كيف وأخواتها

كيف سيتجاوز العالم ما صنعه بيديه؟ وكيف سيخرج من أزمة كورونا؟ وكيف سيكون شكله بعد خروجه؟
الجمعة 2020/03/27
كيف سيكون الخلاص

لا يطل علينا مسؤول عالمي اليوم إلا ويحمل معه سلة من النصائح والتوصيات والتحذيرات ذات الألوان البرتقالية والحمراء. أصبحت لغة الإنذار هي السائدة بين البشر، بحيث لم يعد الأمر مجرّد ”نصائح“ كما يقولون، بل هي ”قوانين“. ليعمّ قانون الخوف الكوكب في جهاته الأربع. دون أن يقول لنا أي من هؤلاء ”كيف“ سيكون الخلاص؟

صعدت الشعبوية في السنين الماضية سريعًا، عززت هذا الصعودَ العولمةُ ووسائل التواصل الاجتماعي وثورة الاتصالات. لكن لحظة خاطفة لم يحسب لها أحدٌ حسابًا، غيّرت كل شيء. ومن كان يبيع الناس الوعود بأنهار العسل والخمر، بات يلوذ ببيته أو يرتدي كمامة أو بزة واقية كما لو كنا في الفضاء.

بجرة قلم ألغى الرئيس الأميركي دونالد ترامب التزام بلاده باتفاقية المناخ، وانسحب منها، وبجرة قلم شبيهة أغلق مؤسسة بحثية لمكافحة الأوبئة كان قد افتتحها سلفه باراك أوباما. ولم يصغ أقطاب القوة في العالم إلى صوت العقل ونداءات ملايين البشر بأن السياسة ليست هي الاقتصاد وحسب، بل متطلبات الحياة؛ بما فيها الغذاء والصحة والنظافة والخدمات والتنمية والعلوم. حتى جاءتهم الساعة. فباتوا يوزعون على الناس وعودًا جديدة غير مضمونة النتائج.

والآن نحن أمام السؤال المختصر المفيد ”كيف“؟

كيف سيتجاوز العالم ما صنعه بيديه؟ وكيف سيخرج من أزمة كورونا؟ وكيف سيكون شكله بعد خروجه؟ كيف سيكون شكل البطل القادم في أذهان الناس؟ هل هو من سيتاجر بالشعارات الدينية والقومية والعصبوية أم هو من سيقول كلامًا سديدًا واضحًا يضمن للناس سلامتهم من الفناء؟

كيف سنعيد ترتيب حياتنا في البيوت والعمل والعلاقات الاجتماعية؟ كيف ستكون برامج السياحة الجديدة؟ كيف سيكون نظام التعليم والبيئة المدرسية والجامعية القادمة؟ كيف سيكون الطعام والحب والحرب؟ كيف سيكون نمط التسوّق؟ حتى أنك يمكن أن تسأل أسئلة تخدش حياء وحساسية البعض؛ من نوع كيف ستكون سوق الدعارة والفساد غدًا؟ كيف سينظّم رجال الدين الطقوس بعد انهيارها وهل سنعود ونرى الزحف والتبرك والتقبيل لأحجار ورموز لا تضر ولا تنفع؟ وكيف سيستمر العمل بنسق العبودية القهرية والطوعية المتّبع في العالم حتى ما قبل أسابيع قليلة خلت؟

ولا أجمل، في هذه اللحظة، من تلك الـ”كيف“ التي استعملها المتنبي في سؤاله ذات يوم عن تلك العزائم في النفوس والتي بوسعها وحدها أن تغيّر العالم ”وكيفَ تُرَجّي الرّومُ والرّوسُ هَدمَها، وَذا الطّعْنُ آساسٌ لهَا وَدَعائِمُ؟ وَقَد حاكَمُوها وَالمَنَايا حَوَاكِمٌ، فَما ماتَ مَظلُومٌ ولا عاشَ ظالمُ“.

24