كيف يكتب الروائيون مآسي الحرب

الأحد 2016/09/25
محاولة لسرد فصول المأساة

كيف يكتب الروائي عن الحرب وهي لم تضع كلّ حمولتها من الموت بعد؟، سؤال معقد الجواب عنه أكثر تعقيداً. إذ كيف يصف الكاتب ويعبر عن الآلام والمآسي التي تخلفها الحرب، أيا يكن توصيفنا لها، كيف يصف الكاتب المجازر بضحاياها وشهودها. هل يمكن لمن اختنقوا بالغاز أن يتكلموا في رواية الروائي. كيف ترسم مشهد طيَّار يرى المدن من الأعلى ويتلذَّذُ بقصف من سكنَها وهو من كان يمشي في الأمس القريب في شوارعها أو يتريض في رياضها؟ من أين سيأتي الكاتب بالأجوبة وكيف سيفسر الأفعال التي يصف؟.

فعلُ الكتابة عن الحرب وجولاتها وهي لا تزال تدور في جغرافيات متعددة يشبه إلى حد بعيد قرار القفز من مركب في دائرة بحرية مليئة بأسماك القرش، فالمُتَغيِّرُ في الجغرافيا يسبقُ المشهد الثابت في الأدب، وإن كانت الرواية تحتاج كتابتها إلى أعوام، وفي أفضل الأحوال إلى ما يقارب العام من الإشتغال المتواصل عليها، فإن إنقلاب المشهد الدرامي في الواقع الحربي العسكري لا يحتاج أكثر من 30 ثانية أو ما يزيد على ذلك بقليل.

لا شكَّ أن الحروب والثورات العظيمة لها أصداء في التاريخ اللَحظي الآني، وانعكاسات تدفع بالكاتب أو الباحث إلى رسم خطوط وهمية لوضع الفواصل بين الأزمان المتتالية. لكنَّ الفكرة هنا لا تغدو عملاً توثيقياً بقدرِ ما هي محاولة لسرد فصول المأساة، رغم تعدد الروايات. فالقاتل يحمل رواية، والضحية تحمل رواية مختلفة، والناجون من المجزرة يمتلكون رواية ثالثة، والمراقبون لكل ما يحدث لهم روايتهم الخاصة. وأمام سيل المعلومات المدعوم بالأدلة المُنتَميَةِ إلى كلّ طرف للتدليل على الصدقية فيها، فإنَّ مهمة الروائي-كما أراها- تقف على مفترق طرق من خلال الإنعتاق من كل هذه السرديات الذاتية واستخلاص السيرة المفقودة للحرب، هذه السيرة تعتمد في جوهرها على الخلط بين جميع المرويات والعبث بقوانين الحياة الوضعية لرسم المشهد الأخير الثابت والمتحوِّل في الآن ذاته.

في الرواية التي تتحدَّث عن الحرب، كما هي شائعة اليوم في الأدب العربي، يكون الزمان غير متعاقب في التتالي المعروف، فهو خاضع لجملة من نقاط الإرتكاز في مخيلة الكاتب أوَّلاً، لذلك نراه غير محدد وخاضع لفعل التداعي الحر في التقديم والتأخير، بينما يكون المكان ثابتاً في الجغرافيا عابراً لقوانين الطبيعة في العمل الأدبي، وتكون الذات الكاتبة مُذابةٌ في الإحساس الجمعي العام، رغم انطلاقها – غالباً- من تفاصيل البيئة التي وُلد ونشأ فيها الراوي.

في قلب هذا الجنون الذي يعصف بمنطقتنا العربية عموماً، تتضارب الروايات السياسية بين الضفاف المختلفة الممتدة عبر قارات العالم الخمس، وتستند تلك الروايات إلى مصالح دولية سياسية كانت أم إقتصادية، بدوره ينطلق العمل الأدبي، مهما اختلفت أساليب صياغتِه، من الواقع المتحرِّك في كينونته المركبة هي أيضاً من عناصر الصراع الخاصة، فالقصيدة أو العمل المسرحي أو السرد الروائي يتَّخِذُ من أبطال جولات الحرب شخوصاً للمشاهد المتتالية، تلك المشاهد غالباً ما نراها تعبِّر عن صدقية عالية سواء على صعيد بناء الصورة أو الفكرة.

الرواية العربية المفقودة

الكتابةُ الأدبية عن المأساة اليوم ليست محض اقتراب من الحرب عبر المخيلة وطريقة استعمال المعلومات المتاحة للكاتبة وحسب، بل هي ضرب أكثر قربا من ذلك، شيء يشبه اختبار الركوب في الدباب، والجلوس على مقعد الطيار، والتمدد على سرير معدني في مشفى ميداني يفتقد إلى أبسط أسباب النجاة، حتى ليكاد الكاتب أن يشعر بطعم الدم في ثنايا الحلق والمرارة في قعر البلعوم، هي أن تتخدَّر يداك بفعل ” الكلبشات” الحديدية خلف ظهرك، وأن تنتظر كشخوص روايتك الأمل بالخلاص دوماً.

في الكتابة عن الحرب لا تملك ككاتب كل أقدار العمل أو نهايات الشخوص، فالأضداد المجتمعة في المشاهد المتعاقبة لجولات المواجهات العسكرية أو الإنسانية تضعك دون أن تشعر في بنيةٍ هرمية تضمّك إلى ملايين المقهورين لتصبح واحداً منهم، ون يكون القرار قرارك وحدك إذ ذاك، فالسُكنى بعيداً عن المدى المُجدي للقذائف أو الدائرة القاتلة للبرميل المُتفجّر لا تجعل الكاتب بعيداً عن التلطُّخِ بالدم أو التعرض لإصابات حقيقية جرَّاء ما يحدث.

الروائي ليس قائداً عسكرياً للتغيير، والأديب لا يملك في جوهر مهمته التأثير في المشهد المتحرِّك المُتَجاوِز له، فأدواته تقوم على أن يلعب دور الراصد والمراقب والمتأمل في الوقائع الجارية وفي القدر الإنساني، وهذا ليس ناتجاً عن ضعف الأدب في ظل احتدام الصراعات المتعددة، بل لأن المخاض العسير للجغرافيا في المشرق العربي عموماً له شهود يتمثَّلون في الضحايا الذي يحمل كل منهم رواية خاصة في ذاكرته ومخيِّلته عما حدث.

التقيت بحكم عملي الإعلامي مع المئات ممّن عايشوا ما حدث ويحدث الآن من زوايا متعددة، كانت رواية الأحداث عندَهُم ثانوية أمام نتائجها، النتائج تتخذ صوراً عديدة لها، لاسيما أولئك الذين وجدوا انفسهم في مخيمات النزوح واللجوء على بوابات الوطن من الجهات المختلفة، تظهر جليَّة في ظلمة الليل على الشواطئ الغريبة وفي قلب القوارب المتهالكة، وفي الخطى المتلعثمةَ البدايات، المجهولة النهايات في الأوطان الجديدة. ورغم كل هذا الإضطراب إلا أنهم يروون بجرأة ودون تضليل ما حدث لهم وما كانوا شهودا عليه.

أمام حالة الشهود الأحياء الناجين من المجازر أتذكَّر مقاطع الفيديو التي كانت تتوالى من وكالات الأنباء العالمية إلى إحدى غرف الأخبار في محطة إخبارية عربية شهيرة حيث كنتُ واحداً من الجنود المجهولين خلف الكاميرات فيها، كنَّا نقصُّ عن سابق إصرار وترصُّد الصُور التي لا تصلُحُ للبث، ليس لسوءٍ في جودتها التقنية بل لأنها لا تناسب الظهور على شاشات التلفزة لدمويَّتها، هذا الفعل يُشبِهُ تماماً لحظة رؤيتِكَ على وسائل التواصل الإجتماعي صورة طفلٍ غريق أو ناجٍ تم انتشاله من تحت أنقاض بيت دمرته الطائرات، فتغمِض عينيك كما لو كنت تستبعد الفكرة من أساسها وتشطبها من الوجود بإغماضة لا إرادية. لكن الواقعة حقيقية والمشهد حقيقي وكلاهما سيبقيان ساكنين الذاكرة والمخيلة لمن كانوا في مسرح الجريمة ما عاش الناجون وعاش الشهود.

مهمة الكاتب أخيراً أن يقهر الحرب وآلامها وينتصر للإنسان من خلال عمل أدبي يتجاوز بقيمه الجمالية واللغوية والفكرية زمن الحرب إلى الزمن كله، ويجعل، اخيرا، من هذه البرهة الاليمة في تاريخ الإنسان عبرة لا تنسى، ويمنح التاريخ الأدبي، كما فعل يوما تولستوي في “الحرب والسلام” أيقونة أدبية خالدة.

كاتب من سوريا

11