كيف يمكن أن تكون التربية الجنسية "مباحة" لا "إباحية"

خبراء يعتبرون أن إدراج التربية الجنسية ضرورية، بعد صياغة منهجها من قبل اختصاصيين أكاديميين.
الاثنين 2019/11/25
التربية الجنسية تتطلب تخصصا

باتت مسألة إدراج التربية الجنسية ضمن المقررات المدرسية تثير جدلا واسعا، خاصة في البلدان العربية. وظل الحديث عنها سطحيا يكتنفه الغموض نظرا إلى قلة أهل الاختصاص. كما ظلت الإجابة عن الأسئلة المحورية مثل، من سيدرس هذه المادة؟ وما هي الشريحة العمرية المعنية بها أكثر من غيرها؟ كما بقيت طبيعة المادة في حد ذاتها مبهمة.

جعلت حوادث التحرش الجنسي التي عرفتها إحدى المدارس الابتدائية بمحافظة صفاقس (وسط البلاد) العام الماضي، وأتاها مدرس لغة فرنسية يبلغ من العمر 55 سنة، مسألة إدراج التربية الجنسية في المقررات المدرسية تطفو على الساحة من جديد، بعد أن طرحت قبلا ولم تجد صداها، خاصة وأن هذه الحوادث قد خلفت ضررا لـ17 فتاة و3 فتيان، حسب تحريات أولية لوزارة الإشراف.

واختلف التونسيون حول هذه المسألة بين مرحب بها، كون التثقيف الجنسي للأطفال والمراهقين أصبح أمرا ضروريا، وبين رافض لها بتعلة أن الفكرة لا تتناسب مع معتقدات التونسيين وقيمهم، وتمثل مدخلا نحو التحرر والإضرار بالمجتمع.

وقد كشف بحث ميداني قامت به وزارة التربية عن 87 شبهة تحرش جنسي بمختلف أنواعه بالتلاميذ، خلال الفترة الممتدة من غرة أكتوبر إلى 18 مارس 2019، تم على إثره عزل 23 شخصا وتوقيف 21 آخرين عن العمل بصفة مؤقتة، مما زاد في تعزيز الرأي المساند للفكرة.

ولم تقتصر حوادث التحرش على المدارس الابتدائية بل طالت حتى المدارس الإعدادية والمعاهد، وهو ما جعل الوزارة تؤكد منع الدروس الخصوصية للحدّ من احتمالات التحرش والاعتداء الجنسيين، ومنع نقل التلاميذ، خصوصا في التعليم الابتدائي، إلى أماكن خاصة، سواء كانت منازل أو مكاتب أو مستودعات، يجري فيها تلقين تلك الدروس.

وبالرغم من تصريح وزير التربية، حاتم بن سالم، من أنه سيقع بالتنسيق مع وزارة الصحّة النظر في كيفية تدريس مادة التربية الصحيّة والجنسية لفائدة تلاميذ المداس الابتدائية والإعداديات، لتوعيتهم وللحدّ من ظاهرة التحرش والاعتداءات الجنسية التي تطالهم، إلا أن المسألة ظل يكتنفها الغموض، حيث لم يكن تصريح الوزير شافيا ولا ضافيا، فلم يتم التنصيص على من سيدرس المادة، وعلى كيفية تدريسها، ولا على الفئة المستفيدة منها، وظل المشروع مجرد فكرة لم تتسن ترجمتها على أرض الواقع، وتأخرت نوعا ما حسب المتابعين للشأن التربوي.

هذا التأخير في تدريس مادة التربية الجنسية أكدته وزارة الإشراف على لسان ناطقها الرسمي محمد الحاج طيب، الذي أعرب عن أن المشروع ما زال لم ير النور، مشيرا إلى أن الوزارة ما زالت لم تقرر بعد كيفية تدريس المادة، هل ستكون ضمن نواد وأنشطة فكرية أم ضمن الدروس العادية؟

وقال بلحاج طيب لـ”العرب” إن إقرار تدريس هذه المادة رسميا سيكون في إطار إصلاح المنظومة التربوية، مؤكدا أن الوزارة ستخصص ندوة في الغرض.

ومن جهته أكد رئيس الجمعية التونسية للأولياء والتلاميذ، رضا الزهروني، أن التربية الجنسية ضرورية، بعد صياغة منهجها من قبل اختصاصيين بحسب الفصول الدراسية للتلاميذ.

ضرورة إشراك التلاميذ والمربين والأولياء الذين يكون لهم القول الفصل في مسألة أن تكون مادة التربية الجنسية إجبارية أو اختيارية

وقال الزهروني، يجب أن تضم توعية للأطفال ليدركوا معنى الوقاية الجنسية، وهي مسائل متوفرة في الأنظمة التربوية العالمية، مضيفا أن الثقافة الجنسية يجب أن تشمل أيضا الأولياء ليسهروا على وقاية أطفالهم.

ودعا الأطفال إلى المحافظة على أجسادهم والإبلاغ عن أي سلوك غير عادي لمن يختلطون بهم، ملاحظا أن المجتمع التونسي تغير، وأن العديد من العوامل أدت إلى بروز التحرش وغيره، مثل الإنترنت وتطور الوسائل التكنولوجية وانتشار المخدرات.

أما الأستاذ المتخصص في علم اجتماع الجريمة، سامي نصر، فيرى أن تدريس التربية الجنسية في المدرسة مهم، لكن لابد من توفير الأرضية الملائمة لها، فقرار تدريس التربية الجنسية لن يكون سهلا لأن عدد الاختصاصيين في تونس لمثل هذه المواد قليل جدا، ولابد من تدريب اختصاصيين في هذا المجال، وهو ما يتطلب فترة طويلة، مبينا أن الثقافة الجنسية من أصعب المواد التي يمكن تدريسها، ولابد أن تسبقها عدة تدريبات حول كيفية إيصال المعلومات للأطفال.

كما أكد هشام الشريف، المختص في الجنسانية البشرية والباحث في علم الجنس، أن تدريس التربية الجنسية ضروري في المدارس والمعاهد مثل تدريس مواد التاريخ والجغرافيا والرياضيات.

وقال الشريف لـ”العرب” لابد من وضع منهاج مدرسي وتكوين إطارات مختصة في تدريس التربية الأسرية والجنسية طبقا للمواصفات الدولية، وخاصة في المجتمعات العربية، مشددا على ضرورة التخصص والتكوين الأكاديمي.

وأضاف، “الطبيب مثلا لا يصلح أن يكون مدرسا للتربية الجنسية”.

وأردف، هناك من المعايير الدولية ما يمكن الاستعانة بها مثل ما ورد في لجنة حقوق الطفل للأمم المتحدة لعام 2003 (المادة رقم 2، صحة المراقهين) واتفاقية الأمم المتحدة بشأن الأشخاص ذوي الإعاقة (أطفال التوحد مثلا)، وبرنامج عمل المؤتمر الدولي للسكان والتنمية والمؤتمر العربي للمرأة لعام 1972.

وبخصوص مشروع وزارة التربية حول إدراج مادة التربية الأسرية والجنسية في المقررات المدرسية، قال هشام الشريف إن هذا المشروع يشرف عليه أناس غير مختصين، معتبرا ذلك خطأ فادحا.

وتساءل، كيف لوزارة التربية أن تنجز مشروعا كهذا دون مشاركة اليونيسكو؟ وكيف تلتجئ إلى صندوق الأمم المتحدة للسكان عوض اليونيسيف التي رسمت استراتيجية حول التربية الصحية والرفاهة الجنسية؟

وأضاف أنه يجب تشريك التلاميذ والمربين والآباء، الذين يكون لهم القول الفصل في مسألة أن تكون المادة إجبارية أو اختيارية.

وانتقد الشريف مسألة إغفال الوزارة في مشروعها المنتظر لشريحة هامة من الأطفال المتراوحة أعمارهم بين 3 و6 سنوات، وهم الفئة الأهم حسب اعتقاده لأنهم معرضون أكثر من غيرهم إلى التحرش.

ضرورة وجود بيداغوجيا وآليات معينة تكون كفيلة بإيصال المعلومات إلى الأطفال دون خدش للحياء

وشدد على أن تدريس مادة التربية الجنسية يتطلب إطارات مختصة تكون قد تلقت تكوينا لا يقل عن 4 سنوات، مشيرا إلى أن المربّي إذا تلقى تكوينا سريعا لا يمكن أن يصلح لتدريس المادة المذكورة.

كما أكد على ضرورة وجود بيداغوجيا وآليات معينة تكون كفيلة بإيصال المعلومات إلى الأطفال دون خدش للحياء، حتى تكون التربية الجنسية “مباحة وليست إباحية”.

وكشف الشريف لـ”العرب” أنه سيضع، رفقة عدد من الناشطين في المجتمع المدني نهاية شهر ديسمبر القادم، وهم الجمعية التونسية للأولياء والتلاميذ، والجمعية التونسية للقابلات، والجمعية التونسية للتلميذ، والمعهد الكندي للصحة والرفاهة والتربية الجنسية، أساسيات التربية الجنسية في تونس والوطن العربي.

وقال، “إن ذلك سيكون برعاية منظمات حكومية ودولية منها اليونيسكو، والمنظمة العالمية للتربية الجنسية، والجمعية الدولية للصحة الجنسية، وبإشراف وزير التربية حاتم بن سالم، وذلك بغاية تصحيح مسار الوزارة في ما بدأته”.

ولفت الشربف إلى أن مفهوم التربية الجنسية مفقود في المجتمع العربي ماعدا شبه برنامج للتربية الجنسية في فلسطين، واصفا إياه بالإيجابي جدا.

وعبّر عن حق الأطفال والمراهقين في العالم العربي في الوصول إلى قدر كاف من المعلومات الضرورية حول نموهم وقدرتهم الجنسية، داعيا دولهم إلى تزويدهم، إناثا وذكورا، داخل المدرسة أو خارجها، بالمعلومات اللازمة لحماية صحتهم وأجسادهم.

ولم تثر مسألة إدراج التربية الجنسية ضمن المقررات المدرسية، إشكالا في البلدان العربية فقط، فحتى الدول المتقدمة لم تسلم من إثارة الجدل حول هذه المسألة.

فقبل سبع سنوات قام تربويون من مدينة بازل بسويسرا بوضع تصميم لتدريس التربية الجنسية، إلا أن هذا المشروع أثار غضب المحافظين بصفة خاصة. وكان الغضب قد انصب على ما يسمى حقيبة التربية الجنسية، التي احتوت على نماذج للأعضاء التناسلية للذكور والإناث مصنوعة من الخشب والقماش المحشو، وتم توزيعها على المدارس، لكنها ما لبثت أن اختفت.

كما عرفت سويسرا في الأسبوع الثاني من شهر يناير 2018، نقاشا محتدما اتسم بقدر لا بأس به من الإثارة حول التربية الجنسية في المدارس، انطلقت شرارته الأولى من الواقعة التي شهدتها مدينة بازل، وهي رفض المحكمة طلبا تقدمت به إحدى الأسر بإعفاء ابنتها ذات السبع سنوات من حضور دروس التربية الجنسية.

وقد أيّد قضاة ستراسبورغ الممارسة المعمول بها في المدارس السويسرية، التي تنص على وجوب متابعة الأطفال لجميع الدروس دون أي استثناء، وكان ردهم على طلب والدة الفتاة، “يجب على المدرسين الرد على أسئلة الأطفال حول الموضوعات الجنسية بإجابات تتناسب مع الموقف والمرحلة العمرية”.

كما كانت شوارع العاصمة البولندية وارسو وعدد من المدن الأخرى، قد شهدت خروج العشرات من الآلاف في تظاهرات، للاحتجاج على مشروع قانون يجرّم تعليم مادة التربية الجنسية في مدارس البلاد، ويقضي بمعاقبة المدرّس الذي يجرؤ على ذلك بالسجن حتى ثلاثة أعوام.

21