كيف يتم تفخيخ المستقبل بالأحقاد

نحن نحيا في عالم مضطرب يكون صوت الشعبويين فيه أعلى وأكثر تأثيرا.
الأحد 2020/01/19
كيف يمكن مواجهة أقنعة الشعبوية (لوحة للفنان ياسر صافي)

نصادف أحيانا في حياتنا اليومية حالات يبالغ فيها بعضهم بالحديث عن أفكار يتطرّف بالدفاع عنها، يقوم بتضخيمها، أو مفاهيم يستعرضها وكأنّها لا يتخلّل إليها الشكّ بأيّ شكل من الأشكال، يتمّ استعراضها بثقة مبالغة تقترب من السذاجة، ليتمّ فرضها وتقبّلها وكأنّها حقائق ثابتة لا مجال لدحضها.

بالحديث عن حالات واقعية، تمكن الإشارة إلى أفكار من قبيل التعايش المأمول، الواجب، بين أطراف متناحرة، يربط بينها تاريخ دمويّ، يلهج بعض المنتمين إليها بأنّ من الواجب التعايش مع واقعهم الذي يفرض عليهم الانتقام الدمويّ بدوره، ليكون الحاضر عبارة عن دورة من الماضي، وحلقة في سلسلة مكرّرة مستعادة ماضية إلى المستقبل بالوتيرة نفسها، من دون أيّ تجرّؤ على المواجهة والمناقشة والمساءلة والتفنيد.

كيف يتعايش بعض الداعين إلى أفكار انتقامية مع ذواتهم؟ كيف تجدهم متصالحين مع أنفسهم؟ من أين لهم تلك الراحة المأمولة وهم يعلمون بأنّهم يؤجّجون نيران الأحقاد ويحرّضون على إراقة مزيد من الدماء؟

في واقع الحروب، وما يليها من محطّات توجب التدبّر والتعقّل والمكاشفة، يظهر مَن يحتاج إلى تغذية الأحقاد ليضمن وجودا له في ساحة الاحتراب، سواء كداعية للقتل أو محرض عليه، مع تقنيع دعواته بأفكار عائمة عن الوفاء للغائبين، والإخلاص للراحلين، وبمفاهيم مائعة تستمدّ معناها من النقائض التي تشتمل عليها، أو تمرّرها بين طيّاتها الوحشيّة.

يتحوّل العيش المشترك المأمول إلى لعنة واقعية، يفقد معناه وتأثيره والمراد منه، يغدو شكلا من أشكال الخراب المعنوي اللاحق للخراب المادّي الذي تنتجه الحروب والنزاعات، يكون ركام  الإنسان صورة عن ركام البناء، ولا يمكن البدء بالبناء من دون إعادة الاعتبار للمفاهيم، ووضعها في سياقها التاريخيّ، ونزع الإبهام والإيهام عنها.

يحتاج التعايش لرغبة حقيقية بالمكابرة على جراح الماضي، وإرادة قويّة بتجاهل نداءات الثأر والدماء، وتكبيت الصوت المنادي لتفخيخ الواقع والمستقبل بالأحقاد والفجائع، كي يكمل الدرب إلى بناء لاحق، للإنسان الذي أنهكته الحرب، قبل البناء المادّي نفسه، فلا يصلح الترقيع في مثل هذه الحالات، لأنّ المضيّ قدما تحت أعباء المظلوميات المتفاقمة يدفع صاحبه للتغريب والبحث عن سبل لتجاهل وحشية الحرب المخلّفة، والتي تستمدّ عوامل تجدّدها من المحن والكوارث التي أنتجتها.

يكون نداء العقل، أو الصوت الداعي للتعايش الحقيقيّ مقموعا، ويصبح صاحبه مقهورا، لأنّه يشعر بغربته عن محيطه، ولأنّه يحمل محنته معه، لا أحد يودّ الاستماع إليه، أو تقدير دعواته، فيبدو نشازا في جوقة متهافتة على الاستقطاب والتناحر، يُلقى به إلى هاوية اليأس كي يتجرّع وحشته، ويتعايش مع غربته الحقيقيّة التي تظهره سجين أوهام قاتلة لأولئك الذين يحرصون على تلغيم غدهم بقنابل الأمس المؤقّتة للتفجير في أيّ منعطف أو احتكاك.

ومن المفجع أنّ المظلوميات تقود فئات وطوائف من البشر في مختلف مراحل حياتهم، حيث ترى الكثيرين يستعذبون فكرة إحياء الظلم الذي لحق بهم، سواء كان حقيقيا أو متخيّلا، يعيشونه، أو يمثّلون ذلك، بقصد توظيفه واستغلاله راهنا ومستقبلا، وبعثه من رقاده، وتجديده لتحصيل امتيازات آنية عبره.

تكون المظلومية جسرا تجاريّا لجني الثمار المؤجّلة المتخيّلة التي يزعم صاحبها أنّها واجبة الدفع له، وهو المجسّد لدوره ونزيله الدائم.

تصادف أحيانا سجين رأي يحاول تحميلك مِنّة سجنه، أو شخصا يوجب عليك احترامه لأنّه ثار ضدّ نظام ما، أو مدعيَ بطولة ما يطالبك بتقدير ما أقدم عليه بشكل مبالغ، وكأنّه افتداك بروحه وماله، وذلك في حين أنّ المفترض بأنّ كلّا من هؤلاء إنّما كان يمارس قناعته، ويفعل ما يؤمن به، أو ما يفترض أنّه يشعر بالمسؤولية تجاهه، ولا ينتظر عليه شكرا أو تقديسا أو تقديرا، لأنّ مكافأته تكمن في إرضائه لنفسه وإيمانه وقناعته بفعله.. ويكون من اللافت والمستهجَن القيام، عن دراية أو جهل، بتحويل فعله إلى تضحية، فيمثّل دور الضحيّة، ويطالب بمكافأته عليه، معنويا أو ماديا..

لعلّ بالإمكان وصف الشعور المستعاد والمكرّر توظيفه بالمظلومية هو صورة من صور الدونية المقنّعة. ولا يمكن للمرء أن يكمل حياته مسكونا ومقادا بتكتيكات بائسة كهذه، ذلك أنّ الحياة أوسع من حصرها بجانب معيّن، أو تقييدها بصورة أو حادثة.

بعض الناس مسكونون بشعور قاهر بالدونية، يقودهم في حلّهم وترحالهم، يفرض عليهم سكناتهم وحركاتهم، ويملي عليهم ما يفعلونه تحت تأثيره المدمّر، الماحي للشخصية التي تصبح نزيلة قهرها وانسحاقها، يستميتون للتقرّب من أصحاب السلطة والنفوذ، يسعون للتماهي مع مَن يعتبرونهم قدوة لهم، أو مثار إعجاب وتقديس، تراهم يحاكون أسلوبهم ويتودّدون لهم للتقرّب منهم، يتعاملون بسطحية وبؤس وانبطاح يناسب ما يشعرون به من قهر.

ونظير هذا الشعور البائس هو الشعور البائس بالفوقيّة، وتمثيل الدور، وتجسيده بحيث يتوهّم صاحبه أنّه مختلف بتميّزه وفرادته وعظمته، وأنّ الآخرين يحتاجون لسنوات ضوئيّة لمحاولة اللحاق به، وأصحابه أناس يعيشون تفاهة الشعور المضلّل بالتفوّق والعظمة ويعكسون من خلاله دواخلهم وقهرهم بطريقة أخرى كذلك.

لربّما يصحّ القول في هاتين الحالين إنّ تحقير الذات والمبالغة بتضخيمها معادلان لبعضهما بعضا، وإنّ العلل مستوطنة لا شفاء منها، وتحتاج لتضحية من نوع ما للتخلّص من آثارها الخطيرة على الفرد ومحيطه الاجتماعيّ.

من المؤسف أنّنا نحيا في عالم مضطرب، يكون صوت الشعبويين فيه أعلى، وأكثر تأثيرا، يتحوّل الشعبويّ إلى رمز يجمع من حوله مسوخا يمجّدونه، وفي ميادين السياسة والرأي والفكر يتكاثر أنصار هؤلاء الشعبويين وأشباههم، لأنّه يناغي فيهم الغرائز التي تحطّ من شأن الآخرين، فيجدون راحتهم في المبالغة بتعظيم الذات، وتكرار أفكار سائلة لا تمتّ لروح العصر والإنسانية بأي صلة، حيث كلّ منهم يكون جسرا للآخر إلى أطماعه وأوهامه بالعظمة والفرادة.

أمّا كيف تمكن مواجهة هذه الحالات المرضية من نداءات الدم، وألاعيب المظلومية وأقنعة الشعبوية، فهذا ما يحتاج إلى جهد مركّز ووعي كبير من قبل المؤمنين بفكرة العيش المشترك التي يفترض بها أن تكون محطّ تقدير واهتمام بعيدا عن حمولة الماضي بما تشتمل عليه من مآس وفجائع.. وهنا يأتي دور الأدب والفكر والفنّ في خدمة الأهداف الإنسانية، لتجاوز الاضطراب وترتيب جزء من الفوضى التي تجتاح عالمنا بطريقة قاسية.

10