كيف يمكن التعامل مع الجهاديين دون استئصالهم.. درس من الأردن

منذ الحادي عشر من سبتمبر 2001 دفعت الولايات المتحدة بكل حلفائها في اتجاه منع الإرهابيين من إطلاق هجمات إرهابية أو مساعدة آخرين يمكنهم فعل ذلك. وضاعف الرئيس دونالد ترامب مقاربته داعيا الحلفاء إلى طرد أي إرهابي من أراضيهم. لكن، يعقوب أوليدرت، الباحث بمعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، يجادل بأن سياسة “صفر تسامح” “غلطة”، فيما يقدم التجربة الأردنية كمثال يحتذى به للبحث كيف يمكن لبلد أن يتعامل مع معضلة الجهاديين داخل البلاد دون الحاجة إلى استئصالهم.
الأربعاء 2017/07/19
التحرك في حدود

عمان - عندما اهتزت لندن ومانشستر على وقع عمليتين إرهابيتين، لم تفصل بينهما سوى أيام قليلة، كانت الحرب على الإرهاب، والممثلة أساسا في تنظيم الدولة الإسلامية، على أشدها في العراق. الأمر الذي يذكّر بأن الانتصارات التي تتحقق على تنظيم الدولة الإسلامية لا تعني الانتصار على الإرهاب. فحتى لو فقد الأرض يمكن لداعش أن يستمر في التنفس.

يدعو هذا التعارض إلى التفكير في حلول موازية، إلى جانب الانتصارات العسكرية، لا إلى القضاء على الجهاديين، لأن ذلك أمر صعب، وأثبتت الحرب على القاعدة، والتدخل العسكري في أفغانستان فشله. في المقابل يقدّم يعقوب أوليدرت، الباحث في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، رؤية مختلفة يرى أنها يمكن أن تكون ذات فائدة وتساعد على إدارة الجهاديين.

استمد أوليدرت فكرته، التي عرضها ضمن دراسة نشرت على مدونة لوفير، التي تعنى بقضايا الأمن الداخلي الأميركي، من التجربة الأردنية في التعامل مع ملف الجهاديين وتطويع التهديد لصالح الحفاظ على الأمن القومي الداخلي. يقول يعقوب أوليدرت إن “تقدم الحملة العسكرية لدحر تنظيم الدولة الإسلامية من معاقله وتواصل التدخل الأميركي في أفغانستان دون وجود نهاية في الأفق، قد يجعلان صانعي السياسات يحسنون صنعا بالتفكير في حقيقة أنه مهما فعلت الولايات المتحدة وحلفاؤها سيبقي الجهاديون على بعض الحضور في بعض الأماكن. والحل هو أنه باستطاعتنا احتواء المشكلة، والأردن يعطينا دروسا في كيفية فعل ذلك”.

نجاح أردني

توحي تجربة الأردن مع مشكلته الجهادية الداخلية بوجود وضعيات يمكن فيها السماح للجهاديين بالحفاظ على حضور في مناطق تحت المراقبة والسيطرة المشددة للحكومة المركزية في خدمة المصلحة والأمن الوطنيين، مع التحذير من أن مكان وكيفية فعل ذلك هما ما يصنعان الفرق بين النجاح والفشل.

بالرغم من أن الأردن لم يحل مشكلته الجهادية، إلا أنه أوجد نوعا من الاستقرار في نطاق سياق جيوسياسي متقلب وحسّاس

وللتوضيح من البداية لا يجب أن يفهم من “التسامح” مع بعض الجهاديين على أساس السماح لهم بالسيطرة على الأراضي أو التمتع بملاذات آمنة. بدلا من ذلك تقول الفكرة إن حضورا للجهاديين تحت رقابة الدولة يضمن بألا يتحولوا إلى تهديد أمني للبلد، وفي الوقت نفسه تجنب الموارد الحكومية بعيدا عن التهديدات الأخرى التي تتطلب الاهتمام.

ومثله مثل الكثير من البلدان العربية، وجد الأردن محورا جهاديا داخليا متنامي الأهمية بعد عودة ما يسمى “العرب الأفغان” (أولئك الذين سافروا إلى أفغانستان للقتال أثناء الغزو السوفييتي) إلى بلدانهم الأصلية.

أحدث الجمع بين الظروف (حضور جهادي وسط بيئة حساسة سياسيا) ضغطا على أولئك الذين يدخلون معترك التوجهات الإسلامية من أجل نبذ العنف والتطرف. ويطرح يعقوب أوليدرت كمثال على ذلك شخصية محمد نصرالدين الألباني، وهو أحد المفكرين السلفيين الأوائل في العالم في القرن الماضي.

بعد أن كان الألباني معروفا بمواقفه المتشددة (وهو السبب الذي أدى إلى طرده من سوريا والمملكة العربية السعودية)، أصبح هذا الرجل داعية متحمسا في دعوته للتراجع عن العنف والنشاط السياسي خلال سنواته الأخيرة في الأردن. وطلابه الذين ترك بعضهم الإسلام السياسي للإخوان والتنظيمات العنيفة لينضموا إلى قضيته لهم وزنهم على الساحة العامة ضد الجهادية.

ولا يمثل هذا صدا منيعا ضد العنف إذ أخذ الأردن نصيبه من الهجمات الإرهابية في السنوات الأخيرة. إضافة إلى ذلك يستمر المنظرون الجهاديون في العيش بالأردن ونشر أفكاره. لكن الأردن ليس معرضا للهجوم من قبل هؤلاء الجهاديين داخل حدوده (باستثناء تنظيم الدولة الإسلامية). ولا يستهدف أغلب الجهاديين المقيمين في الأردن المملكة في حد ذاتها مفضلين التركيز بدل ذلك على أهداف خارجية مثل سوريا.

يوحي التضارب بين البروز العالمي للجهاديين الأردنيين وهدوئهم النسبي داخل البلاد بأن قوات الأمن الأردنية تمكنت من خلق سياسة مستدامة تخص الجهادية داخل حدودها وتتيح الرد بسرعة عندما يمثلون تهديدا للأمن الوطني. لكن في الوقت نفسه تستطيع التعويل على الجهاديين للحصول على المعلومات المهمة حول الخطط المستقبلية والاتجاهات العالمية.

وبعبارة أخرى، يكون ذلك من خلال المراقبة المستمرة لتحركات كل من المفكرين والنشطاء الجهاديين (مع تسليط العقوبات عند الضرورة، لكن مع تجنب المقاربات القصوى) ويبدو أن أجهزة أمن الدولة تمكنت من تحويل الجهاديين المحليين إلى بيادق داخل بنيتها التحتية المحاربة للإرهاب، وفق تحليل يعقوب أوليدرت.

ويضيف أوليدرت أنه وبالرغم من أن الأردن لم يحل مشكلته الجهادية، وبالرغم من أن تاريخ البلد فريد من نوعه في تفريخ مجموعات جهادية بالإضافة إلى هشاشته الظاهرة، إلا أن الأردن أوجد نوعا من الاستقرار في نطاق سياق جيوسياسي متقلب وحسّاس. ويقتبس يعقوب أوليدرت لتفسير هذه الرؤية من قراءة قدمها نسيم نيكولاس طالب وغريغوري ترفرتون في مجلة فورين أفيرز بعنوان “الهدوء الذي يسبق العاصفة: لماذا يدل التقلب على الاستقرار والعكس بالعكس”.

يعقوب أوليدرت: الأردن أكثر دولة مستقرة فيها حضور جهادي في الداخل

استقرار وهمي

يبحث طالب وترفرتون في الاتجاهات لدى الحكومات العربية أثناء الانتفاضات العربية. ويتساءل الكاتبان لماذا تحولت سوريا التي كانت تبدو مستقرة إلى نظام هش، في حين برهن لبنان الغارق دوما في الاضطرابات على الكثير من الصلابة إلى حد الآن. يأتي الجواب بوضوح ليفسر أن سوريا ما قبل الحرب الأهلية لم تكن تظهر إلا استقرارا زائفا إذ كانت واجهتها الهادئة تخفي نقاط ضعف هيكلي عميق.

ومن المفارقات أن الفوضى في لبنان كانت علامة على القوة إذ ساعدت الحرب الأهلية على لامركزية الدولة وأتت بهيكلة حكم تتقاسم فيه جميع الطوائف السلطة. هذا إضافة إلى صغر حجم البلد واقتصاد السوق الحرة المعتمد. وهذا يتناقض مع الوضع في سوريا حيث سعى حزب البعث الحاكم إلى السيطرة على التنوع الاقتصادي مع اعتماد صلابة الهيكلة على الطراز السوفييتي مما جعل سوريا (والعراق، الدولة البعثية الأخرى) أكثر عرضة للقلاقل من لبنان. وتتمثل أكبر نقطة ضعف في سوريا في أنها لم تمر بتجربة التعافي من حالة اضطراب سابقة وذلك لأن البلدان التي تجاوزت حالات سابقة من الفوضى عادة ما تكون محصّنة ضد حالات مماثلة في المستقبل. ومن ثم يصل طالب وترفرتون إلى استنتاج أن أحسن مؤشر عن الاستقرار المستقبلي لبلد ما ليس الاستقرار السابق بل التقلب المعتدل في الماضي القريب نسبيا.

وبالنسبة إلى الأردن، وبالرغم من أنه قد يبدو بلدا هشا تحيط به عدة عناصر من عدم الاستقرار السياسي، فهو في الحقيقة قام بتطوير التجارب والمؤسسات والمسارات ليكون أكثر دولة مستقرة فيها حضور جهادي بالداخل. هنا يمكن للتجربة الأردنية أن تقدم دروسا عن كيفية تعامل الولايات المتحدة مع الشبكات في الخارج. وبالتحديد تفيد هذه التجربة بأن طرد الإرهابيين من الأرض ليس ضروريا لهزمهم، بل تحديد أي مناطق جغرافية يمكن حصرهم فيها وما هي الظروف التي يمكن في إطارها (مثل الحالة الأردنية) صنع الفارق بين تشكيلهم للخطر من عدمه.

الشيء الذي قدر الأردن على فعله هو تحديد العتبة التي تصبح فيها الجهادية خطرا على الأمن الوطني، وبالمثل على الولايات المتحدة وشركائها الآن أن يفعلوا ذلك هم أيضا كجزء من الاستراتيجية الجديدة لهزم تنظيم الدولة الإسلامية. إن الحقيقة الأساسية المتمثلة في أن للجهاديين حضورا في الشرق الأوسط لا يعني بأنهم مجندون أو محفزون جميعا لشن هجمات. ومثلما هو الحال في الأردن فإن مراقبة تحركاتهم بانتباه يوفر رؤية أوضح عبر اتصالاتهم ويجهز قوات تطبيق القانون تدفقا متواصلا للمعلومات الموثوق بها لجعل جهودهم أكثر فاعلية.

على أساس أنه من المستحيل القضاء على كل إرهابي موجود حاليا أو يمكن أن يوجد في المستقبل، تضمن هذه المقاربة التي تركز على الدفاع عن الأمن الوطني تحقيق مفهوم واقعي لإلحاق الهزيمة دون تضييع الموارد أو تحويلها عن تهديدات أخرى تتطلب الاهتمام.

وبالنسبة إلى تنظيم داعش من الواضح أن بعض المعاقل الترابية في الشرق الأوسط لها أهمية أساسية في تخطيطها للعمليات الإرهابية وتستحق الاهتمام العسكري.

لكن بخلاف هذه المناطق التي يعرف عنها أنها تكتسب قيمة خاصة لدى الجهاديين، يمكن للجيش أن يعرف إلحاق الهزيمة (وبخاصة في المناطق التي لا توجد فيها حكومة شريكة) على أنها تحقيق درجة من الاستقرار الإقليمي الذي يضم حضورا محيّدا للجهاديين. وحتى في مناطق لا توجد فيها حكومة شريكة أو بيئة دولة مستقرة، يمكن تحييد الجهاديين عن طريق الصراع داخل التنظيم أو مع مجموعات منافسة، مثلما هو الحال في سوريا.

6