كيف يفهم إخوان سوريا الديمقراطية

كانت الثورة السورية التي تتفق أغلب القراءات على أن الحضور الإسلامي أفسدها وأسبغ عليها طابع الفوضى والاحتراب وحوّلها إلى حرب أهلية، تمثل أيضا اختبارا حقيقيا لأطروحات التيارات الإسلامية التي تدعي التصالح مع الديمقراطية. وإذا انطلقنا من أن جماعة الإخوان هي أعرق التيارات الإسلامية الناشطة راهنا، ومن أن كل التيارات الإسلامية الأخرى خرجت من رحم الجماعة فكريا وبشريا، فإن تفحّص النظر الإسلامي للديمقراطية هو في عمقه امتحان لديمقراطية الإخوان.
الاثنين 2017/04/03
ديمقراطية العسكرة والتطييف

برز رأي يرى أن الإخوان المسلمين يحظَون بقبولٍ عام باعتبارهم الأقل تشددا في زمن الانفلات الجهادي العدمي، وأنّهم منفتحون على العملية السياسية الديمقراطية بكاملها. إخوان سوريا كانوا مقبولين سابقا من قبل الأطراف الليبرالية المعارضة، إذ تحالفوا مع إعلان دمشق في 2005، ثم مع عبدالحليم خدام، البعثي المنشق عن النظام، في جبهة الخلاص، وصولا إلى تشكيل المجلس الوطني بعد اندلاع الثورة برفقة إعلان دمشق وآخرين، ثم الائتلاف الوطني، وذلك بعد أن عقدت عدة مؤتمرات خلال 2011 بدءا بمؤتمر أنطاليا، ثم بروكسل الذي كان إخوانيا خالصا، إلى مؤتمرات طائفية للعلويين والمسيحيين والتركمان كانت برعاية الجماعة ومشاركتها.

هم باتوا مقبولين من الغرب والولايات المتحدة بوصفهم إسلاما معتدلا يقبل بالديمقراطية، بعد تفجّر الوضع الاجتماعي في المنطقة وإفلاس الأنظمة البوليسية. لكن ما هي تلك الديمقراطية التي قَبل معارضون سوريون، علمانيون وليبراليون ويساريون، مشاركة الإخوان فيها؟

تقول تجربة الإخوان في تونس ومصر والأردن والمغرب وليبيا بتقبّلهم خوضَ العملية السياسية الديمقراطية عبر صناديق الاقتراع والمشاركة في الحكم؛ وهم غالباً يتخلّون عن المناصب السيادية في الواجهة، مقابل حصولهم على مناصب تعمل من أجل أخونة الدولة كالثقافة والتربية والتعليم، وبالتالي هم يراهنون على اختراقهم للمجتمعاتِ وكسب المزيد من الأصوات، ويطمحون مستقبلا للتفرد بالحكم عبر العملية الديمقراطية ذاتها. وسلوكهم السياسي هذا يبدو مشروعاً ضمن العرف العام الذي تقرّه المبادئ الديمقراطية الليبرالية.

إخوان سوريا لم يدخلوا اللعبة الديمقراطية الرسمية بسبب رفض النظام لنشاطهم في الداخل، رغم سعيِهم إلى المصالحة بوساطة الشيخ الراحل محمد سعيد رمضان البوطي، وعبر الوساطة التركية الأردوغانية. لكنهم يفعلون ضمن كيانات المعارضة ما فعلَه نظراؤُهم في الدول التي وافقت أنظمتها على نشاطهم السياسي فيها، فهم يتشاركون مع غير الإسلاميين في تشكيلات المعارضة، ويبتعدون عن الواجهة ويسيطرون عليها من الخلف، عبر إمساك ملفات الإغاثة والتعليم خصوصا، مستفيدين من ضعف التنظيمات الليبرالية شريكتهم.

إخوان سوريا لم يدخلوا اللعبة الديمقراطية الرسمية بسبب رفض النظام لنشاطهم في الداخل، رغم سعيِهم إلى المصالحة بوساطة الشيخ الراحل محمد سعيد رمضان البوطي

ورغم أنهم قاموا بتشكيل كتائب تحملُ أسماءً تتضمن مفردة “درع″، لكنّ محاولاتهم ظلّت خجولة، فهم غير مقبولين في الداخل السوري المنتفض، والريفي الطابع. وحاولوا تبنّي البعض من الكتائب التي لمع نجمها، في حمص مثلاً، وغازلوا أحرار الشام حول إمكانية الاندماج، وقوبل كل ذلك بالتجاهل؛ فشعبيتهم متوهمة في الداخل، بينما في الخارج يراهن المعارضون على حتمية وصولهم إلى الحكم.

عقلية المعارضة هذه فرضت مسايرةَ الرؤية الإخوانية، مثلما فرضت على الإخوان البراغماتيين القبولَ ببعض القيم الحداثية التي تجعلهم مقبولين من الغرب ومن الشعب ومن بقية المعارضة؛ لكنهم في الوقت نفسه يراوغون في تقبّل تلك القيم. فالقول بالدولة المدنية هو للالتفاف على مطلب الدولة العلمانية، والذي تنازلت عنه بقية المعارضة استرضاء للإخوان وللفصائل الإسلامية المسيطرة على الأرض.

والقول بالديمقراطية، بل وتطبيقها في كيانات المعارضة التي تتضمن الإخوان، لا يعني بالنسبة إليهم سوى ديمقراطية الطوائف. إذ ضم المجلس الوطني، والائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية من بعده، أشخاصاً ينتمون إلى طوائف أخرى بصفتهم الطائفية، كعلويين ومسيحيين ودروز وغير ذلك، وحتّى المعارضين من قوميات أخرى عليهم التعريف بأنفسهم بصفتهم أكراداً وتركمان وشراكس وغير ذلك… ولم يقبل أيّ من كيانات المعارضة تلك أحدا من أفرادها الذين ينحدرون من الأقليات القومية والعرقية إلا بصفتهم الأقلوية، وبالتالي كان الإخوان يراهنون على ديمقراطية الطوائف والقوميات، في سوريا موحّدة، كما تقول بياناتهم المتكررة.

الفهم المقتصر على التّمثيل الهوياتي للديمقراطية يخدم الإخوان، من حيث أنه يمكّنهم من الظهور كممثّلين للأكثرية الدينية والفوز في أيّ عملية ديمقراطية قادمة، خاصة أنهم يتمتعون بخبرة سياسية كبيرة ويقبلون الاحتواء من قبل الدول الداعمة، من الفصائل العسكرية الساعية إلى الحصول على موطئ قدم في العملية السياسية القادمة، والتي لم تلتفتْ إلى المسعى الإخواني بالاندماج معها.

تتعاطى الفصائل الإسلامية المسيطرة في الداخل مع الإخوان بمنطق منافسة، وحذر من انتهازيتها، فضلاً عن العقدة الريفية التي تحملها تجاه الإخوانيين المنحدرين من المدن الكبرى. وكذلك باتت انتهازية الإخوان مفضوحة عبر سلوكهم في كيانات المعارضة، وسلوك العناصر التابعة لهم على الأرض في ما يتعلق بفساد في ملفّات الإغاثة مثلاً.

أدركت الدول المحتضنة للحركة الإخوانية (تركيا وقطر) ذلك مبكراً؛ ورغم استمرارها في دعمهم، لكنّها ارتأت المراهنة على الفصائل الأكثر بروزا، كجيش الإسلام وحركة أحرار الشام، وذلك عقب التصفيات التي قاموا بها ضد الجيش الحر، وضد كل ملمـح غير إسلامي في الداخل. أي لم يتمكن الإخوان من البروز عسكرياً، ربما لأنهم لم يكونوا حازمين في ما يتعلق بالعسكرة، وهو ما تُظهره التصريحات المتعارضة لبارزين في الحركة حول الموقف من العسكرة ومن تبني كتائب بعينها.

13