كيف يكون تأويلنا لما نقرأ بعيدا عن انتمائنا الفكري

كل قارئ ينتمي إلى جماعة تأويلية تؤثر في فهمه وتأويله.
الاثنين 2020/11/23
القارئ ليس حرا في الفهم والتأويل (لوحة للفنان وائل المرعب)

إن القراءة وتلقي نص ما، ليست عملية معزولة عن محيطها وعن إطارها التاريخي بمكانه وزمنه وأحداثه، ثم إن القارئ ليس فقط فردا منعزلا، إنه مجموعة من المدارك والمعارف والتجارب والأفكار، لذا فإنه حين يتلقى نصا ما هو يتلقاه بكامل مخزونه، وبالتالي يكون تأويله للنص وفق هذا المخزون، ونتساءل هنا كيف نقرأ بمعزل عن تأثير الانتماء.

يجمع الناقد والمنظّر الأميركي ستانلي فِش في كتابه “هل يوجد نص في هذا الفصل”، ثمرة جهوده النقدية حول موضوع “استجابة القارئ” منذ بداية السبعينات حتى بداية الثمانينات من القرن الماضي، وهي جهود تتسم بطابعها المعرفي.

وبالرغم من أن نظريته النقدية، التي تقوم على مفهوم “الجماعة التأويلية”، في مرحلته المتأخرة الأكثر نضجا، كما قدمها في هذا الكتاب، مقارنة بمقارباته المبكرة للقراءة ذات المنحى الظاهراتي، تتمحور حول قارئ الأدب، فإنها يمكن أن تشمل متلقي المسرح، وقد ركّز فيها على مفهوم القارئ العليم، أو المثالي (على غرار الراوي العليم في نظرية السرد) الذي يتحدد، أي المفهوم، من خلال الكفاءة اللغوية لهذا القارئ، ومعرفته الناضجة بالدلالات والمعاني، إضافة إلى كفاءته الأدبية.

الجماعة التأويلية

حاول فِش في كتابه، الذي ترجمه أحمد الشيمي، وصدر ضمن منشورات المشروع القومي للترجمة في القاهرة، إقناع القرّاء بتبني مجموعة من افتراضات الجماعة، وذلك لكي يفعلوا ما فعله هو حين يقرأون، وطالبهم بأن يقوموا بإجراء تعديلات على التوقعات وهم يمرون بالنصوص.

وتتكون الجماعة التأويلية، في رأي فِش، من أولئك الذين يشتركون معا في مجموعة من الاستراتيجيات التأويلية التي لا تتعلق بفعل القراءة (بالمعنى التقليدي)، بل بعملية كتابة النصوص وتشكيل سماتها، وتقرير أهدافها.

وفي إطار مفهوم الجماعة التأويلية لا تصبح كل التأويلات المحتملة لنص ما مقبولة، بل يُستبعد بعض منها لأنه يكون خارج إطار الاستراتيجيات التأويلية التي أقرتها المؤسسات الأدبية. إلاّ أن فِش يعتقد بأن هذه المؤسسات، التي تنطوي على جماعات تأويلية، قابلة للتغيير في سياقات زمنية مختلفة. وقد ينتمي القارئ الواحد إلى أكثر من جماعة تأويلية واحدة في حياته المختلفة، لكنه يقارب النص في لحظة محددة في ضوء استراتيجية الجماعة التي ينتمي إليها في تلك اللحظة.

في إطار مفهوم الجماعة التأويلية لا تصبح كل التأويلات المحتملة لنص ما مقبولة، بل يُستبعد بعض منها

وقد يترتب على ذلك بالطبع أن تتغير قراءة القارئ الواحد للنص نفسه مع تغير انتمائه من جماعة تأويلية إلى جماعة أخرى. وهذا يعني أن التغيرات في تأويل النص تعرف الحدود والضوابط، إنها تغيرات محدودة ومحكومة، لأن القارئ ليس طليق اليد تماما في استخدام أي استراتيجية قراءة تحلو له، كما يقول الدكتور عبدالعزيز حمودة في كتابه “المرايا المحدبة”.

ويلتقي فِش، في وضع ضوابط للقراءة، مع أمبرتو إيكو في رفضه التأويل الحر الذي يفتقر إلى ضوابط تأويلية، ولا يحترم مقاصد النص، ذلك التأويل الذي يقوم على بدعة “هرطقة” نقدية خطيرة مفادها أنه يمكننا أن نصنع بالعمل الأدبي ما يحلو لنا، وأن نقرأ فيه كل ما توحي به نزواتنا الأكثر فلتانا من التحكم بها.

 كتب فِش في مقال لاحق بعنوان “عمل الجماعة المسلسلة: التأويل في القانون والنقد الأدبي” عن تلك الضوابط بصراحة “أن المؤولين يقيدهم وعيهم بما يمكن لهم عمله وما لا يمكن، وما يُعقل قوله وما لا يُعقل، وما يمكن سماعه وما لا يمكن كشهادة في مشروع معين، وفي حدود تلك القيود فقط يستطيعون، ويدفعون الآخرين لاستطاعة رؤية شكل الوثائق التي يلتزمون بتأويلها”.

لكن هذا القول يبدو من وجهة نظر عبدالعزيز حمودة متناقضا مع جوهر نظرية التلقي القائم على حرية الفرد في قراءة النص وإعادة كتابته، وذلك لأن المحاذير والضوابط التي يشير إليها فِش “تحول القارئ إلى مجرد مفسر لما هو موجود في النص من ناحية، ثم إن تأويله لا يمكن أن ينجح كما يحلو له لأن جماعة التأويل تحدد له أفقه بحكم انتمائه لها من ناحية ثانية. إنه يتحول إلى مجرد شارح يتعامل مع النص حسب مجموعة من الضوابط والمحاذير”.

إلاّ أن فِش يسوّغ الدور المقيد للقارئ، ويرفض التمييز بين شرح النص وتغييره (أي إبداع نص جديد من خلال تأويله)، مؤكدا أن “شرح نص يعني إبراز شيء فيه لم يكن يوصف به من قبل، أي تغييره عن طريق التشكيك في الشروح التي كانت تغييرات بدورها ذات يوم. إن الشرح والتغيير لا يمكن أن يكونا نشاطين متعارضين، لأنهما نفس النشاطين”.

أعراف القراءة

التغيرات في تأويل النص تعرف الحدود والضوابط
التغيرات في تأويل النص تعرف الحدود والضوابط

لكن هذه المساواة بين مفهوم الشرح ومفهوم التأويل لا يمكن التسليم بها، لأن وظيفتيهما متباينتان، وليستا متعارضتين بالضرورة، فالأول يهدف إلى توسيع النص وتفصيله وتوضيح مقاصد مؤلفه، وإجلاء ما كان غامضا منها، والتعليق عليها متى اقتضى الحال ذلك، فقد يؤلف شخص ما كتابا شديد التلخيص، بحيث لا يتمكن القارئ من إدراك كل الجزئيات التي يقصدها المؤلف، فينبري شخص آخر لشرح هذا الكتاب، كما لو كان يفتحه ويوسع ما بين معانيه، حتى أنه قد يشرح السطر الواحد في صفحة كاملة.

أما التأويل في منظور النقد الأدبي، فإنه، بالرغم من اختلاف المناهج الحديثة في تحديد استراتيجياته، فإنه يهدف إلى تقديم فهم جديد للنص، وبناء معنى محتمل له من خلال قراءة حاذقة، مستبصرة لمعطياته غير المباشرة (الظاهرة)، وفك رموزه، وملء فجواته “والكشف عن العلاقات والترابطات التي لم يُكشف عنها من قبل، أو التي لم يُفكَّر فيها من قبل”، كما يرى الناقد الأميركي جوناثان كُلر، في استقلال عن مقاصد المؤلف، أو نواياه. ولكي يتحقق هذا التأويل فإن المؤول يواجه النص بمجموعة من الإجراءات، كالمحاورة والمساءلة والجدل والمغايرة والمضاهاة والاستنطاق… إلخ.

وبالرغم من أن كُلر قد أعطى دعما عاما لأهداف فِش، فإنه وجّه إلى موقفه انتقادين لاذعين: الأول أنه يخفق في التنظير لأعراف القراءة، أي أنه يخفق في أن يسأل ما الأعراف التي يتبعها القرّاء حين يقرأون. والثاني أن دعواه في قراءة الجمل كلمة كلمة في متوالية زمنية أمر مضلل، فما من سبب للاعتقاد بأن القرّاء يواكبون الجمل فعلا بهذه الطريقة التدريجية المتقطعة. أما رامان سلدن فيسوّغ اعتراضه على مقولة “الجماعة التأويلية”، في كتابه “النظرية الأدبية المعاصرة”، بأننا إذا قبلنا بها فلن نحتاج إلى المفاضلة بين الأسئلة التي تخص النص، والأسئلة التي تخص القارئ، إذ تختفي معضلة الذات والموضوع اختفاء كليا.

وعكس سلدن، ترى سوزان بينيت في كتابها “جمهور المسرح”، أن التحليل الزمني التعاقبي لعملية التلقي في المسرح يؤيد مفهوم فِش للجماعات التأويلية، وتستند إلى تجارب تلقي عروض مسرحية هارولد بنتر “حفل عيد ميلاد”، ففي عام 1958 نتجت عن عرضها الأول ردود أفعال متناقضة من جماعات تأويلية مختلفة، بينما أبرزت تجارب عرضها الثاني عام 1964 أن الاستراتيجيات التأويلية لمتلقي المسرح في لندن قد أعيدت صياغتها وتشكيلها بسبب تيارات الدراما الجديدة.

ويُذكر أن ستانلي فِش مولود عام 1938 في بروفيدنس عاصمة ولاية رود آيلاند شمال شرق الولايات المتحدة، وهو أستاذ جامعي ومؤرخ وفيلسوف أيضا، من مؤلفاته: شعر جون سكيلتون، مفاجأة بالخطيئة: القارئ في الجنة المفقودة، التحف المستلهلكة للذات: تجربة أدب القرن السابع عشر، المعبد الحي: جورج هربرت والتعليم المسيحي، وغيرها.

14