كيف يتم تمرير القرارات الصعبة

الخميس 2014/10/09

ذهب رجل عند الطبيب جحا يشكو له الأرق والإرهاق وقلّة النّوم والسهاد بسبب نباح الكلب الموجود في حوش المنزل. فنصحه جحا بأن يتخلص من الكلب. لكنّ الرّجل أجابه بأنّ ذلك الكلب بالذات هو الأقدر على حماية المنزل من اللصوص الذين يحيطون بالمكان، وأنّه لا يستطيع الاستغناء عنه. ففكر الطبيب جحا لحظة ثم نصحه بأن يشتري تسعة كلاب إضافية يضعها جميعها في حوش المنزل مدّة أسبوع كامل وبعدها سيشعر بالتحسن.

استغرب الرّجل من هذه النصيحة، لكنه عزم على أن يتّبع تلك الوصفة العجيبة حتى النهاية عملاً بالمثل المغربي، “اِتبع الكذاب إلى غاية الباب”. لم ينته ذلك الأسبوع إلاّ ورأس الرّجل يكاد ينفجر من نباح الكلاب العشرة، فعاد إلى الطبيب جحا شاكيا باكيا منهكا. وقد نصحه هذه المرّة بأن يبيع ثمانية كلاب ويبقي على كلبين فقط. ففعل الرّجل ما طُلب منه وأبقى على كلبين فقط. وهذه المرّة أحسّ بأن نباح كلبين محتمل، واستطاع أن ينعم بأوقات من النوم، ومع توالي الأيام بدأ يشعر بتحسن. وهكذا فإنّ الرّجل الذي لم يكن في بادئ الأمر يتحمل نباح كلب واحد هو نفس الرّجل الذي سيتحمل نباح كلبين، وفوق ذلك سيشعر بالرضا والارتياح.

حيلة جحا هي الآلية التي تنتهجها بعض الحكومات والدول لغاية تمرير بعض القرارات الصعبة. الأمثلة كثيرة، بل لعلها أوفر من أن تُحصر فتُذكر، لكننا قد نقاربها بمثال بسيط: قد تبتغي الحكومة الزيادة في الأسعار بنسبة 5 بالمئة، ولكي تتفادى احتجاج المواطنين والنّقابات تطلق إشاعة بقرب زيادة في الأسعار بنسبة 50 بالمئة. وبعد أيّام من التذمر والاحتجاج وتداول النقاش الصاخب في وسائل الإعلام، يصدر توضيح حكومي مؤكداً بأنّ الحكومة لم تقرر بعد أيّ شيء، لكنها إن اضطرّت إلى إقرار الزيادة في الأسعار فستكون زيادة طفيفة قد لا تتعدّى حدود 5 أو 6 أو 7 بالمئة على الأكثر، لا غير.

وبعد أيّام من “المشاورات” و”المحادثات” و”المفاوضات” تقرر الحكومة أنّ الزيادة لن تتعدّى 5 بالمئة وستبدأ بعد مرور ثلاثة أشهر من الآن، فيكون النّاس مستعدين لتحمّل القرار، بل مرتاحين له، وربّما يحتفلون به ويعتبرونه نصراً وإنصافاً. والحيلة قد تنطلي على الشّعوب وعلى الأفراد أيضاً. وشخصيا أعرف أصدقاء فرحوا بالحصول على مناصب أقل ممّا يستحقّون لمجرّد أن أوحي لهم بأنّ لا أمل لهم في أية وظيفة، لهذا السبب أو ذاك. إنّها إحدى أشهر آليات تمرير القرارات الصّعبة كما تتمّ على مستوى الأفراد والشعوب، فإنّ الناس لا يتحملون القرار السيئ إلاّ إذا ظنّوا بأنهم تفادوا القرار الأسوأ.

24