيبة معركة النضال الوطني ضد الاستعمار باقتدار وشجاعة وصلابة في المواقف أدهشت رفاقه وخصومه على حد السواء. وطوال سنوات الكفاح المريرة لم يبد بورقيبة ضعفا أو تخاذلا أو تراجعا عن مواقفه. وحتى في أشد الأوقات حرجا، حافظ على معنويات مرتفعة وتحلى بصبر عظيم، مواجها المستعمرين الفرنسيين بما كان يسميه بـ”سياسة الكر والفر” التي قد يكون استوحاها من الفيلسوف الصيني الشهير سان تزو صاحب كتاب “فن الحرب”.

وحالما استلم السلطة بعد حصول تونس على استقلالها عام 1956، خاض بورقيبة معركة بناء الدولة الجديدة، أو ما كان يسميه “الجهاد الأكبر” بنفس الحميّة والحماس اللذين خاض بهما معركة النضال الوطني.

وفي حين اهتم جل القادة العرب، وقادة البلدان حديثة العهد بالاستقلال بما سوف يعود عليهم وعلى شعوبهم بالضرر الكبير في ما بعد، انصب اهتمام بورقيبة على مقاومة كل مظاهر التخلف والجهل والانحلال والتزمت الديني وحارب العروشية والعصبية القبلية، ومختلف الأمراض الاجتماعية التي قد تزرع الفتنة بين أبناء شعبه وتنال من الوحدة الوطنية.

ولكي يضمن النجاح لمشروعه التحديثي أقدم بورقيبة على إصلاحات لم يجرؤ عليها أحد من القادة العرب والمسلمين في تلك الفترة. فقد أنشأ المدارس في القرى والمداشر البعيدة التي تكاد تكون منقطعة عن العالم، مرددا في خطبه التي كانت بمثابة التوجيهات أنه لا يستطيع أن يحكم شعبا جاهلا.

 وعبر مجلة الأحوال الشخصية حرر بورقيبة المرأة التونسية من التقاليد القديمة ليجعلها مساوية للرجل في حقوقها وواجباتها، ومانحا إياها دورا أساسيا في بناء المجتمع الجديد. ورغم أن ما أقرته مجلة الأحوال الشخصية من حقوق بالنسبة للمرأة أزعجت الأوساط المحافظة في تونس، وفي العديد من البلدان العربية والإسلامية، فإن بورقيبة تمسك بموقفه ودافع عنه بقوة أخرست المناوئين له.

وقد أحدث شعار “فرحة الحياة” الذي رفعه بورقيبة في بداية الاستقلال حماسا كبيرا لدى التونسيين بجميع فئاتهم الاجتماعية لينخرطوا في البناء والتشييد بشكل لم يسبق له مثيل. وعلى المستوى الخارجي سلك بورقيبة سياسة حكيمة دلت على حنكة ودراية بقضايا عصره، وعلى معرفة دقيقة بشؤون الدول الكبيرة والصغيرة على حد السواء، ولا تزال مواقفه الشجاعة والحكيمة بشأن الصراع العربي الإسرائيلي تثير إعجاب الكثيرين عاكسة نبوغه السياسي، ودالة على أنه على حق عندما كان يقول بشيء من الحسرة بأنه أكبر من حجم البلد الذي يحكمه.

وقبل زلزال 14 يناير 2011، كان التونسيون وغير التونسيين يعتقدون أن بورقيبة خرج من الباب الضيق للتاريخ بعد أن دخله من بابه الواسع، لكن الإقبال الشعبي على الاحتفال بذكرى وفاته وعيد ميلاده أبطل هذا الاعتقاد مظهرا بجلاء أن قسما كبيرا من التونسيين لم يعودوا معنيين بالسلبيات التي وسمت شخصيته، ولا بالجوانب المظلمة التي طبعت حكمه مثل الاستبداد بالرأي وجنون العظمة والرئاسة مدى الحياة واستهانته بأدوار رفاقه في النضال الوطني والقمع الذي ووجهت به الانتفاضات الشعبية والطلابية على مدى ثلاثة عقود.

 كل هذا يعني أن التونسيين لا يهتمون الآن إلا بالجوانب الإيجابية في شخصية بورقيبة، وفي طريقته في الحكم وفي تسيير المجتمع وشؤون الدولة. ولعل ذلك يعود إلى خيبة الأمل الكبيرة التي أصيبوا بها بعد 14 يناير 2011، فقد وجدوا أنفسهم أمام حكام مرتبكين ومتشنجين ومضطربين وعاجزين عن تسيير شؤون الدولة داخليا وخارجيا، تنقصهم الخبرة والدراية السياسية والثقافة الواسعة التي كان يتميز بها بورقيبة.

وقد سعى ويسعى البعض من هؤلاء الحكام الجدد إلى التنقيص من قيمة بورقيبة والتحقير من شأنه، وتقزيم دوره في النضال الوطني وفي بناء الدولة والتشكيك في إنجازاته وإصلاحاته الاجتماعية وغيرها، غير أن ذلك لم يعد عليهم بأي نفع بل زاد في حب التونسيين لبورقيبة، وفي اعتزازهم به في زمن طغت عليه الرداءة والرعونة والابتذال والسطحية، وشوهته الصراعات الأيديولوجية والعقائدية التي كان “المجاهد الأكبر” يضيق بها معتبرا إياها أوبئة فتاكة ومدمرة للمجتمعات وفاتكة بالشعوب ومقوضة للمشاريع العقلانية والواقعية.

ومن الواضح أيضا أن التقدير الكبير الذي يحظى به بورقيبة راهنا بين أبناء شعبه يعود كذلك إلى مشروعه الإصلاحي والحداثي الذي تميز به فاصلا بين الدولة والدين. وقد أخرج هذا المشروع تونس من الجهل والفقر والتخلف، جاعلا منها منارة مشعة على ضفاف المتوسط. وهو مشروع يسعى الحكام الجدد إلى التشكيك فيه بهدف تدميره وتخريبه، وتغيير النمط الذي اختاره بورقيبة للمجتمع التونسي. وهو ما يرفضه قسم كبير من التونسيين.

من هنا ندرك سبب عودتهم إلى الزعيم بورقيبة آملين أن يمنحهم تراثه الفكري والسياسي ما يمكن أن يقيهم غوائل ألأزمات الخطيرة التي يتخبطون فيها راهنا، والتي باتت تهدد كيان الدولة التي بناها والوحدة الوطنية التي أرساها بورقيبة في فترة عصيبة كان فيها الشعب التونسي “حفنة من غبار” كما كان يقول في خطبه الشهيرة.

8