كيف يقاوم القبارصة الأتراك مخططات أردوغان

التصدير الممنهج للأتراك الأصليين إلى جزيرة قبرص، جعل القبارصة الأتراك يشعرون أنهم أقلية في مجتمعهم، وهو ما يترك مستقبلهم في حالة غير مستقرة.
الاثنين 2018/08/13
الانتماء السياسي لا يعني فرض نمط مجتمعي بالإكراه

نيقوسيا- بدا استقبال الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان في وقت سابق من شهر يوليو أمام الجميع لدى هبوط طائرته في الجمهورية التركية الانفصالية في قبرص كأنه استقبال باهر عبر الترحيب به بالأعلام التركية وتوجيه التحية له بمناسبة وصوله، لكن بعيداً عن الكاميرات كان الواقع مختلفا تماماً، حيث يزداد غضب السكان المحليين أكثر فأكثر مما يعتبرونه إطاحة ممنهجة بقيمهم العلمانية.

وتم تقسيم قبرص منذ عام 1974 عقب موجات قومية إلى كل من الطائفتين القبرصية اليونانية والقبرصية التركية. وردت تركيا على الانقلاب العسكري اليوناني عن طريق غزو ثلث الجزيرة التي أصبحت اليوم دولة تضم الأقلية القبرصية التركية.

ورغم أن معظم القبارصة الأتراك من أصول تركية من الناحية العرقية ومسلمون من الناحية الثقافية والدينية، إلاّ أنهم يتسمون بطابع حياة أكثر تناغماً مع نظرائهم القبارصة اليونانيين مقارنة مع وطنهم الأم المفترض، وذلك بسبب قرون من التعايش قبل الصراع.

وكلما ازدادت قوة أردوغان ازدادت قوة دفعه لفرض المزيد من القيم الدينية المحافظة على القبارصة الأتراك، من خلال الاستعداد لمضاعفة الإنفاق الحكومي التركي على المدارس الدينية بحلول نهاية العام ليصل إلى أكثر من 6.5 مليار ليرة (1.35 مليار دولار)، أي ربع ميزانية المدارس الحكومية العليا. وقد وصل إصلاح نظام التعليم بكامله في تركيا إلى شواطئ قبرص، حيث أصبح عدد المساجد يفوق الآن عدد المدارس، بينما يهيمن الخطاب الديني والقومي على الفصول الدراسية ويتخذ زخماً أكبر من الأفكار الغربية. ومن الأمثلة على حجم التغيير أيضاً العزم على  إزالة نظرية التطور من دروس العلوم.

وتزامنت زيارة أردوغان الأخيرة مع افتتاح مسجد على الطراز العثماني بتكلفة قدرها 13 مليون دولار في ضواحي مدينة نيقوسيا، لكن بدلاً من الاستقبال الحافل تجمع المحتجون لإبداء رفضهم، وأصبح انشقاقهم تجاه ما يرونه محاولات لتغيير المشهد الثقافي لوطنهم أمرا شائعاً.

وكان حوالي 1500 شخص قد تجمعوا في عام 2016 لإعلان رفضهم تكوين لجنة إسلامية مسؤولة عن الرياضة والأحداث الثقافية. وفي يناير الماضي، احتج القبارصة الأتراك بعد أن هاجم القوميون مكاتب صحيفة “أفريكا” المحلية التي شبهت هجوم تركيا على عفرين بغزو تركيا لقبرص. وفي ذلك الوقت، شجع أردوغان القوميين في الشمال على “إبداء رد فعل” تجاه هذه التصريحات، والتي كان يُنظر إليها على أنها تحريض واضح على ارتكاب العنف.

أروغان يريد تغيير قيم الجزيرة التي تتسم بطابع حياة أكثر تناغما مع قبرص اليونانيية
أروغان يريد تغيير قيم الجزيرة التي تتسم بطابع حياة أكثر تناغما مع قبرص اليونانيية

وعندما نادى المئات من القبارصة الأتراك بضرورة ابتعاد أنقرة عن شواطئ قبرص في عام 2011 احتجاجاً على الإجراءات التقشفية الجديدة المفروضة عليهم من قبل تركيا، رد أردوغان بطريقة يعتبر الكثيرون أنها تعكس وجهة نظره عن القبارصة الأتراك، حيث قال “من المثير للغضب أن يتصرف هؤلاء الذين ترعاهم بلادنا بهذه الطريقة وهذا الأسلوب”.

ويعتبر التحدي بالنسبة إلى القبارصة الأتراك رمزا لأرواحهم، إلا أن التصدير الممنهج للأتراك الأصليين إلى الجزيرة، جعلهم يشعرون أنهم أقلية في مجتمعهم، وهو ما يترك مستقبلهم في حالة غير مستقرة.

ولطالما كانت لتركيا الكلمة الأولى والأخيرة في شؤون القبارصة الأتراك، إلا أن الإجراءات المتشددة التي فرضتها منذ محاولة الانقلاب ضد أردوغان في عام 2016، شهدت تصاعداً حتى أنها تسللت إلى شمال قبرص.

وتم طرد بارباروس سانسال -وهو مصمم أزياء تركي شهير- من الولاية المنفصلة بعد أن نشر تغريدة انتقد فيها تركيا ليلة رأس السنة في عام 2016. وعند وصوله إلى إسطنبول قابلته مجموعة من الغاضبين فوق درج الطائرة حيث تمت مهاجمته بشراسة قبل أن يُسجن مدة شهرين. ويقول سانسال “لقد كنت شاهداً على الكثير من ممارسات الفساد وأشياء أخرى غير مشروعة تحدث في الشمال”.

وما يقلق سانسال حقيقةً هو تغيير قيم الجزيرة بسبب استيطان الأتراك غير القانوني، وعن ذلك يقول “القبارصة الأتراك هم القبارصة اليونانيون أنفسهم، ومعظمهم علمانيون ومهذبون، لكن الأتراك المهاجرين إلى الجزيرة هم في الأساس قوميون وإسلاميون”.

وفي ذروة التوترات الطائفية التي أدت إلى تقسيم الجزيرة في عام 1974، كان هناك قلق حقيقي من طرد القبارصة الأتراك من قبل القوميين اليونانيين. وبعد مرور أربعة وأربعين عاماً على الغزو التركي، الذي كان يُنظر إليه على أنه خلاص القبارصة الأتراك، باتت هذه النزعة القومية أكبر تهديد وجودي لهم، ولكن هذه المرة يأتي التهديد مباشرة من حليفهم المفترض.

7