كيف ننظر نقديا إلى مجتمعات ننتمي إليها؟

المفكر المغربي عبدالله حمودي يدعو إلى إعادة صياغة الأنثروبولوجيا، كميدان معرفي يهتم بدراسة المنظومات السوسيوثقافية الإنسانية.
السبت 2019/04/13
نحو تأسيس علم اجتماع عربي

بعد كتبه المرجعية في حقل الأنثروبولوجيا، وفي مقدمتها كتاب “الشيخ والمريد” و”الرهان الثقافي” وكتاب “الضحية وأقنعتها”، و”رحلة حج” الذي قاده إلى القيام برحلة أنثروبولوجية، ثم كتاب “الحداثة والهوية”، ينتهي عبدالله حمودي إلى مشروع يحث فيه على ضرورة استنبات الأنثروبولوجيا في حقول الثقافة العربية، وهو ما لن يتحقق دون التأليف في هذا المجال باللغة العربية نفسها.

دعا المفكر والأنثروبولوجي المغربي عبدالله حمودي إلى صياغة أنثروبولوجيا عربية خاصة، وتوطين ميدان الأنثروبولوجيا المعرفي في عالمنا العربي. ويرى حمودي في كتابه الجديد “المسافة والتحليل.. في صياغة أنثروبولوجيا عربية” أن أنثروبولوجيا مكتوبة ومدونة باللغة العربية سوف تسمح لهذه اللغة بأن تنتج آليات ومفاهيم جديرة باستيعاب وتحليل المجتمعات العربية والتوقف عن مجرد اقتباس المقولات والمناهج من الغرب، لما في ذلك من تكريس للتبعية في الحياة وفي النظر إلى الحياة نفسها.

عكس إدوارد سعيد

يدعو حمودي علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا العرب إلى واجب الكتابة باللغة العربية، موازاة مع الكتابة بلغة أجنبية عالمية، وهي الإنكليزية في الفترة الراهنة.

هنا، يرى الأستاذ في جامعة برينستون الأميركية أن هذا المشروع من شأنه أن يكون لبنة وبداية لتجاوز العقبات التي تقف في طريق بناء علم اجتماع عربي، يتفادى الأوهام والشعارات التي حالت دون صوغ مناهج وبرامج قابلة للتطبيق.

ما سينتهي إليه إدوارد سعيد هو محاولة "ضرب الأنثروبولوجيا باستهداف أسسها"
ما سينتهي إليه إدوارد سعيد هو محاولة "ضرب الأنثروبولوجيا باستهداف أسسها"

في سياق البحث عن أنثروبولوجيا عربية، يقترح حمودي إعادة صياغة الأنثروبولوجيا، بما هي ميدان معرفي يهتم بدراسة المنظومات السوسيوثقافية الإنسانية ومقارنتها، قصد الاهتداء إلى النواميس التي تسيرها، والقواعد التي تحكم عملها بغاية فهم النظم الاجتماعية. وقد اعتمدت الأنثروبولوجيا في مناهجها معطيات ناتجة عن الرحلات والاستطلاعات والتاريخ والحفريات، وذاكرة الشعوب، قبل أن تعتمد على الدراسات الميدانية في لحظة معرفية ومنهجية لاحقة، بدأت مع مطلع الثلاثينات من القرن الماضي.

وعن الموقف العربي من الدرس الأنثروبولوجي، ونقد هذا المجال المعرفي عند العرب، يرى حمودي أن الأمر إنما يتعلق بحركتين نقديتين بصدد الأنثروبولوجيا، الأولى هي تلك التي نادت بنزع الطابع الاستعماري عن المعرفة في ميدان العلوم الإنسانية بصفة عامة، بينما قاربت الحركة الثانية مباحث الأنثروبولوجيا ضمن مفهوم ما بعد الكولونيالية، وارتباطا بالنقد الثقافي. ومن ذلك أطروحة إدوارد سعيد في مساءلة الدراسات الاستشراقية ونقد خطابها.

لكن ما سينتهي إليه إدوارد سعيد هو محاولة “ضرب الأنثروبولوجيا باستهداف أسسها”، ويعلل حمودي ذلك بقوله “إذ كان صاحب الاستشراق في طليعة المنادين بالتخلي عن الأنثروبولوجيا والإعراض عنها تماما”. في مقابل ذلك يرى الأنثروبولوجي المغربي أن سؤال الأنثروبولوجيا لا يزال مطروحا، وأن المطلوب هو إعادة صياغة الأنثروبولوجيا صوغا عربيا هذه المرة. أي “إعادة صياغة المعرفة الأنثروبولوجية بدلا من تهميشها وإقصائها”.

أنثروبولوجيا عربية

يعزو حمودي رفض المعرفة الأنثروبولجية إلى ارتباطها بالخلفية الاستعمارية، ليقترح هذا الأنثروبولوجي المغربي “موضعة” هذه المعرفة، في السياق العربي، من خلال مقولة “الانتماء”. فإذا كان الأنثروبولوجي الغربي قد نظر إلى المجتمعات العربية من موقع مفارق ومتعال، يرى فيه أن الغرب هو النموذج، والعالم العربي، و”العالم الثالث” كله، هو موضوع المقارنة والإسقاطات، فإن حمودي سيدعونا، هذه المرة، إلى إنتاج “معرفة أنثروبولوجية في أفق انتماءاتنا إلى المجتمعات التي كانت موضوع دراسة من قبل الأنثروبولوجيين الأجانب”.

لكن الأنثروبولوجي العربي وهو يدرس المجتمعات التي ينتمي إليها، ستكون نتائجه محفوفة بالمخاطر، لأنه “الخصم والحكم” معا. من هنا، يعتمد حمودي مفهوما آخر هو “المسافة” لتفادي هذا الالتباس وتلك المفارقة. أي أن يبني الأنثروبولوجي العربي مسافة بينه وبين موضوعه، وإن كان هذا الموضوع هو المجتمع نفسه والمجال المدروس الذي ينتمي إليه.

كتاب يناقض إدوارد سعيد
كتاب يناقض إدوارد سعيد

غير أن هذه المسافة ستظل مضطربة في نظر صاحب هذا الكتاب. لأن الأنثروبولوجي العربي يمتلك علاقة حميمية بموضوعه، الذي هو العالم العربي أيضا. وإذا كان الباحث الغربي قد قال أيضا بضرورة وضع مسافة ما مع موضوع البحث، إلا أن أهمية الأنثروبولوجيا العربية التي يقترحها مؤلف الكتاب تتمثل في ترددها بين الذاتي والموضوعي، وحرص الباحث على التجرد من الذاتية، دون أن يكون مفتقدا لهذه الذاتية، ولهذا الإحساس بالانتماء إلى مجتمعه الذي هو موضوع بحثه في الآن نفسه.

من هنا، يصف الأنثروبولوجي المغربي هذه المسافة التي يتحدث عنها بالمسافة الملائمة، تلك التي “تحمل في طياتها أقوى حميمية ممكنة، وتعتمد في الآن نفسه على الاقتلاع الموجع من تلك الحميمية”. بخلاف الأنثروبولوجي الغربي، في المرحلة الاستعمارية، وما بعدها، والذي كان يفتقد إلى ذلك النوع من الانتماء إلى موضوعه.

والخلاصة هي أن الأنثروبولجيا العربية من شأنها أن تبني معرفتها على الذاتي والموضوعي معا، وعلى بناء مسافة بينهما، بدل الأنثروبولوجيا المبنية على وهم الموضوعية المفرطة.

 في الفصل الثالث من هذا الكتاب، ينطلق حمودي من الرهان المعرفي لثلاثة مفكرين مغاربة، وهم عبدالكبير الخطيبي، القادم من حقل السوسيولوجيا، والعروي، القادم من التاريخ وفلسفته، والجابري، من حقل الفلسفة، حيث راهن ثلاثتهم على نزع الاستعمار عن المعرفة الاجتماعية، أي “ممارسة العلوم الاجتماعية الغربية في بيئتنا، شريطة نزع الاستعمار عن مفاهيمنا ومناهجها”.

أما حمودي، فيترجم هذه الرؤية بعملية الانتقال من مستوى “الاقتباس”، أي اقتباس العلوم الاجتماعية من الغرب، إلى مستوى “التوطين”، أي عملية “زرع بذور معرفة لتنميتها في لغة ليست هي اللغة التي اخترعت في حضنها”.

14