كيف نقرأ كتابا من الصفحة الأخيرة؟

المفكر المغربي عبدالسلام بنعبدالعالي يكتب "النص المتعدد" ويمجّد الاختلاف.
الجمعة 2020/05/01
لوحة للفنانة فاطمة حسن

من يقرأ الأعمال الكاملة لعبدالسلام بنعبدالعالي يدرك أن كتب هذا المفكر المغربي يمكن أن تقرأ بهذه الطريقة. ولذلك، فهي ليست أعمالا كاملة، كيف وقد أصدر المؤلف بعدها كتبا أخرى، في السنوات الخمس الأخيرة. والحال أن هذا المفكر لا يقول أبدا بالاكتمال، مثلما لا يؤمن بالانسجام والاتصال وإنما يقول بالانفصال، وبفكر الاختلاف. كاتب يرفض “النص” المكتمل والحقيقي، النص الواحد و”المتوحد” المكتفي بذاته، متجها نحو “النص المتعدد”، كما هو عنوان هذا الكتاب.

يستهل المفكر المغربي عبدالسلام بنعبدالعالي كتابه الجديد “النص المتعدد” بالحديث عن كتبه، والتي غالبا ما يؤخذ عليها أنها “تفتقد وحدة الموضوع”، انطلاقا من أن ما يثير الانتباه في ما يكتبه الرجل هو “تعدد الموضوعات المطروقة، إن لم نقل تشتّتها”.

يسري هذا الأمر بطبيعة الحال على كتابه الجديد هذا، الذي صدر مطلع سنة 2020، معلنا صراحة عن تعدده واختلاف مواضيعه منذ عنوانه “النص المتعدد”. إذ غالبا ما تحمل كتب الرجل عنوان الفصل الأول منها، إن صح أن نسمّيها فصولا، بل هي مقالات مستقلة، حيث نجد النصوص الأخرى وقد أبحرت في انشغالات أُخَر، وطرقت موضوعات مغايرة.

لكن، ماذا لو بدأنا قراءة هذا الكتاب من النص الأخير؟ أكيد أننا سوف نصل في النهاية إلى النص الأول “النص المتعدد”، مثلما هي مقالات الكتاب نصوص متعددة تسائل بعضها وتتحاور وقد تتجاور، لكنها لا تنقاد لبعضها ولا تلتزم بأن تكون جزءا من بنية واحدة، قائمة على مبادئ الانسجام والاتساق والاتصال، بينما ينتصر المؤلف لفكر الانفصال والاختلاف كما أسلفنا.

النص الأخير

عبدالسلام بنعبدالعالي: لا تأتي الترجمة بعد فعل الكتابة، وعقب الانتهاء منها، بل هي ترجمة تتخلل الكتابة وتعيش مخاضها… إنها ترجمة في خضم الكتابة
عبدالسلام بنعبدالعالي: لا تأتي الترجمة بعد فعل الكتابة، وعقب الانتهاء منها، بل هي ترجمة تتخلل الكتابة وتعيش مخاضها… إنها ترجمة في خضم الكتابة

حمل النص الأخير من هذا الكتاب عنوان “المسارات الحديثة في الدراسات الفلسفية”، ولعله النص الذي يسعفنا في فهم المقولات التي يوظفها المؤلف والمفاتيح التي قد تقود إلى فتح مقالاته على القراءات والتأويلات الممكنة والراجحة واللامتوقعة أيضا. نعم إنها “مقالات”، بالمعنى الفكري والفلسفي، وليس لأنها نشرت متفرقة في مجلات أو تليت في ملتقيات علمية وفكرية. مقالات بالمعنى الذي تحدث عنه كاسيرر وشيلر وهايدغر وابن رشد ولويس دومون وأبوالحسن الأشعري في “مقالات الإسلاميين”، أي أقوالهم ومواقفهم و”الآراء”… لسنا ننسى أن الكثير من “مقالات” عبدالسلام بنعبدالعالي نشرت في مجلات عربية في الزوايا الخاصة بالآراء الفكرية.

في هذا المقال الأخير “من الرأي” يرى المؤلف أن الفلسفة الحديثة ما عادت تنتظم في تيارات ومدارس واتجاهات. وينقل لنا جواب دولوز حين سئل ذات حوار عما إذا كان فكره يشكل مدرسة، فأجاب بأنه “بالكاد يعتبر ملتئما في شبكة”. معنى ذلك أنه يلتقي مع آخرين في رهان فكري يشغلهم. وهنا يصبح عمل الفكر ليس هو بناء المذاهب ولا رصد التيارات، وإنما تفكيك اليقينيات “بحثا عمّا هو متفرّد”. لم يعد هاجس الفلسفة الحديثة بناء الأنساق والوحدات والكليات، بل الوقوف عند ما بات يعرف اليوم بـ”فكر الاختلاف”. وهذا الفكر لا هو فلسفة ولا هو مذهب أو تيار فلسفي. فكر عصيّ على التصنيف، يتعذّر ضمّه تحت اسم معين، كما يقول الكاتب. وهو ما ينطبق على فكر هايدغر ودريدا ودولوز، مثلا، باعتبارهم مختلفين عن التقليد الفلسفي، عبر تاريخ الفلسفة برمّته. مثلما هم مختلفون عن بعضهم بعضا. بل إن نصوص الواحد منهم وأفكاره تختلف عن بعضها، وهذا هو منطق اشتغالها، إن صحّ أن أفكارهم تشتغل وفق منطق. بل إن عمل هؤلاء إنما يقوم على التقويض، أو ما يسميه بعضهم “تفكيكا” (دريدا)، أو “خروجا”، بينما تبقى كلمة التجاوز الأكثر استعمالا في هذا الصدد؛ تجاوز الميتافيزيقا، والمقصود بها عندهم تاريخ الكائن أو بنية الوجود. بل لنقل تجاوز الفلسفة نفسها، إلى درجة الإعلان عن موتها، لدى البعض.

درس الخطيبي

كيف تمكن قراءة كتاب من الصفحة الأخيرة؟ وحدها كتب عبدالسلام بنعبدالعالي تسمح لنا بذلك. فالفصل الأخير من الكتاب سرعان ما يصبح مقدمة لإعادة قراءته من جديد، ما دام الكتاب يتعدد بتعدد قراءاته أيضا. إنه كتاب كلما وصلنا إلى نهايته كلما استأنفنا قراءته من جديد.

فلنواصل القراءة إذن. وبعد قراءة المقال الأخير، لننتقل إلى المقال ما قبل الأخير من الكتاب. وقد خصصه المؤلف للمفكر المغربي عبدالكبير الخطيبي، صديق رولان بارت وجاك دريدا، هذا الأخير الذي يقول عن الخطيبي “مثل كثيرين، أعتبرُ عبدالكبير الخطيبي أحد أكبر كتّاب عصرنا وشعرائه ومفكّريه الناطقين باللغة الفرنسية، وآسف لأنه لم ينل الدراسة التي يستحقّها في البلدان الناطقة باللغة الإنجليزية. يهمني أن أشير إلى أن أعماله، المعترف بقيمتها بشكل واسع في العالمين العربي والفرنكفوني، هي ابتكار شعري هائل، وفي الوقت ذاته، تأمّل نظري متين يرتبط، من بين موضوعات كثيرة، بإشكالية ازدواجية اللغة وازدواجية الثقافة”. وهو الموضوع الذي سيتناوله بنعبدالعالي في مقال آخر من هذا الكتاب، سنصل إليه كلما انتقلنا من المقال الأخير إلى ما قبله.

يستحضر بنعبدالعالي المفكر الخطيبي بوصفه من أقطاب فكر الاختلاف، وقد انتصر لهذا الاختلاف في مقابل الهوية والتطابق، مثلما انتصر للتعدد بدل الوحدة، وللانقطاع والانفصال بدل الكلية والاتصال، وعموما، لنقل – مع بنعبدالعالي- إن الخطيبي انتصر لتفكيك المفهومات بدل بنائها… وبهذا، يكون صاحب “المغرب المتعدد” و”النقد المزدوج” قد دعا إلى فكر مغاير، “يصبح علامة على صيرورة في عالم يجب أن يتحوّل، وهي مهمة لا نهاية لها”. هو الخطيبي الذي يدعونا إلى النقد المزدوج، بما هو خلخلة وتقويض للهوية ومقاومة التطابق، بحثا عن هوية متعددة، باستمرار، أو لنقل إنها هوية لا تني تتعدد.

هذا التعدد لدى الخطيبي يلتمسه بنعبدالعالي في الفصل السابق، حين يتحدّث عن الكتابة والترجمة، وكيف كان الخطيبي مفكرا متعددا، على مستوى اللسان، حين كان يتكلم بلغة ويكتب بأخرى. وهي ازدواجية لغوية خلاقة، يقول الكاتب، وهو يشير هنا إلى ترجمة من نوع آخر لدى الخطيبي، تتم في الوقت الذي يمارس فيه فعل الكتابة، وهو ينتقل من اللغة الأم إلى لغة الكتابة. وهنا، لا تأتي الترجمة بعد فعل الكتابة، وعقب الانتهاء منها، بل هي ترجمة تتخلل الكتابة وتعيش مخاضها… إنها ترجمة في خضم الكتابة.

قبل ذلك كله، هنالك مقالة في هذا الكتاب حرّرها بنعبدالعالي في الذكرى العاشرة لرحيل الخطيبي (رحل المفكر المغربي يوم الـ16 من مارس 2009). والمقالة عبارة عن استعادة لشذرات الخطيبي حول الازدواجية اللغوية. باستثناء العنوان لم يتحدث بنعبدالعالي ولم يكتب أيّ سطر من هذا المقال، فقط ترجم الشذرات، ووضع كل واحدة بين مزدوجتين. لكن مجرد استحضارها وترتيبها هو فعل كتابة بمعنى ما، إلى جانب تصديرها بعبارة دريدا “إننا نكتب لا بلغتنا، ولا بلغة أجنبية”. أليست الترجمة كتابة، والاختيارات كتابة أيضا. من هذه الشذرات الخطيبية ما ورد في هذا الكتاب من أن “اللغة الأم تعمل عملها في اللغة الأجنبية، حيث تتم بين اللغتين عملية ترجمة دائمة، ويدور بينهما حوار خفي يتعذر كشفه وتبيانه”. ومن ذلك قوله، أي الخطيبي “عندما أكتب ، أقوم بذلك في لغة الآخر. هذه اللغة ليست ملكا لأحد”.

النص المتعدد

فكر عصيّ على التصنيف
فكر عصيّ على التصنيف

نصل في النهاية إلى الفصل الأول، أو المقال الأول، والذي يحمل عنوان هذا الكتاب “النص المتعدد”. ليس المقصود هنا الحديث عن تعدد التأويلات وتباين القراءات بصدد النص الواحد، بسبب اشتراك ألفاظه وتعدد دلالاته. أبعد من ذلك، يرى بنعبدالعالي، استنادا إلى تصور رولان بارت للموضوع، أن “تعدد النص يبدأ أولا وقبل كل شيء انطلاقا من قارئه، أو، على الأصح، من التعدد الذي يسكن قارئه”.

ذلك أن هذه “الأنا”، التي تسمّى قارئا، هي قبل ذلك “نسيج من النصوص والشفرات التي لا تعدّ ولا تحصى”. كل قارئ بهذا المعنى يقترب من النص وهو يحمل معه ذخيرة من النصوص، تحضر وتؤثّر آناء قراءة كل نص جديد. كل قارئ يحمل “خزانة نصوص” بعبارة بنعبدالعالي، والتي تذكرنا بمفهوم “الخزين” لدى أمبرتو إيكو. وعليه، فإن كل قراءة هي تاريخ من القراءات، ولذلك فهي متعددة قبل تعدد النص ذاته. والأمر نفسه بالنسبة إلى الكتابة، فما هي إلا إعادة لتاريخ من الكتابات، ولما لا يفتأ ينكتب. ليس يتوقف الأمر ههنا وحسب، بل إن القراءة هي دوما “إعادة قراءة” باصطلاح بارت دائما، وعملية إعادة القراءة هذه هي الوحيدة القادرة على إنقاذ النص من التكرار. وبهذا، تصبح كل قراءة بمثابة إعادة إنتاج للنص، أي كتابة ثانية، يقول بنعبدالعالي. وجب الانتباه هنا إلى المشترك الصوتي بين عبارتي “تعدّد” و”إعادة”، فالمتعدد يعيد نفسه في صيغ شتّى. بل إن النص “كلما كان متعددا تكون كتابته لاحقة لقراءته”، يضيف بنعبدالعالي.

هكذا، يصبح القارئ منتجا للنص، أو مساهما في إنتاجه، وليس “مجرّد مستهلك للنص”، حسب بارت  دائما. ما يكشف عن نقد متقدّم من صاحب “لذة النص” للعقلية الاستهلاكية، حتى على مستوى تداول الأدب، كما روّجت لذلك المؤسسة الأدبية. هذه المؤسسة التي كرّست مفهوم الكتاب المنغلق على ذاته، الكتاب المحصور بين دفتين، والذي يقرأ من البداية إلى النهاية، عبر تسلسل واتصال، وما النهاية إلا وهْمُ اكتمال، بينما يضع بنعبدالعالي بين أيدينا كتابا مفتوحا ونصا متعدّدا أمام قارئ متعدّد. ذلك هو النص الذي يكتبه مفكرو الاختلاف، من هايدغر إلى دريدا، ومن بارت إلى بلانشو، ومن الخطيبي إلى عبدالسلام بنعبدالعالي.

14