كيف يفكر مسلمو بريطانيا: أفكار مسبقة أم خلل في الاندماج

عاد الحديث مجدّدا في أوروبا -وبوتيرة عالية- عن مسألة لا تنفكّ تتكرّر بصيغ مختلفة وتزداد حدتها كلّما ضرب الإرهاب مدينة أوروبية، وهي مدى اندماج المسلمين مع محيطهم الاجتماعي والثقافي في بلدان القارة العجوز.
الخميس 2016/04/14
الاندماج لا يتناقض مع المحافظة على الخصوصيات

لندن - تتسابق المعاهد والمؤسسات الأوروبية المختصة في استطلاعات الرأي على سبر واستبيان مواقف “مواطنيها” المسلمين حول قضايا جوهريّة تعتبر في رأيها مؤشرا لواقع وحقيقة الاندماج من عدمه لدى شريحة اجتماعية واسعة لا يمكن تجاهلها، بل ويجب التركيز على أسلوب نمط تفكيرها على خلفية الأحداث الإرهابية التي ضربت عمق أوروبا ونفذ أغلبها “مواطنون مسلمون” من رعايا هذه البلدان.

يتساءل استطلاع جديد أجري في إطار برنامج تلفزيوني وثائقي “بم يفكر فعلا المسلمون البريطانيون؟”، في إشارة تحمل تشكيكا واضحا في فكرة الاندماج وجاءت النتائج التي أجراها معهد “آي سي آم” على 1081 شخصا، بأنّ 52 بالمئة من المسلمين يدعون لحظر المثلية الجنسية بالقانون، مقابل 22 بالمئة بحسب استطلاع آخر كان قد أجري على عيّنة تمثل سكان البلاد، ويرى فيها 56 بالمئة بوجوب منع الزواج المثلي.

كما أيّد 39 بالمئة من المشاركين “إطاعة النساء لأزواجهن على الدوام” ورأى 31 بالمئة أنه يمكن لمسلم بريطاني الاقتران بأكثر من زوجة ولا يرى 23 بالمئة منهم مانعا من تطبيق الشريعة في بعض أنحاء البلاد.

أثارت هذه الأرقام قلق المسؤول السابق عن لجنة المساواة في الحقوق تريفور فيليبس الذي سيقدّم الوثائقي على القناة التلفزيونية معبّرا عن استغرابه من “مدى انخداع الرأي العام الليبرالي -بحسب قوله- وظنه أنّ المسلمين بريطانيون كسائر المواطنين”.وصل الأمر إلى حدّ تصريح المسؤول في صحيفة صنداي تايمز بقوله “هناك أمة تنشأ خلسة في قلب أمتنا، لديها جغرافيتها وقيمها الخاصة ومستقبل منفصل عمّا ننشده”.

وفي مقابلة أخرى اعتبر فيليبس أنّ “اندماج المسلمين سيكون -على الأرجح- المهمة الأصعب التي سوف نواجهها على الإطلاق. فهو يتطلب التخلي عن التعددية الثقافية الرخوة التي يحبذها البعض لتبني مقاربة أكثر حزما إزاء الاندماج”.

الإيحاء بأن المسلمين مجموعة معزولة يتعارض مع ما جاء في معرض دراسات مجلس الأبحاث الاقتصادية والاجتماعية

أثارت كلمات فيليبس ردود فعل عارمة في أوساط مسلمي بريطانيا وعبّروا عن استيائهم الشديد من تصريحات مسؤول في دولة تعتبر الأعرق في التعددية واحترام ثقافة الآخر والقبول بالمختلف.

جاء نشر هذا الاستطلاع بعد أسبوعين من نشر ذا صن تصحيحا بأمر من هيئة تنظيم الصحافة كانت قد أكدت فيه استنادا إلى تحقيق سابق أن “مسلما بريطانيا واحدا من خمسة” متعاطف مع الجهاديين. وفي ردود فعل غاضبة، أعرب مساعد أمين عام المجلس الإسلامي للمملكة المتحدة مقداد فيرسي عن استيائه وأدان استخدام المسؤول البريطاني لوسائل إعلام حتى يسوّق لفكرة مفادها أنّ “المسلمين يمثّلون مشكلة من جديد”، لافتا إلى أنّ الاستطلاع يظهر بالمقابل أنّ المشاركين قد أعربوا عن تعلقهم الكبير بالمملكة المتحدة (86 بالمئة يريدون الاندماج).

وتابع في مقالة له بصحيفة ذا غارديان “إنّ الإيحاء بأن المسلمين مجموعة معزولة ومنفصلة عن سائر البلاد يتعارض بوضوح مع ما جاء في معرض دراسات مجلس الأبحاث الاقتصادية والاجتماعية”.

أمّا الباحث في كينغز كولدج بلندن شيراز ماهر فاعتبر أن النتائج منحازة وتفتقر إلى النزاهة والبعض من الموضوعية، على اعتبار أنّ التحقيق قد أجري في أحياء تضم أكثرية من المسلمين (20 بالمئة، علما أنهم يشكلون 4 بالمئة من سكان البلاد)، وبسبب ذلك، بل ومن الطبيعي -يرجّح شيراز ماهر- أن تكون ممارسة التديّن أكثر انتشارا وتشدّدا من مناطق أخرى يقلّ فيها عدد المسلمين.

وصف شيراز ماهر في تغريدة له عبر تويتر الاستطلاع بـ”الإشكالي” وقال “لا أقول إنه لا توجد مشكلة مع وجهات نظر شديدة التحفظ لدى بعض المسلمين، لكن هذا الاستطلاع إشكالي”.

من جهتها أشارت رئيسة شبكة النساء المسلمات شايستا جوهير إلى أنّ إجابات كاثوليكيين أو يهود متشددين على بعض الأسئلة كالمثلية الجنسية بالكاد تختلف عن إجابات المسلمين، في التعبير عن عدم استغرابها من النتائج وقالت إنها تفضّل النظر إلى الناحية الإيجابية للأمور. فحوالي نصف المسلمين في الاستطلاع لا يعتبرون المثلية مخالفة للقانون، ممّا يشير إلى تقدم ملحوظ. وقالت لصحيفة ذا غارديان “ولو أنهم لا يتقبلون ذلك من منظار ديني، فإنهم يتقبلون أن يعيش الناس حياتهم من دون التعرض للتمييز”.

13