كيف نواجه تحدّيات حياتنا الافتراضية المقبلة؟

المزيد من الرفاه أم المزيد من الطغيان في عصر المجسدات الافتراضية.
الجمعة 2021/11/26
كل هذا يبدو جميلا يفوق التصور.. ولكن من المستفيد؟

من الوهم الاعتقاد أن المزيد من انتشار وسائل التواصل سيؤدي أوتوماتيكيا إلى سيادة قيم العدالة والمساواة، كما يقول الباحث سمير التقي الذي يؤكد أن مالكي أدوات الثقافة سيلعبون دورا حاسما في تعميم عولمة المعرفة وتحديد مسارها بعد الصدمة الأولى.

لم يعد يهمنا أن نعرف أين جرى، ولا من حضره فيزيائيا، لكني أنقل لكم في ما يلي خبرتي وانطباعاتي عن لقاء مصغر على مستوى عال حضرته على مدى يومين برعاية البعض من أهم الشركات العملاقة في مجال الذكاء الاصطناعي.

أستطيع القول بعد يومين من العمل الكثيف بينهم إن القوى المسيطرة على فضاء الاتصالات والذكاء الاصطناعي والبرمجة وعتاد تقنيات المعلومات تستعد لإدخال المجتمعات البشرية في حقبة جديدة من المعايشة الإنسانية.

ويمكن اعتبار أن هذا التحول سيعيد صياغة العلاقات بين البشر وداخل المجتمعات وبنية القيم والأولويات الاقتصادية والسياسية؛ ذلك أن الأدوات الجديدة لفضاء المعلوماتية ستتيح بل ستستتبع إعادة صياغة علاقات الإنتاج والاقتصاد والبنى المجتمعية والرأي العام والتواصل والحياة الإنسانية بشكل عام. ويصعب علينا تصور كيف يمكن لأي مجتمع أن يتفادى الانخراط فيها. ولكن كيف؟

ليس ما قدم في هذا اللقاء مجرد شطح من الخيال العلمي، بل هو عملية يجري التحضير لها بكثافة وباتساع منقطع النظير يشمل مئات الآلاف من الباحثين والمطورين ورجال الأعمال ليتمّ إطلاق بواكيرها خلال أقل من سنتين ولتستكمل اتساعها تدريجيا على مدى عقد ونصف العقد. ولكنها ستكتسي أهمية قصوى بمجرد إطلاقها.

لا يتعلق هذا التحول بتحول فيسبوك إلى الـ”ميتافيرس”، فما تحدث عنه زوكربيرغ لا يعدو أن يكون قمة جبل الجليد لما يجري التحضير له خلال بضع سنوات لا أكثر. ويتزاحم للانخراط فيه البعض من أقوى عمالقة الذكاء الاصطناعي والاتصالات والبرمجة، لتشكيل نقلة نوعية بإدماج سلسلة من العوالم الافتراضية المترابطة ضمن منصات متكاملة.

قد يبدو لنا بعضها منذ الآن على شكل ما يمكن تشبيهه بلعبة الفيديو، لكنها ستستولي بسرعة على بيئات التجارة والتداول والنقد والمعلومات لتقيم علاقات وظيفية عميقة بين مختلف هذه المكونات. سيكون لهذا الدمج عميق الأثر في كيفية عمل المجتمعات وكيفية عمل اقتصادات العالم وأنظمته السياسية ومساعدة الحكومات والشركات على التخطيط وتدريب الموظفين ومحاكاة العالم الحقيقي.

ما تحدث عنه زوكربيرغ لا يعدو أن يكون قمة جبل الجليد
ما تحدث عنه زوكربيرغ لا يعدو أن يكون قمة جبل الجليد

يعمل الأنثروبولوجيون المختصون في تطور المجتمعات الحديثة على تحليل الدور الذي ستلعبه هذه التقنيات في تغيير طبيعة البشر، وفي هذا السياق يعتبرون أن الناس لديهم ثلاثة دوافع جوهرية في الأساس: الكفاءة (الرغبة في اكتساب المهارات وحل المشاكل)، الاستقلالية (الرغبة في التعبير عن الهوية وإجراء خيارات ذات مغزى)، التواصل (الحاجة الماسة إلى التواصل من خلال العلاقات الاجتماعية والانتماء المجتمعي).

هذه التقنيات سوف تعزز عبر المجسدات الشخصية (Avatar) بشكل منقطع النظير موقع اللعب والثقافة والفن لتدمجها في نمط جديد من الحياة. فلقد أثبتت الأبحاث بشكل حاسم أن التجارب الافتراضية ليست افتراضية فحسب وهي لا تبقى افتراضية في عقولنا بل تتحول إلى ثقافة ونمط تفكير وسلوك. لقد قال جون رولز، الفيلسوف السياسي الأميركي، إن المجتمع العادل يوفر للناس شعورا بالهدف، وليس مجرد البقاء على قيد الحياة. إذ لا يوجد شيء “افتراضي” محض، بل يتحول العالم الافتراضي إلى مصادر للثروة والانتماء وتداول السلع المادية والافتراضية، حيث يتشارك البشر البراعة والتركيز والمنافسة على الثروة. ستصبح المعلومات الافتراضية التي يتم تقديمها في شكل صور وكلمات مسموعة أو مقروءة أوتوماتيكيا جزءًا من ثقافة الناس ونمط تفكيرهم وانتمائهم وعالمهم الذي يتفاعلون معه.

مهلا! كل هذا يبدو جميلا يفوق التصور! ولكن لنتوقف عن الاندفاع وراء لذة الجديد، ليصبح السؤال الرئيسي: من المستفيد؟

الأدوات الجديدة لفضاء المعلوماتية ستستتبع إعادة صياغة علاقات الإنتاج والبنى المجتمعية والحياة الإنسانية

في تسعينات القرن الماضي كتب كاتب الخيال العلمي نيل ستيفنسون رواية رائعة تسمى “تحطم الثلج”، وهي تتصور شخصا في كاليفورنيا يجابه تداعي العالم من حوله ليهرب من الحالة المروعة لحياته اليومية عبر قضاء نصف حياته في البيئات الافتراضية حيث الصور الرمزية وحيث يقضي مجسده الافتراضي (AVATAR) وقتا طيبا بغض النظر عن أنه هو بالذات جائع مشرد وبائس.

في الديمقراطيات المتقدمة يدخلنا هؤلاء العمالقة لنصبح جميعا جزءا من لعبة “تحطم الثلج”.

فهل يفترض بصاحب المجسد الافتراضي مثلا أن يكون سعيدا لأن “مجسده الافتراضي” سعيدٌ بالرغم من كونه سوريا جائعا مشردا وبائسا وبلا وطن؟

هذا التطور العاصف لقوى التكنولوجيا في التعاطي مع الوعي الجمعي البشري لا يمكن أن يترك لحفنة من الأثرياء العمالقة، ولا لحفنة من السياسيين أو الأمنيين، ولا حتى لمجرد نموه العشوائي.

من الوهم الاعتقاد أن المزيد من انتشار وسائل التواصل والاندماج الكوني سيؤدي أوتوماتيكيا إلى سيادة قيم العدالة والتشاركية والمساواة؛ فبعد الصدمة الأولى لكل حلقة من حلقات تعميم وعولمة المعرفة والثقافة البشرية يلعب مالكو أدوات الثقافة الدور الحاسم في تحديد مسارها.

من سينتصر في هذا الصراع، عمالقة المجسدات الافتراضية أم إنسانية البشر؟
من سينتصر في هذا الصراع، عمالقة المجسدات الافتراضية أم إنسانية البشر؟

في القرن السادس عشر حدد مالكو المطابع والكنائس المحلية مسارات وطبيعة الكتب التي تنشر. لم تكن أكثر الكتب انتشارا إنجيل “مارتن لوثر” بل كانت كتب السحر وكتب اكتشاف الساحرات والجنيات. لقد كانت هذه الكتب المليئة بالضغائن والتحريض الشيطاني الوسيلة الرئيسية لتصفية الحسابات السياسية في ذلك الحين؛ إذ تم بفضلها، وعلى طول أوروبا وعرضها، إحراق عشرات الألوف من “الساحرات” و”الجنيات” وهن أحياء في حملات كانت الوقود الرئيسي للتحضير للحروب الأهلية الأوروبية، في حين تشير شهادات العديد من “نساء داعش” إلى أن هذه التقنيات “الحديثة” كانت ملاذهن من خلف البرقع ليس فقط لنشر أفكارهن بل لتعميق عزلتهن في قوقعة التطرف والإرهاب بعيدا عن العالم الحقيقي.

نعم، وفي ظل تعاظم العصبيات والتطرف المتمحور حول الهويات الطائفية والاثنية، تصبح التقنيات الحديثة أداة لتعميق الاغتراب والعزلة بدلا من أن تكون جسرا نحو التواصل.

من جهة تُمسك الأنظمة الشمولية عبر مئات الملايين من الكاميرات وبطاقات الائتمان بتلابيب كل تحرك تفصيلي يومي لمواطنيها. ومن جهة أخرى، وعلى عكس ما يجري الحديث عنه من أن الشركات الكبرى لا تخطط إلا على المدى القصير، يقول واقع الحال إنه يتم التخطيط لاستثمار تريليونات الدولارات لعقود مقبلة في هذا التحول.

هؤلاء العمالقة ليسوا ملائكة ولا شياطين، بل بشر. إلا أن المعلومات الأخيرة تؤكد أنهم، وحتى قبل وباء كوفيد – 19، كانوا على علم بالحملات التضليلية ضد التلقيح الطبي وتركوها تمتطي منصاتهم، في حين أن هذه الحفنة بالذات لم تتوانَ قط عن إسكات رئيس الولايات المتحدة عندما رغبت في ذلك. فهل من عبرة نستقيها من خلال ذلك؟

وبغض النظر عن الموقف السياسي الراهن لا بد أن نستخلص الدروس العميقة من هذين المثالين. في ظل هذا المنعطف الخطير الواعد ستمعن هذه المنصات في تشكيل المزاج الشخصي للأفراد والمزاج العام للمجتمعات. فكيف لمجتمعاتنا ألّا تكون مجرد مجسدات افتراضية؟ ومن سينتصر في هذا الصراع، عمالقة المجسدات الافتراضية أم إنسانية البشر؟ هذا ليس افتراضا، بل هو مستقبل يقرع الباب.

12