كيف يمكن أن نطوّع التكنولوجيا لخدمتنا وحماية علاقتنا بالآخرين

على الرغم من كونها مجرد وسائل تقنية صغيرة الحجم يمكننا أن نضعها في جيوبنا أو حقائبنا الصغيرة، إلا أن الهواتف الذكية تلعب دورا محوريا في حياتنا وفي طريقة تعاطينا مع العالم الخارجي.
الأربعاء 2018/05/02
مواقع التواصل الاجتماعي تعمق الهوة بين الأفراد وواقعهم

مع تجاوز نسبة من يمتلكون الهواتف الذكية في أغلب الدول المتقدمة 70 بالمئة من حجم عدد السكان، فإن عناوين الصحف والدراسات الاجتماعية تؤكد أن التقنية أفسدت حياة جيل بأكمله، كما مزقت الروابط الاجتماعية.

إلا أن أسوأ ما في الأمر أن إحدى نتائج استخدامها المفرط من قبل جيل الشباب، أنها أصبحت مسؤولة عن مزاجهم السيء وساعدت في تزايد موجات القلق والاكتئاب وهذه بالذات من أبرز عوامل التباعد الاجتماعي الواقعي، في حين تسهم مواقع التواصل الاجتماعي الافتراضية في تعميق الهوّة بين الأفراد وواقعهم الحقيقي، وهو ما يؤدي إلى تجاهل الآخرين في محيط اجتماعي واقعي ثم تعاظم الشعور بالوحدة والاكتئاب. هذه هي الدائرة المغلقة التي مازلنا ندور ضمن نطاقها ولا نعلم متى نتوقف، حتى يتسنى لنا التقاط أنفاسنا على الأقل.

وفي المقابل، يمكننا أن نطوّع هذه التقنية في خدمة أنفسنا وحماية علاقتنا بالآخرين بطريقة تجعلنا نحكم السيطرة على تفاصيل حياتنا، من دون أن نسمح للهاتف الذكي بإفسادها.

وفي هذا الإطار، تؤكد الدكتورة تشكي ديفز؛ مستشارة وباحثة في مجال التقنية التي تقدم الرفاهية لمستخدميها، أننا نستطيع أن نوظف التقنية من أجل سعادتنا ورفاهيتنا على ألا نسمح لها بإفساد علاقاتنا الاجتماعية بأي شكل من الأشكال.

وتضيف ديفز أنه مع التطور التقني المتواصل بدأ الهاتف الذكي يسحبنا تدريجيا من حياتنا الواقعية لما يقدمه من إغراءات وخدمات لا عد لها ولا حصر، ولأن ساعات اليوم محدودة فإن اتصالنا المكثف بأجهزة التقنية قد سرق من نصيب علاقاتنا في العالم الواقعي، بل يكاد يقضي عليها تماما ويمتد تأثيره السلبي إلى حياتنا العملية والأسرية أيضا.

وترى أن الدراسات الحديثة في هذا المجال توضح بأن أفضل ما يمكن أن نفعله لصد زحف التقنية، هو بناء علاقات اجتماعية قوية كأفضل ما يمكننا فعله لصحتنا العقلية والنفسية، إذ أن التفاعل الاجتماعي وجها لوجه كلما أمكننا ذلك، يمكنه أن يحسن مزاجنا ويقلل من حدة العوارض النفسية الأخرى كالاكتئاب والقلق.

ويفضل أن يتم توسيع هذه العلاقات لتشمل ارتياد المؤسسات الاجتماعية والترفيهية، إضافة إلى التصدي للعمل العام ودعم المؤسسات الخيرية.

الهواتف الذكية تعمل على تحطيم علاقتنا بأطفالنا، حيث تحد من قدرتنا على التواؤم مع بعضنا البعض

وتشير نتائج بعض الدراسات إلى أن عددا  كبيرا من أفراد العينة المشاركين في هذه الدراسات، أكدوا أنهم يميلون إلى استخدام الهاتف لتجنب الاتصال بالآخرين وجها لوجه، في حين أشار عدد أقل من ذلك بكثير إلى أن تفضيلهم لاستخدام الهاتف يسهل عليهم التواصل مع أشخاص يقعون ضمن دائرتهم الاجتماعية؛ اختصارا للوقت والجهد خاصة إذا لم يسعفهم الوقت لمغادرة المنزل بسبب مسؤوليات أو مرض.

في حين يصبح استخدام الهاتف أثناء اللقاءات والتجمعات والحوارات التي تتم في ملتقيات اجتماعية مختلفة، أمرا غير مقبول ويعده الكثير من الأشخاص خرقا لقواعد الأصول والذوق العام. فاستخدام الهاتف أثناء الحديث مع الآخرين وجها لوجه أو أثناء المشاركة في مناسبة اجتماعية خاصة إذا كان عدد الأشخاص محدودا، يوحي للآخرين بعدم الاحترام وبأنهم ليسوا موضع ترحيب، وليس في لقائهم أو حديثهم ما يوحي بالأهمية أو أن صحبتهم مملة.

فيما قد يتصور البعض بأن الشخص الذي يستخدم هاتفه بكثرة بأنه على اتصال بأناس حاضرين ضمن المناسبة أو اللقاء الاجتماعي نفسه، وربما يود أن يتحدث مع شخص معين بصورة سرّية أو خاصة من دون أن يلحظه الآخرون. ولعل مثل هذا السلوك قد يعطي انطباعا سيئا عن هذا الشخص وربما لن يكون في موضع ترحيب في المرة المقبلة. ومع هذا، تقول ديفز إن معظم الناس مازالوا يستخدمون هواتفهم أثناء المناسبات الاجتماعية وكلهم ثقة بأن انشغالهم بها لبعض الوقت لا ضير فيه، ولن يؤثر في حجم مشاركتهم في حوارات ونشاطات المجموعة على الرغم من أن العكس هو الصحيح؛ فالضرر من استخدام الهاتف باستمرار ومن دون مراعاة لمشاعر الآخرين، يقدم صورة سيئة عن صاحبه ويؤثر بصورة سلبية في حياته بصورة عامة.

ليس هذا فحسب، بل إن بعض الدراسات ذهبت إلى أبعد من ذلك، حين أظهرت نتائجها أن مجرد وجود الهاتف من ضمن مقتنيات صاحبه وهو يحمله في مكان يفترض أن تعقد فيه مناسبة اجتماعية ما، هو مدعاة إلى انزعاج الآخرين حيث يظهر وجوده على طاولة بين شخصين وأكثر قلة التعاطف والثقة بينهم، إذ أن القدرة على الحضور والانتباه والاستماع باهتمام للآخرين هي المفتاح لبناء علاقات ثقة وارتياح وصداقة معهم، لكن الأمر يصبح عسيرا مع تواجد الهاتف الذكي ضمن هذا المشهد الاجتماعي، وكأن هذه القطعة التقنية فائقة التطور تعمل بقوة جذب ما خفية ومراوغة للتدخل في مسرى العلاقات بين الناس، فتعكر صفوها وتجرح تلقائيتها.

ومن جانبها، ترى الدكتورة تريسي دينيس؛ أستاذة علم النفس في كلية هنتر، جامعة سيتي في ولاية نيويورك الأميركية، أن الهواتف الذكية تعمل على تحطيم علاقتنا بأطفالنا أيضا، ويأتي هذا على المستوى العاطفي والاجتماعي حيث تحد من قدرتنا على التواؤم مع بعضنا البعض، في الوقت الذي تتسبب فيه في انخفاض مستوى المشاعر الإيجابية للأطفال وقلّة تفاعلهم مع الألعاب التقليدية، وبالتالي تعطيل خاصية الاستكشاف والفضول التي يظهرها الطفل عادة في طريقة لعبه.

ولمعرفتنا بأن استخدام الهاتف وبقية الأجهزة الرقمية في حياتنا اليومية أصبح أمر لا مفر منه، يتوجب علينا معرفة أفضل الطرق لاستخدامها وتوظيفها لخدمة حياتنا من دون أن تفسدها، كما يقع ضمن مسؤولياتنا تعليم أبنائنا كيفية تطويع التقنية الحديثة لتعزيز روابطهم الاجتماعية بدلا عن تقويضها.

21