كيف نمنع تصفيح الخطاب الديني

الجمعة 2014/01/31

في كتابه “الإمام الشافعي وتأسيس الإيديولوجية الوسطية” يتساءل الدكتور نصر أبو زيد: “هل يمكن تجديد الفكر الديني بدون تناول “تراث هذا الفكر” تناولا تحليليا نقديا يتجاوز حدود التناول التقليدي ذي الطابع الاحتفالي”؟ ثم أليس “الأئمة الأربعة والخلفاء الأربعة وسواهم من الأئمة والخلفاء إلا بشر مارسوا حقهم في الاجتهاد والتفكير، وتركوا لنا تراثا يستحق منا أن نفكر فيه ونجتهد، كما فكروا هم واجتهدوا”؟ لا شك أن الباحث أبو زيد يرمي هنا إلى نقد الموقف التقليدي من النظر في التراث الإسلامي بصفة عامة، وفي أفكار الشافعي بصفة خاصة. والحال، فإن المشكلة الشائكة والمعقدة التي تواجه الفكر الإسلامي والتي يناقشها هنا الدكتور نصر أبو زيد تتمثل في الخلط الذي يقع فيه حراس الأصولية المتزمتة بين الوحي، وبين النصوص التفسيرية الثانوية التي أنتجها بشر من خلفاء وأئمة والنظر إليهما كشيء واحد وتطبيق معيار المقدس عليهما دون تمييز بينهما.

في هذا السياق يدعونا الدكتور نصر أبو زيد إلى القيام بسلسلة من عمليات الكشف عن “المستور في بنية الخطاب الديني”، والكشف أيضا عن كل من “يحتمي بالتراث ويحوّله إلى ساتر للدفاع" عن الأفكار التقليدية سواء كان دارسا أكاديميا محضا أو داعية دينية غير منزه عن الأغراض السياسية والأيديولوجية. يقترح الباحث أبو زيد علينا ضرورة التمييز بين القراءة التقليدية للمورث الديني وبين النقد العلمي له ويعني بذلك التسلح “بمنهج تحليل الخطاب” الذي يمثل في رأيه الخصم المباشر للخطاب الديني السلفوي المتحجر والدوغماطي. في هذا السياق ينتقد أبو زيد كل ما من شأنه أن يضفي “قداسة على الموضوع (خطاب الشافعي) تنأى به عن أن يكون موضوعا للدرس التحليلي النقدي”.

وبدون أدنى ريب فإن الباحث أبو زيد يطرح هنا قضية خطيرة جدا تحتل مركزا مهما في النقاش حول العلاقة بالتراث وتتمثل هذه القضية في تحويل الفكر الديني من طرف الاتجاهات والتيارات الأصولية المغلقة إلى سلطة لاغية لكل من يحاول أن يقوم بنقده لنزع هذه النزعة السلطوية عنه. إن مثل هذا الفكر الديني المتحجر يرفض أصحابه وحراسه ذكر الصراعات المذهبية بين المذاهب الإسلامية المعروفة التي تتعدّى نطاق الخلاف أو الاختلاف حول مدلولات النص الديني الأساسي، والثانوي على حدّ سواء، إلى مجال “الصراع على السلطة بمضمونها السياسي، والرمزي (الثقافي)، والمادي (الاستحواذ على الاقتصاد ووسائل الإنتاج)”، وهلمّ جرّا.

هنا نتساءل: ماذا ينبغي عمله كي نحول دون تحويل التراث بما في ذلك تراث الشافعي إلى قوة سالبة للوعي النقدي؟ ثم هل التراث هو كل ما هو مكتوب ومحفوظ في الأرشيف والمتاحف أم أن التراث هو وعي ولاوعي للإنسان أيضا؟ إذا كان التراث هو هكذا فإن المعركة النقدية ينبغي أن تبدأ في تطهير الإنسان نفسه من المخزون التراثي السلبي الذي يحركه ويتحكم فيه والذي يبني شخصيته القاعدية.

في الواقع فإنه ينبغي أن تؤسس الفاعلية النقدية للفكر العربي- الإسلامي المستنير قوة العقل الفاعل وأن تفرز وتوضح الأسباب التي “تجعل العربي يعجب بماضيه وأسلافه، وهو في أشدّ الغفلة عن حاضره ومستقبله” كما قال جمال الدين الأفغاني، وتفرض عليه العجز “عن الإفلات من قبضة الماضي ومن عبء تاريخه” كما يقول سلامة موسى. وهنا يستحسن أيضا التساؤل عن الدواعي التي تدفع بالمتمذهبين المنغلقين إلى النكوص إلى، والتماهي مع، جزء من التراث المتخلف والمعرقل للتقدم، وعلى نحو يجعل هذا التماهي وهذا النكوص يصبحان سياجا مغلقا يحول دون القبول حتى بالحوار الذي يفترض احترام علاقات التجاور مع وجهات النظر المتنوعة والمختلفة على الأقل ضمن فضاء ديمقراطي يقبل بحق الاختلاف.

كاتب وناقد من الجزائر

14