كيف يتخلص العبادي من الإرث الثقيل للمالكي

الثلاثاء 2014/09/02

تفاءلت شريحة واسعة من العراقيين حينما رأت الابتسامة المتواصلة مرسومة على ملامح وجه الدكتور حيدر العبادي، المكلّف بتشكيل الحكومة الجديدة في مؤتمره الصحفي الأول، لأنهم سئموا القسمات الصارمة لنوري المالكي، ووجهه المتجهِّم العبوس الذي يقطر حقدا وتخلّفا وطائفية. كما ملّوا تصريحاته التي تحضّ على زرع الشِقاق بين مكونات الشعب العراقي وأطيافه الكريمة.

لقد نجح المالكي خلال دورتيه المشؤومتين في إعادة قسم كبير من المكوِّن الشيعي الكريم إلى العيش في الماضي البعيد، حيث أرجعهم أربعة عشر قرنا إلى الوراء مُكرِّسا الشعائر الدينية التي لا تتلاءم مع روح العصر. كما نجح في مخاطبة غرائزهم المذهبية، وفشل فشلا ذريعا في مخاطبة عقولهم وأذهانهم ومشاعرهم الإنسانية الحقيقية التي تميّزنا كبشر عن باقي الكائنات الحية التي تشاركنا نعمة الحياة على وجه البسيطة. ورغم وجود هذه الشعائر الدينية منذ سنوات طويلة إلاّ أنها لم تُكرس بهذه الطريقة الجماهيرية التي يصل فيها عدد الزائرين إلى «العتبات المقدسة» إلى خمسة عشر مليون زائر عراقي أو يزيد، إضافة إلى الزوار الأجانب القادمين من إيران ولبنان والبحرين وغيرها من الدول ذات الغالبية الشيعية.

إن أولى التحديات التي سوف تواجهها حكومة العبادي هي استثمار الزمن على أكمل وجه، وعدم تبديده بالعطل الرسمية التي لا يقرّها أي دستور في العالم بحجة المناسبات الدينية، وقد تصل إلى ربع أيام السنة الواحدة بسبب موت الأئمة والرجال الصالحين الذين يحثُّوننا على العمل عشرات المرات في اليوم الواحد، لا أن ننتحب ونلطم على مدى أربعين يوما لأن بعضا من آل بين رسول الله (ص) قد واجهوا مصائرهم المحتومة التي يواجهها الجميع، الأخيار منهم والأشرار، على حدٍ سواء. فـ{كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» كما تقول الآية الكريمة من سورة {آل عمران}.

إن ما ينص عليه الدستور الذي خرقه المالكي مئات المرات، هو تكريس الدولة المدنية التي تتناغم مع التطورات العلمية والتكنولوجية الحديثة وتكون جزءا فاعلا فيها، وليست جزءا منعزلا ونائيا عن أي شكل من أشكال الحياة المدنية المعاصرة التي نراها في لندن وباريس ونيويورك وسواها من الحواضر العالمية المتألقة التي تنبض بحب الحياة، بعيداً عن الخرافات والأساطير والنزعات الغيبية التي عفا عليها الزمن.

وانطلاقا من اشتراطات الدولة المدنية التي يجب أن تحتكم إلى قانون الدولة ذاتها، لا إلى قوانين المليشيات والعصابات الخارجة على القانون، يتوجب على حكومة العبادي أن تستأصل هذه المليشيات برمتها لأنها شراذم من القتلة واللصوص وقطّاع الطرق الذين ترتقي جرائمهم إلى مستوى الحركات والمنظمات الإرهابية للقاعدة أو ما يسمّى بالدولة الإسلامية أو أي منظمة وحشية لا تجد ضيرا في إزهاق النفس البشرية لأسباب طائفية أو عرقية وما إلى ذلك.

لابد لحكومة العبادي أن تضع حدا للفساد الإداري والمالي الذي بلغ ذروته في عهد المالكي، حيث بدّد هذا الأخير مئات المليارات من أموال العراقيين، حيث تقاسموا الكعكة في ما بينهم متصورين أنهم سوف ينجون من غضب العراقيين وحسابهم العسير لكل سارق نهب من المال العام، ولكل مجرم تلطخت يداه بدماء العراقيين الأبرياء، آخذين بالاعتبار أن بعض المختصين العراقيين من رجال القانون قد أخذوا على عاتقهم مهمة محاكمة المالكي وثلة كبيرة من اللصوص والقتلة الذين أوغلوا بدماء العراقيين في رابعة النهار.

لم يُحرِّك المالكي خلال سنواته الثماني العجاف ملف المياه مع الدول الثلاث المتشاطئة مع العراق، حيث حولت إيران كل أنهارها ومنابعها التي تصب في العراق إلى داخل حدودها، كما لزم الصمت على الحكومة التركية المُنتهِكة للقوانين الدولية المتعلقة بالمياه، وهي تكمل بناء سدها العملاق {أليسو} الذي سوف يحوِّل العراق إلى أرض بلقع جرداء، كما ترك للحكومة السورية أن تتلاعب بحصتنا المائية من نهر الفرات وتقليلها إلى درجة مروِّعة تنذر بكارثة إنسانية وبيئية وخيمة.

يشكِّل الجيش الطائفي الذي أنشأه المالكي معضلة كبيرة لحكومة العبادي، ففي الوقت الذي أهدرت فيه الحكومة العراقية قرابة خمسين مليار دولار لم يصمد هذا الجيش ساعة واحدة أمام هجمة إرهابية لم يجتز فيها عدد المهاجمين ألف إرهابي في أبعد تقدير، تمكنوا خلال بضعة أيام من الوصول إلى مشارف بغداد. تُرى، هل سيتمكن العبادي من بناء جيش وطني متوازن يضم كل أطياف الشعب العراقي دون التحيّز لفئة محددة على حساب الفئات الأخرى؟

لم يفوّت المالكي فرصة ليتشدق بقيم الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية التي أغدقتها عليه القوات الأميركية المحتلة، لكنه لم يحتمل النقد والتعرية وكشف الحقائق المروِّعة، فلا غرابة في أن يلتجأ إلى سياسة تكميم الأفواه، وغلق العديد من القنوات الفضائية التي كانت تسلط الأضواء على الطائفيين والفاشلين والفاسدين من أفراد عائلته، وبطانته الحزبية أو أركان حكمه الذي وضع العراق في مقدمة الدول الأكثر فسادا في العالم.

إنَ المعضلة الأكثر خطورة التي ستواجهها حكومة العبادي هي إنصاف الآلاف من السجناء العراقيين الذين زجّ بهم المالكي في السجون السرية والعلنية، وغالبيتهم العظمى من المكون السني مع شريحة لا يُستهان بها من مناوئيه الشيعة، وتحديدا من التيار الصدري، الذي هاجمه في ما يسمى بـ{صولة الفرسان» ليس بهدف القضاء على المليشيات، وإنما بسبب خطورة هذا التيار الذي كان يقاوم المحتل ويقاتله أمام أنظار العالم.

لا شك في أن التحديات التي تواجه حكومة العبادي كثيرة وربما تضعه في دائرة اليأس، لكن الإصلاح الحقيقي للبلد يجب أن يبدأ بخطوات جدية سريعة، أولها بناء جيش وطني متوازن يدافع عن حياض الوطن، وإنصاف السجناء والمظلومين الذين انتهكت حرياتهم وكراماتهم الشخصية والأسرية، ومحاسبة المقصرين وسرّاق المال العام والمفسدين وما أكثرهم في حكومة المالكي الذي يجب أن يمثل قبل غيره أمام العدالة لكي نطهِّر أرض العراق من الطائفية المقيتة التي أصاب بها شريحة واسعة من أبناء شعبنا العزيز في بلاد ما بين النهرين.


كاتب عراقي

8