كيف يسهم الانسحاب الأميركي من العراق في تقوية داعش وإيران

قلق مزدوج يراود بغداد في انتظار رؤية الرئيس الأميركي الجديد للمنطقة.
الجمعة 2020/12/04
محاولات ابتلاع العراق مستمرة

لا يكاد يمر يوم منذ تولي رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي منصبه إلا وتتداول نجاحات الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، بما فيها ميليشيات الحشد الشعبي، في ضرب ما تبقى من أوكار داعش ضمن أجندة تطهير العراق من الجهاديين. لكن هذه الخطة يُعتقد أنها ستأتي بنتائج عكسية بعد انسحاب القوات الأميركية، الذي سيغذي أنشطة التنظيم المتطرف مستغلا الفراغ الأمني، كما سيفتح الباب أمام استكمال إيران لمخططها التخريبي في الشرق الأوسط مستفيدة من رفع العقوبات عنها.

الموصل (العراق) – يحاول العراقيون التخلص من نفوذ إيران ووكلائها بمساعدة أميركية من خلال جهود يقودها رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي منذ توليه منصبه. ومع ذلك فهو يحتاج إلى اتخاذ المزيد من الخطوات لاستعادة قرار الدولة المرتهن في الجزء الأكبر منه إلى الفصائل والمجموعات الشيعية المسلحة الحليفة لإيران، لكنه سيكون أمام خيارات أكثر صعوبة.

وفي خضم قرار إدارة الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب سحب القوات الأميركية من العراق، كما هو الحال في كل من أفغانستان والصومال، فإن العراق يجد نفسه في موقف لا يحسد عليه، إذ أن احتمال تزايد نفوذ إيران بعد أن تم رفع العقوبات الدولية عنها أمر مرجح للغاية، ناهيك عن عودة أنشطة تنظيم داعش المتطرف.

وفي محاولة لاقتلاع مخابئ داعش خلال الصيف الماضي، قامت القوات العراقية على الأرض بتطهير ما يقرب من 90 قرية عبر محافظة شمالية تشتهر بالعصيان، إلا أن تلك العملية، التي تم الترويج لها كثيرا لا تزال تعتمد بشكل كبير على المخابرات الأميركية وهجمات التحالف ومساعدتهما في التخطيط.

وتعتقد سامية كُلاب، وهي مراسلة وكالة “أسوشيتد برس” بعد أن أعدت تقريرا بمشاركة قاسم عبدالزهرة، الصحافي العراقي المقيم في ولاية بوسطن الأميركية، أنه من غير المرجح أن يكون لسحب القوات الأميركية المخطط له في العراق من ثلاثة آلاف إلى 2500 جندي بحلول منتصف يناير المقبل، تأثير فوري على الحملة ضد فلول داعش، إلا أن ثمة مخاوف من أن المزيد من الانسحابات قد تمهد الطريق لعودة أخرى للتنظيم المتطرف.

سامية كلاب: الانسحاب ليس له تأثير فوري على الحملة ضد داعش
سامية كلاب: الانسحاب ليس له تأثير فوري على الحملة ضد داعش

قلق مزدوج

يمنح الانسحاب الأميركي قلقا مزدوجا للسلطات المركزية في بغداد، فهي أمام قضايا مزمنة لم يقدر أحد على حلها، فإيران لا تزال تدير الدولة العراقية من خلف الكواليس من خلال أدواتها المعروفة، وهي الحشد الشعبي، كما أنه لا توجد بوادر واضحة على أنه تم القضاء على أوكار الجهاديين بشكل كامل حتى الآن.

وعلى الرغم من أن القوات العراقية باتت أكثر استقلالية في المهام القتالية، إلا أن البلاد تعاني من الاحتجاجات المستمرة المناهضة للحكومة والفساد المستشري والانقسامات السياسية التي تصل إلى الأجهزة الأمنية، وكل هذا يعني أن الدعم الأجنبي لا يزال حاسما.

وترى كُلاب وعبدالزهرة أن هناك بالفعل علامات على عودة محتملة لداعش، حيث يستغل التنظيم الفجوات الأمنية التي اتسعت بعد عام من الاحتجاجات والوباء، وهذا يعتبر اتجاها مقلقا لقوات الأمن العراقية، التي سمح انهيارها في العام 2014 لتنظيم أبوبكر البغدادي بالسيطرة على ثلث البلاد وأرسلت القوات الأميركية إلى الوراء بعد أقل من ثلاث سنوات من انسحابها.

وهنا يؤكد معظم المحللين أنه يمكن لانسحاب القوات الأميركية أن يساعد داعش وإيران من خلال ثلاثة أساليب رئيسية: يتمثل الأول في استغلال الثغرات الأمنية التي قد تحصل، والثاني هو إمكانية أن تصبح الميليشيات الشيعية المسلحة أكثر مرونة، كما أن هناك إمكانية لأن يتعمق نفوذ إيران في العراق بشكل أكبر مما هو عليه اليوم.

وكانت القوات الأميركية قد عادت بدعوة من الحكومة بعد أن سيطر داعش على معظم شمال وغرب العراق، بما في ذلك الموصل، ثاني أكبر مدنه، وقد قدم تحالف تقوده الولايات المتحدة دعما جويا حاسما بينما أعادت القوات العراقية، بما في ذلك الميليشيات المدعومة من إيران، تنظيم صفوفها وطردت التنظيم المتشدد في حملة مكلفة استمرت لثلاث سنوات.

ومنذ هزيمة داعش في العام 2017، تصاعدت الضغوط من أجل انسحاب القوات الأميركية، لاسيما بين الفصائل العراقية الموالية لإيران، والتي كثفت من هجماتها على المصالح الأميركية. وتؤيد كل من الولايات المتحدة والعراق الانسحاب المقرر لكن لم يتمكنا من الاتفاق على تفاصيل بعد.

ويقول مسؤولون عسكريون عراقيون كبار في بغداد إن انسحاب 500 جندي أميركي لن يكون له تأثير يذكر، إن وجد طبعا، لكنّ المسؤولين المحليين في المناطق المحررة من داعش، حيث تأخرت إعادة الإعمار ولم تتم استعادة الخدمات بالكامل بعد، يخشون حدوث فراغ أمني إذا غادر الأميركيون.

خطر داعش لا زال قائما في العراق
خطر داعش لا زال قائما في العراق

ولا يخفي المسؤولون العراقيون خشيتهم من التداعيات السلبية للانسحاب، فقد قال نجم الجبوري المحافظ والرئيس السابق لعمليات المحافظات في محافظة نينوى التي تضم الموصل لوكالة أسوشيتد برس “صحيح أن لدينا جيشا أقوى وقوات أمن أقوى لكننا مازلنا بحاجة إلى التدريب والدعم بجمع المعلومات الاستخبارية وإذا غادرت الولايات المتحدة الآن، فسيكون ذلك خطأً كبيرا”.

ويأتي ذلك بينما أكد مسؤولون كبار في التحالف ومسؤولون عراقيون أن القوات العراقية ستواصل الاعتماد على الغطاء الجوي الأميركي والاستطلاع وجمع المعلومات الاستخباراتية في المستقبل المنظور.

ولا يزال جهاز الأمن العراقي يعاني العديد من نقاط الضعف نفسها التي مكّنت من صعود داعش، بما في ذلك ضعف التنسيق بين مختلف الفروع وتفشي الفساد وتصاعد حدة التوترات مع تكديس الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران والتي تم دمجها ضمن القوات المسلحة العراقية.

وكتب بنديكت أبوالنصر، مسؤول مشروع الدفاع والأمن في منظمة الشفافية الدولية، في تحليل يقول فيه “تظل نقاط الضعف هذه تهدد بإضعاف القوات المسلحة العراقية عندما تكون هناك حاجة ماسة إليها”.

وتبدو تلك المشاكل هي قمة جبل المشكلة، فقد قلص الجيش العراقي من تواجد قواته في بعض المناطق بسبب جائحة فايروس كورونا، وانسحبت الولايات المتحدة من بعض القواعد الشمالية بعد هجمات صاروخية ألقي باللوم فيها على الجماعات المدعومة من إيران.

إيران تستغل الفرصة

قاسم عبدالزهرة: إيران ستسعى إلى تعميق نفوذها في العراق بكل الطرق
قاسم عبدالزهرة: إيران ستسعى إلى تعميق نفوذها في العراق بكل الطرق

كل تلك المعطيات تجعل من فرصة توسيع الإيرانيين لنفوذهم في البلد العربي أكبر مما هي عليه قبل سنوات، فرغم خسارة داعش آخر الأراضي الخاضعة لسيطرته في 2017، لكنه عاد بسرعة إلى جذوره المتمردة، وشن هجمات كر وفر على القوات العراقية عبر مساحة واسعة من الأراضي في الشمال.

وأدى الخلاف السياسي والإقليمي طويل الأمد بين الحكومة المركزية والسلطة الكردية شبه المستقلة في الشمال إلى إعاقة التنسيق ضد داعش. ولطالما عملت الولايات المتحدة كوسيط، وهو دور سيكون من الصعب القيام به إذا انسحبت بالكامل.

وهاجم تنظيم جنوب العراق أيضا، بما في ذلك هجوم على قافلة في الحلة، جنوب بغداد، في العاشر من الشهر الماضي، أسفر عن مقتل وإصابة أكثر من عشرة من الجنود العراقيين والقوات شبه العسكرية، وأعلن الأسبوع الماضي مسؤوليته عن هجوم صاروخي أوقف مؤقتا إنتاج النفط في مصفاة صغيرة شمال العاصمة.

وقال قائد عسكري عراقي، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لوكالة أسوشيتد برس لأنه غير مخول بإطلاع وسائل الإعلام، إن “البلاد تشهد من خمس إلى ست هجمات كل أسبوع ولم تكن هذه الهجمات للسيطرة على الأرض والسيطرة عليها، بل كانت للهجوم والعودة إلى الاختباء”.

وشن داعش هجمات مماثلة في السنوات التي سبقت استغلال التنظيم الفوضى في سوريا المجاورة للسيطرة على أجزاء كبيرة من البلدين، غير أن رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي وضع كل الإمكانيات حتى يقضي عليه، ولكن بمشاركة واسعة من الحشد الشعبي المدعوم من إيران، إذ كان قاسم سليماني القائد العسكري لفيلق القدس التابع للحرس الثوري، هو من يقود العمليات.

والآن وبعد المتغيرات الطارئة، يعتقد كل من كُلاب وعبدالزهرة أن الانسحاب الأميركي على نطاق أوسع سيمنح إيران من تعميق نفوذها في العراق، حيث تربطها بالفعل علاقات سياسية واقتصادية وأمنية قوية منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للإطاحة بصدام حسين في العام 2003.

وأثارت الضربة الأميركية التي قتلت سليماني، وكبار قادة الميليشيات العراقية وأبرزهم أبومهدي المهندس بالقرب من مطار بغداد في يناير غضبا ودفعت البرلمان العراقي إلى إصدار قرار غير ملزم بعد أيام يدعو إلى طرد جميع القوات الأجنبية. وتراجعت الحكومة لاحقا عن مثل هذه التهديدات، لكن الكاظمي لا يزال يواجه ضغوطا من الجماعات المتحالفة مع إيران لطرد القوات الأميركية.

وشنت الولايات المتحدة حملة “ضغوط قصوى” على إيران منذ انسحاب إدارة ترامب من جانب واحد من اتفاق طهران النووي مع القوى العالمية في العام 2018 وأعادت العقوبات المشددة. ومع فوز الديمقراطي جو بايدن بالرئاسة الأميركية باتت كل الاحتمالات مفتوحة أمام طهران لتعزيز نفوذها في العراق بالنظر إلى السياسيات التي يريد أن يتبعها نائب الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما.

وكرّر بايدن موقفه تجاه طهران، وقال إنه يأمل في العودة إلى الاتفاق النووي المثير للجدل مع تناول التدخل العسكري الإيراني في العراق وأماكن أخرى في الشرق الأوسط، مشيرا إلى أن الانسحاب الكبير للقوات الأميركية في العراق رغم شعبيته في الداخل، في إشارة إلى الولايات المتحدة، يمكن أن يقلل من نفوذه.

Thumbnail
7