كيف يمكن إدارة حوار غاضب بين الآباء والمراهقين

"المراهق الغاضب"، اصطلاح متعارف عليه في الأبحاث النفسية والاجتماعية يستخدم غالبا لتقييم علاقة المراهق بأفراد أسرته ومحيطه عموما، إلا أن الوالدين من جانب آخر يمكن أن يكونا غاضبين بسبب هذا النوع من العلاقات ولعدة أسباب يتمثل أحدها في محاولة امتصاص غضب المراهق كرد فعل لا غير.
الأربعاء 2015/06/24
فتح باب الحوار مع المراهقين من أكثر الأسباب التي تغضب الوالدين

فجأة تتحول الفتاة أو الصبي الوديع إلى كتلة من المشاعر المعقدة والعنيفة، عند أول مواجهة تحدث مع الآخر سواء كان هذا الآخر أبا حريصا أو غريبا مستطرقا، ليجابه (كلهما) بوابل من ردود الأفعال الغاضبة وغير المبررة أحيانا، يستثمرها المراهق كوسيلة للدفاع عن وجوده وكيانه الذي تبلور لتوه.

الغضب حسب تعريف علماء النفس، هو جزء من نظام الوعي العاطفي يستخدمه الشخص السوي لجلب الانتباه أو كرد فعل لسلوك مقابل غير مقبول أو غير مفهوم. وعلى الرغم من أن الغضب يأتي ضمن قائمة المشاعر الإنسانية غير المحببة، إلا أن وظيفته المهمة تكمن في تنبيه الأفراد إلى خطر محتمل، تطمين مشاعر الحزن التي تتسبب فيها الخسارة وخيبة الألم، إضافة إلى مجابهة الإحباط المتولد من ردود أفعال الآخرين، وهو رد طبيعي على الظلم والإهانة.

ويرى الدكتور كارل بيك هارديت، أستاذ علم النفس وعضو الجمعية النفسية في ولاية تكساس الأميركية، أن الحوار الغاضب بين الأهل والمراهقين قد لا يكون بهذا السوء إذا تمت إدارته بطريقة مفيدة وغير هدّامة؛ فالمراهق يوظف غضبه للدفاع عن حرية خياراته وتفرده واستقلاله، في حين يستخدم الوالدان الغضب لكبح جماح هذه الحرية عندما تتجاوز حدودها لغرض تحويرها في الاتجاه الصحيح والآمن، ولهذا كثيرا ما يسمع الأهل عبارات معتادة من أبنائهم المراهقين مثل؛ “أنتم لا تسمحون لي بفعل أي شيء، وتبالغون في حرصكم” أو “لماذا يتوجب عليّ فعل ذلك؟”.

يستخدم الوالدان الغضب لكبح جماح حرية المراهق عندما تتجاوز حدودها لغرض تحويرها في الاتجاه الصحيح والآمن

أما الأسباب التي تجعل الوالدين غاضبين على أبنائهم فهي كثيرة؛ حيث يغضب أغلبهم بسبب عصيان المراهق لأوامرهم وتمرده على قواعد العيش في المنزل واحترام آراء الكبار. وينصح المختصون الأهل بعدم الاستسلام لمشاعر الغضب والسماح للأبناء بكسر هذه القواعد بين الحين والآخر، شرط تحمّل النتائج الوخيمة المترتبة عن ذلك، في حين أن التغيير في مظهر أو سلوك المراهق بحكم مرحلة النمو هذه قد يثير غضب الأهل، خاصة إذا عبّر عنها المراهق أو المراهقة بطريقة مبالغ فيها، لهذا ينصح متخصصون في علم النفس التربوي الأهل بضرورة التعامل بدقة وهدوء مع هذه الحالات ومحاولة تقبل ردود فعل المراهق بالحوار ومد جسور التفاهم، مع وضع معايير جديدة وحدود مقبولة للتغيير بما يناسب الطرفين.

أما فتح باب الحوار مع المراهقين فهو من أكثر الأسباب التي تغضب الوالدين، حيث يميل الأبناء إلى استخدام أسلوب المماطلة وعدم الرغبة في مواصلة النقاش، الذي يبدو غير مجد من وجهة نظرهم، وبدلا من تصعيد مستوى الغضب يتطلب الأمر من الأهل في المقام الأول بعض التفهم والتعاطف وإفساح المجال للأبناء لإبداء آرائهم في موضوع النقاش، ومحاولة تقريب المسافات في الآراء المطروحة لأن التعنّت ومحاولة فرض الآراء بصيغة الأمر، من شأنه أن يولد ردود أفعال سلبية من قبل المراهقين، بل ويشجعهم على التمرد ومخالفة العرف.

ويرى كارل هارديت في كتابه “كيف توجه طفلك إلى حياة سعيدة وناجحة”، بأن الأهل يمكنهم أن يتعاملوا مع كذب المراهقين بصورة حذرة إذ أن هذا الكذب قد يخلق علاقة من عدم الثقة بين الطرفين فيصبح من الصعب التعامل مع متطلبات الأبناء وربما يعمق الفجوة في إمكانية التفاهم على الحلول المطروحة، وبدلا من ذلك يمكن للآباء محاولة كسب ثقة أبنائهم بتشجيعهم على البوح بمشاعرهم ورغباتهم وتوجهيهم في الاتجاه السليم والابتعاد عن سوء معاملتهم أو عقابهم عند ارتكاب الأخطاء.

التغيير في مظهر أو سلوك المراهق قد يثير غضب الأهل، خاصة إذا عبر عنها المراهق أو المراهقة بطريقة مبالغ فيها
إذ أن إظهار سلوك غاضب لا يؤدي إلى نفع عدا كونه يعزز من غضب المراهق نفسه ونقمته على الأهل وتمرده على النظام. وعندما يوّلد الغضب العقاب، فإنه قد يجعل ردود فعل الأهل خارجة عن السيطرة ومبالغا فيها، كما أنه يؤدي إلى الشعور بالندم لاحقا إذا ما تسبب هذا العقاب في أذية الأبناء دون وجه حق، وبالتالي فإن المراهق قد لا يعي سلوكه الخاطئ الذي استدعى هذا العقاب، لأن الغضب السريع والعنيف على موقف مباشر قد يضيّع الفرصة على الشخص مقابل التحقق جيدا من أسباب هذا الغضب. لذلك يتوجب على الوالدين، إذا ما وقعوا في شرك هذا الانفعال الخاطئ، أن يتبعوه بتوضيح الأسباب ويعبرون عن رغبتهم في تقويم السلوك غير المرغوب فيه مع أبنائهم، ويفضل أن يعقبه اعتذار صريح الأمر الذي يعزز من ثقة المراهق بنفسه وربما يدفعه إلى محاولة تصحيح سلوكه الخاطئ إذا تم عن قناعة.

من جانب آخر، يتوجب على الأهل التعامل بحذر مع مشاعر الإحباط والحنق التي تتولد لدى المراهق بسبب التعبيرات والردود العنيفة التي تصدر عنهم في حالات الغضب الشديد، وأن يضعوا مصلحة الأبناء في المقام الأول، فالاستسلام لمشاعر الغضب ليس في مصلحة أحد، حيث يتوجب السيطرة على المشاعر الذاتية وترويضها حتى لا تتسبب في تهويل المشكلة وتستدعي ردود فعل مشابهة.

21