كيف يتعامل الأولياء مع نوبات المراهقين العاطفية

مرحلة المراهقة من أصعب مراحل النمو التي يواجهها الطفل وكذلك أسرته، وهي مرحلة مربكة، حيث يحاول المراهق فيها الموازنة بين مشاعره ووعيه الذاتي.
السبت 2019/07/06
التواصل مع بعضهم أسهل

يحتار الأولياء في كيفية التعامل مع مشاعر وسلوكيات أبنائهم المراهقين لوعيهم بصعوبة المرحلة التي يمرون بها من جهة ولأن مشاعر المراهق تكون أكثر تعقيدا وهو أكثر حساسية من غيره. وأحيانا لا يصعب على الوالدين التعامل مع ابنهما المراهق بل يصعب عليهما أيضا فهم مشاعره وتعبيراته عنها، ولكن مختصين يؤكدون أن المراهق ذاته لا يفهم أحيانا التغييرات الطارئة عليه بعد خروجه من مرحلة الطفولة ولا يتحكم في مشاعره لأنه بدوره يحاول فهمها.

واشنطن- يؤكد الخبراء أن المراهقة كمرحلة انتقالية من الطفولة إلى الشباب تعد من الفترات الأكثر صعوبة ليس فقط على المعني بالأمر بل أيضا على أفراد أسرته وخصوصا الأبوين حيث يواجهان شخصية مندفعة ومضطربة وغامضة في آن واحد، ويعجزان في بعض الأحيان عن إيجاد طرق التعامل المثلى معها ومساعدتها في حل مشكلاتها وتجاوز الاضطرابات النفسية والسلوكية التي طرأت عليها.

فعندما يسقط طفل صغير، ينظر إلى المكان الذي سقط عليه، ثم يلتفت إلى أمه وأبيه، تقول مديرة مركز مدرسة لوريل للأبحاث والطبيبة النفسية الأميركية، ليزا دامور، “إن ردة فعل الوالدين تحدد ما يحدث بعد ذلك، فإذا كانت نظرتهما تشير إلى أن كل شيء على ما يرام، فسيشعر الطفل بأن ذلك صحيح، أما إذا كان أحدهما يبدو خائفا فغالبا ما يشرع الصغير في البكاء”.

وعندما يكون الأبناء في فترات من الغضب والإحباط والألم بعد الطفولة، قد ينسى الآباء هذه الديناميكية. لكن، يمكن أن يستفيد المراهقون من هذا النوع من الطمأنة أيضا. أوضحت دامور “عندما يكون أبناؤنا في مواجهة تجربة قوية وكبيرة، يجب أن نشعرهم بأن كل شيء على ما يرام دون أن نقلل من قيمة ما يمرون به. ويمكن أن تساعدهم الطريقة التي ننظر إليهم بها”.

وشاركت الأستاذة الخبيرة في تطوّر الدماغ وعلم النفس في جامعة هارفارد، ليا سومرفيل، في حدث استضافه معهد أسبن للعلوم الإنسانية، وتطرقت إلى موضوع مشاعر المراهقين والتعامل معها. وأكدت أن المراهقين يتأقلمون مع مشاعر جديدة وأكثر تعقيدا مقارنة بما عهدوه في طفولتهم.

وأوضحت سومرفيل أن الكبار يواجهون هذه المشاعر أيضا، إلا أن المراهقين يكافحون لفهم هذا التعقيد الجديد، وقالت إن هذا يمكن أن يخلق سوء فهم أو نظرة ناقصة لما يشعر به المراهق.

وتوصف المراهقة بفترة الخروج من الطفولة والانتقال إلى سن الرشد. وأردفت دامور أن المراهقين هم شبان يتذكرون عدم الشعور بهذه الحيرة. وتابعت موضحة “لم يعتادوا هذه النوبات على أرضية المطبخ لعجزهم عن العثور على الجينز الذي كانوا يبحثون عنه”.

جنس المراهق يمكن أن يلعب دورا في كيفية استجابة عائلته لمشاعره
جنس المراهق يمكن أن يلعب دورا في كيفية استجابة عائلته لمشاعره

وتؤكد الدراسات أن مرحلة المراهقة من أصعب مراحل النمو التي يواجهها الطفل وكذلك أسرته، وقالت دامور “إن هذه المرحلة مربكة، حيث يحاول المراهق فيها الموازنة بين مشاعره ووعيه الذاتي”. ويمكن أن تحدث استجابة أحد الوالدين -التي تشير إلى أن هذا أمر طبيعي وأن كل شيء على ما يرام- فرقا شاسعا تماما كما يحدث مع طفل صغير سقط على ركبته.

ووصلت معدلات التوتر لدى المراهقين والاكتئاب والتفكير في الانتحار إلى مستويات خطيرة في السنوات الأخيرة، في غالبية المجتمعات، لكن دامور تعتبر أن الرغبة في الانتحار لا تنطبق على أي مراهق قد يدعي ذلك، إذ يمكن أن يكون إعلانهم عن عدم رغبتهم في مواصلة العيش ردة فعل على يوم سيء.

وأضافت “في بعض الأحيان، يشعر المراهق بآلام حقيقية (…)، لكن ليست له نية الانتحار. وإذا أرسلته عائلته إلى العلاج دون معرفة مصدر حزنه فقد يشعر بأنه مريض حقا”. وتقترح دامور على كل أب أن يسأل ابنه كلما عبر عن رغبته في الانتحار “هل تفكر حقا في إيذاء نفسك؟”.

وفي حالات كثيرة، يكون الرد بالنفي. لكن هذا لا يعني أنهم عدلوا عن جميع النوايا الانتحارية في بقية حياتهم. ويمكن أن يلعب جنس المراهق دورا في كيفية استجابة عائلته لمشاعره، وقال مؤلف كتاب “كيف تربي ولدا”، مايكل ريشيرت، “نعرض على أطفالنا ما نعتقد أنه يناسب جنسهم منذ اللحظة التي نعرفه فيها.

وبالنسبة للأولاد، يعني ذلك أننا سنتواصل معهم بطرق تشعرهم بعدم ارتياحنا إذا أظهروا خوفا أو خجلا أو حزنا”. يمكن أن تترك هذه التصرفات الأولاد غير مهيئين ليعبروا عن مشاعرهم.

وفي الوقت نفسه، تلاحظ دامور أن الفتيات اجتماعيات ولا يخجلن من الحديث عن شعورهن. ويرى ريشيرت أننا نحتاج إلى إدراك “كيف نحمل في قلوبنا أفكارا تحدد ما ينبغي أن يكون عليه أبناؤنا” إذا أردنا أن نتعامل مع نوباتهم دون الإضرار بهم.

عندما يكون أبناؤنا في مواجهة تجربة قوية وكبيرة، يجب أن نشعرهم بأن كل شيء على ما يرام دون أن نقلل من قيمة ما يمرون به

وتجهل عدة أسر في المجتمعات العربية عمق التحولات والتغييرات التي يعيشها المراهق ولا تدرك أنه في غالبية الحالات والمواقف لا يدرك حقيقة ما يحصل له ولا يتوصل إلى فهم نفسيته وسلوكياته التي تظل غامضة في وعيه لفترة طويلة، بحسب ما تؤكده العديد من البحوث العلمية، وينعكس هذا الجهل على تعامل الأسرة مع ابنها المراهق حيث يوصلها عدم فهمها وتفهمها لمشاعره ولسلوكياته إلى إساءة معاملته والعجز عن الوصول إلى سبل التفاهم معه.

وتتفق عدة دراسات اهتمت بقضايا المراهقين في المجتمعات العربية على أن مشكلات التواصل والتفهم تطغى على علاقات المراهقين بأسرهم وأن أبرز أسباب الدخول في خلافات عائلية بين المراهق ووالديه عدم تفهمهما لما يمر به ولعجز أغلبهم عن فهم مشاعر المراهق وعدم قدرتهم على إيجاد أسلوب تعامل سلس يساعد المراهق على تجاوز حالات الاضطراب الشديدة التي يعيشها ونوبات الغضب التي تتملكه ونزوعه نحو العنف أو التهور في تصرفاته وغيرها.

وتركز عدة أسر على تصويب سلوكيات المراهق المزعجة -في تقديرها- أكثر من تركيزها على فهم ما يدور داخله فتحاول السيطرة عليه وإجباره على الطاعة وتنفيذ الأوامر، ما يقحمها في موجة من الصراع والخلافات والمشاحنات معه والتي قد تؤول به إلى المزيد من التمرد أو إلى العزلة وأحيانا إلى ترك البيت أو إلى محاولة فرض رغباته وتعبيراته في أماكن أخرى غير بيت الأسرة وبأساليب ملتوية قد توقعه في مشكلات الانحراف، وتغفل هذه الأسر عن معطى أن المراهق بدوره يكافح لفهم العواطف المعقدة التي باتت تسيطر عليه.

21