كيف يمكن تفسير عودة التعصب الديني إلى الواجهة

الفيلسوف جاكوب ركوزينسكي: آن الأوان للديانات التوحيدية اقتسام الوعد بإعطاء كل واحدة المكانة نفسها.
الاثنين 2021/09/13
مفاهيم جديدة لفهم الظاهرة الجهادية

حاول الفيلسوف الفرنسي المعاصر جاكوب ركوزينسكي في كتابه “الجهادية عودة القربان” تفكيك الخطابين الغربي والإسلامي الخاصّين بالظاهرة الجهاديّة ومعالجتها بطريقة فلسفية حيث سعى من خلال ذلك لإعادة توضيح هذه المفاهيم على غرار الإرهاب.

القاهرة- كيف يمكننا فهم الظاهرة الجهاديّة؟ كيف نؤوّل عودة تعصّب ديني، كان يبدو أنّه ينتمي إلى ماض سحيق، إلى عصرنا المستنير؟ أَهو مؤشر على عودة الدين أم إلى قسوة وعنف بائدين يعودان عبر الديني؟ هل الديانات عنيفة بالضرورة وميّالة إلى التعصّب أم هل تبلورت هي بدورها من أجل مقاومة عنف بدئي وتحييده واحتوائه عبر بعض الطقوس؟ هل الديانات “أفيون الشعوب”، بمعنى أيديولوجيّات مخادعة تخدم القامعين، أم هل هي تحتضن أحيانا تمرّد المضطهدين بمنح معنى لمعركتهم وخلق أفق لها؟ أَتنحصر في أوهام بسيطة أم تحتوي على جانب من الحقيقة؟

تشكل هذه التساؤلات جانبا مهما من محاولة الفيلسوف الفرنسي المعاصر جاكوب ركوزينسكي في كتابه “الجهادية عودة القربان” تفكيك الخطابين الغربي والإسلامي الخاصّين بالظاهرة الجهاديّة ومعالجتها بطريقة فلسفية جلية؛ حيث يعمل، في الكتاب الذي ترجمه كل من يونس الزواين وعبدالحق بكمنتي والصادر عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود، على إعادة تعريف المصطلحات المتداولة ومفهمتها في التحاليل الإعلاميّة والأمنيّة والأبحاث الأكاديميّة كمدخل أساسي لتناول الوقائع بطريقة علميّة.

يرى ركوزينسكي أنّ رفض طرح هذه الأسئلة يؤدّي إلى الامتناع عن فهم ما يجري اليوم في العالم الإسلامي؛ إذ إنّ هؤلاء القتلة الذين نصوّرهم عدميين، يعني الأشخاص الذين لا يؤمنون بأيّ شيء، يقدّمون أنفسهم بوصفهم مؤمنين ومخلصين للإسلام قبل كلّ شيء. فباسمه يتصرّفون وبإحالتهم على القرآن والحديث يدّعون تبرير جرائمهم. لماذا لا نأخذ أقوالهم على محمل الجِدّ عندما يقدّمون أنفسهم “جنودا للدولة الإسلاميّة”، أو حين يعلنون أحيانا، كما فعل الأخوان كواشي “kouachi”، “أنّهم يريدون أن ينتقموا للرسول”؟ لماذا ننسب إليهم دائما حوافز أخرى ليس لها أيّ بُعد ديني؟ على الرغم من تجذّرها في نوع من الضائقة الشخصيّة أو المعاناة الاجتماعيّة، من المهمّ الانتباه إلى كون هذه الحوافز تتمظهر بصيغة دينيّة، وأنّ عليها أن تتأسلم لتتبدّى. وأسلمة الغضب والتمرّد والكراهية هذه لا يمكن أن تكون نتيجة المصادفة؛ إذ يتعيّن أن يكون في الإسلام بعض الخصائص التي تسمح للجهاز الجهادي بخلق أتباعه.

جاكوب ركوزينسكي: المفاهيم التي نستعملها لفهم الظاهرة الجهادية غير ملائمة

يوضح ركوزينسكي: علينا التساؤل عمّا إذا كانت النظريّات والمفاهيم، التي نستعملها لفهم الظاهرة الجهاديّة، غير ملائمة، وخصوصا مفهوم ‘الإرهاب’. ولعلّ الفرصة قد آنت لمساءلة هذا المفهوم الزئبقي. ليست هذه المهمّة بالسهلة؛ إذ إنّ الحمولة الوجدانيّة التي ينقلها قويّة. يكفينا التلفظ به لنستحضر فورا صورا لا يمكن تحمّلها لأجساد تمّ التمثيل بها أو حرقها… فكلمة إرهاب ترهب بذاتها، وحالةُ الذهول التي تولّد تميل إلى تعطيل أيّ تفكير في ما يمكن أن تعنيه.

مفاهيم غير ملائمة

لنلاحظ بدءا هذا الشذوذ عن القاعدة: تصف اللاحقة اللاتينيّة “isme” عموما عقيدة سياسيّة أو فلسفيّة أو دينيّة يُشهر مناصروها انتماءهم إليها بطريقة علنيّة، غير أنّه لم يسبق قطّ لأيّ حركة أن عرّفت نفسها بنفسها بكونها “إرهابيّة”.

فحتى عندما يعلن بعضهم بطريقة صريحة رغبته في إرهاب الأعداء، وهذا حال الجهاديين، فهم يواصلون تسمية أنفسهم بأسماء مختلفة: محاربين أو مناصرين أو مقاومين أو مناضلين ثوريين أو “جند الخلافة”. بخلاصة، “الإرهابي” دائما هو الآخر، العدوّ الذي نحاربه. لشبه المفهوم هذا وظيفة جداليّة صرفة؛ إذ ليس له أن يشرح، بل أن يدين فقط. لكن ما قيمة كلمة ملتبسة كهذه إلى درجة إمكان إلصاقها على النحو نفسه ببن لادن وجون مولان ونيلسون مانديلا؟

ويتساءل “من له المصلحة في تسمية معارضين بـ’إرهابيين'”؟ ويجيب “إنّهم أولئك الذين يحتكرون العنف الشرعي في منطقة محدّدة؛ أي الدول التي تلجأ إلى هذه الكلمة لإدانة حركات غير حكوميّة تنازعها ذلك الامتياز”.

تتعدّد الحركات المقاوِمة التي تصارع احتلالا خارجيّا أو نظاما قمعيّا أو شموليّا، والتي تدينها الدولة المقاوَمَة باسم الإرهاب. ولا تستعمل هذه الكلمة على العكس عادة لوصف الإرهاب الاضطهادي الذي تمارسه هذه الدول نفسها. ورغم ذلك نحن نعرف أنّها لم تتردّد قط في إرهاب الشعوب التي تريد السيطرة عليها. هناك إذا نوعٌ من الترهيب لا يمكن فصله عن واقع سيادة الدولة.

لكنّ هذا لا يعني أنّ بإمكان أيّ سلطة سياديّة أن تكون بالضرورة “إرهابيّة”. إن وقع أن قامت دولة ما بإطلاق العنان للترهيب، فذلك يتعلّق بسيادة متأزّمة تتوق للتجدّد أو بسيادة ناشئة تصبو إلى إثبات ذاتها.

يمكن للمرض الذي يعانيه الإسلام أن يكون قد جاء من بعيد على الرغم من ذلك: من المكانة التي يحتلّها في تاريخ الوحي الإبراهيمي

ويشير ركوزينسكي إلى أنه رغم ذلك علينا تجنّب الخلط بين كلمتي “ترهيب” و”قسوة”. تستتبع استراتيجيّات الترهيب تلك غالبا قسوة بالغة؛ أي قسوة التعذيب والترحيل والإعدام الجماعي. لكنّ فوكو أظهر لنا أنّ نوعا من القسوة يرافق الممارسة الطبيعيّة للسلطة السياديّة هي الأخرى؛ ويشهد على ذلك ما يُسمّى بـ”بريق التعذيب”؛ أي تلك الاحتفالات الهمجيّة التي كان ملوك الماضي يحفرون خلالها رموزهم على الأجساد الممزّقة.

غير أنّ هذه الممارسات التوبيخيّة تبقى نادرة وفي علاقة بسياق ضيّق خلافا لمراحل الترهيب المتعلقة بالعصر الحديث، التي يمكنها أن تمتدّ دون حدود. كلّ شيء يحدث إذا كما لو أنّ “الدولة الإسلاميّة”، داعش، استدعت هذين الخيارين في الوقت نفسه؛ أي استراتيجيّة حديثة للترهيب الجماعي واستعراضا كلاسيكيّا للتعذيب. عندما يقوم جلّادوها بتصوير احتضار الضحايا لنشرها على الشبكة العنكبوتيّة، فإنّ داعش يتوق في الآن نفسه إلى ترهيب أعدائه ورعاياه، وإلى تكريس قوّته ذات السيادة في ذهن الجميع. وهو يختلف في هذا عن أنظمة القرن الماضي الشموليّة التي كانت تقتل في صمت وسرّيّة.

ويتابع أن كلمة إرهاب تبدو لهذا السبب غامضة أو غير متمايزة، أي أنّها تمحو كلّ تمييز بين أنواع متعدّدة من الاستراتيجيّات والممارسات، ومقيَّدَة بشكل كبير؛ إذ لا تنطبق على الترهيب الذي تمارسه الدولة. وتُضاف إلى هذه الصعوبة صعوبة أخرى.  ويظهر من استعمالها الشائع؛ أي الإعلامي أو الأمني، أنّها تحدّد صفة جوهريّة ودائمة؛ أي جوهرا سيّئا بمقدوره أن يفرز النتائج نفسها باستمرار.

يحدث رغم ذلك أن تقوم حركات متّهمَة بالإرهاب ومسؤولة عن عدد من عمليّات القتل بالتخلّي عن هذه الاستراتيجيّة في نهاية المطاف، كما كان حال منظمة فتح مع عرفات والجيش الجمهوري الأيرلندي وإيتا “المنظمة الانفصاليّة الباسكيّة” والقوّات المسلحة الثوريّة الكولومبيّة.

يحدث كذلك أن يصل زعماؤها من حين إلى آخر إلى سدّة الحكم، وأن يصبحوا رؤساء دول محترمين، كما وقع في الجزائر وفي عدد من دول العالم الثالث. يمكننا التساؤل إن كان يستطيع المعنى الراكد جدّا لكلمة “إرهاب” التعبيرَ عن هذه التغيّرات المتعلّقة بالظروف أو بالاستراتيجيّات. لهذه الأسباب جميعها، يبدو لي أنّه يستحسن التخلّي عن استعمالها.

ورغم ذلك علينا إيجاد طريقة لتسمية هذه الشبكات التي تلجأ إلى القتل وإلى محاولات الاغتيال من أجل ترهيب الأعداء. أقترح تعريفها بأجهزة الترهيب. غير أنّ الأمر لا يتعلّق باستبدال تعبير بآخر، بل بمحاولة التفكير بطريقة مختلفة؛ أي التفكير من زاوية نظر الاستراتيجيّات والأجهزة.

كتاب يفكك الخطابين الغربي والإسلامي الخاصّين بالظاهرة الجهاديّة ويعالجها

ويلفت ركوزينسكي إلى أن هنالك في الواقع كلماتٌ مُضلّلة وكلماتٌ عراقيلُ تعيق فهم ما تسمّيه مثل كلمتي “إرهاب” و”إسلامويّة”. وينطبق الشيء نفسه على الكلمة الحديثة “تجذير” التي كانت محدودة التداول سابقا، وانتشرت بكثافة في العالم الأنجلوساكسوني بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، قبل أن تُكرّس في بلدنا لوصف انخراط شُبّان غربيين في الجهاديّة. بهذا تمّ تحديد المحاولات المعتمدة من أجل إبعادهم عنها، مع نتائج محبطة، كممارسات “مضادّة للتجذير”. ولن يسعنا الإشارة هنا إلى المقالات التعميميّة والدراسات العديدة ذات النزعة العلميّة التي عنيت بوصف هذه السيرورة. فقد قاد نجاح هذا المصطلح إلى إعادة تعريف معاني كلمات أخرى، فتمّ توظيف مصطلح “الجذريّة” بشكل حصري تقريبا بوصفها مرادفا لـ”الإرهابيّة الجهاديّة”، وظهرت “الإسلامويّة” التي تُقدَّم على أنّها “جذريّة” كالشكل الوحيد الممكن “للجذريّة”.

ويقول “قد آن الأوان لننهض ضدّ هذا الانحراف الدلالي. لهذه المفاهيم الحاجبة وظيفة تفسيريّة مراوغة؛ إذ إنّها توهمنا بفهم ما يخصّ الظاهرة الجهاديّة، وتعمي الذين يجهدون أنفسهم من أجل مقاومتها، وخاصة أنّها تعرقل بروز جذريّة حقيقيّة يمكن أن تقدّم بديلا للجذريّة الزائفة للجهاديّة. وما يطرح مشكلة في الاستعمال الإعلامي – الأمني لمصطلحات كـ’جذريّة’ أو ‘تجذير’ هو كونه حصريّا بشكل كبير: فأن ‘يتجذّر’ الشخص، أصبح يعني ‘أن يصير إرهابيّا’. وقد يحدث العكس بحيث يتمّ توسيع المفهوم إلى أقصى الحدود، ما يجعله ضبابيّاً وغير دقيق. فبالنسبة إلى باحث كأوليفيه روا، ليست الجذريّة الجهاديّة، التي ‘ستتأسلم’ لأسباب غامضة في ما بعد، إلّا حالة خاصّة من ‘جذريّة عدميّة’ عنيفة يمكن العثور عليها عند القتلة المتسلسلين، أو في أوساط المجرمين المحترفين مثلا. وهذا ما يقود إلى تعيين ظواهر متباينة كليّا. فمراهقو ثانويّة كولومبيون القتلة وعصابات الاتجار في المخدرات لم يتصوّروا استراتيجيّة شاملة تستهدف هدم المجتمع الغربي من أجل إرساء دكتاتوريّة سياسيّة – دينيّة”.

ويلاحظ ركوزينسكي أن أحد عيوب الخطاب المهيمن هو أنّه ذو نزعة إثنينيّة. إنّه يضع مقابل “الجذري”، المتحمّس والعنيف بالضرورة، نقيضه؛ أي المعتدل الموسوم بشتى الفضائل. فنسمع عادة أناسا طيبين يتمنّون بزوغ إسلام معتدل سيتمتّع برصانة مرحّب بها بخضوعه بأريحيّة لأعراف المجتمع الغربي وتقاليده. أن تكون مؤمنا معتدلا بالنسبة إليهم، سواء أكنت مسلما أم يهوديّا أم مسيحيّا، يقتضي أن تكون مؤمنا بشكل معتدل، وأن تنخرط بشكل محتشم في معتقد واهن على أن تذوب لاحقا في اللااعتقاد. فهم لا يدركون أنّ إيماناً معتدلاً هو إيمان نفى نفسه بنفسه، وأنّه لن يُهمّ البتة شابا أو شخصا أقلّ شبابا مؤمنا يطمح إلى التفرّغ الكامل لخدمة ربّه. إنّهم لا يتصوّرون أنّ التزاما ما ليس مرادفا بالضرورة للّاتسامح والعنف. وهل هنالك ما هو أكثر جذريّة من الإسلام الصوفي وشيوخه الذين يتطلّعون إلى الفناء هم ذاتهم باحتراقهم في موقد الحبّ الإلهي؟ ومع ذلك، هذا الإسلام هو الأكثر سلميّة وتسامحاً، لأنّه يعترف ببريق حقيقة الله في كلّ دين وفي كلّ معتقد إنساني.

إصلاح الإسلام

التشدد يعود بقوة

يكشف ركوزينسكي أن الإصلاح الثقافي والأخلاقي للإسلام يبقى أمرا مطلوبا في أيامنا هذه. فجوابا على أولئك الذين يدّعون عدم إمكانيّة إصلاحه، يجب أن نقول إنّ هذا الإصلاح قد بدأ فعلا وهو هذا العمل الجماعي الخاص بكلّ أولئك المفكّرين والمؤمنين البسطاء وهؤلاء النساء والرجال الذين يجابهون النكوصيّة الأصوليّة مخاطرين بحيواتهم وباحثين عن طرق جديدة لتأويل القرآن وعن طرق جديدة لمصالحة الإسلام والديمقراطيّة.

لكن لا نستسلم للسذاجة؛ فنحن نعرف أنّه لا وجود لنوع من تجديد المذاهب سيكفي لهزم جهاز للترهيب، لكنّه يستطيع على الأقلّ أن يسحب عنه الشرعيّة، وأن يضعف قوّة جذبه؛ وهذا ليس شيئا قليل الأهميّة.

ويؤكد ركوزينسكي أنّ إصلاح الإسلام هذا لا يستتبع التخلّي عن رسالته بإذابته في عالمنا المادّي؛ إنّه على العكس إعادة اكتشافٍ لتراثه؛ أي ما أسمّيه “الكنوز المفقودة للإسلام” التي ستساعده على تجاوز أزماته التاريخيّة.

لقد رأينا أنّ الإسلام الكلاسيكي قد بدأ فصلا بين السياسي والديني طويلا قبل المجتمعات الغربيّة؛ أي علمنة الدولة التي يمكنها أن تنفع نموذجا لدمقرطة المجتمعات الإسلاميّة. أمّا في ما يخصّ التراث الصوفي، فقد حقق تقدّما مقارنة مع أنواع التراث الديني الأخرى وتوجّه نحو انفتاح التوحيديّة على تعدّد العقائد. وما عليه اكتشافه هو الطريق الصعب الذي سيقوده من الصوفيّة إلى السياسة، ومن البحث الروحي إلى الفعل الجمعي دون أن ينفي نفسه. وتبقى طوباويّة الإسلام؛ أي بُعده التحريري، وانخراطه إلى جانب المقموعين ثمينين جدّا كي يتمّ التخلّي عنهما للجهاديين.

هل سيستطيع المسلمون الذين يدينون في أغلبيتهم الساحقة هذا التعصّب القاتل استعادة كنوزهم المفقودة؟ هل سيعرفون أن يعيدوا الحياة إلى إرثهم؟ هل سيعرفون كيف يوظّفونه في مشروع تحرّري يتفادى أن يتمّ الاستيلاء عليه من طرف أجهزة للترهيب؟ إنّهم هم من يجب أن يرفع هذا التحدّي.

إصلاح الإسلام يبقى أمرا مطلوبا، فجوابا على أولئك الذين يدّعون عدم إمكانية إصلاحه، يجب القول إن هذا الإصلاح قد بدأ فعلا

ويضيف الكاتب: يمكن للمرض الذي يعانيه الإسلام أن يكون قد جاء من بعيد على الرغم من ذلك: من المكانة التي يحتلّها في تاريخ الوحي الإبراهيمي؛ أي كونه جاء متأخرا وكونه المولود الأخير بين الإخوة، ذاك الذي يعترف بأصالة الوحيين السابقين عليه دون أن يتمّ الاعتراف به في المقابل من طرف إخوته الأكبر سنّاً. ما سمّيته “عقدة إسماعيل” يتجذّر في نكران الاعتراف هذا ويتمظهر مبكراً -ربّما في حياة الرسول- عندما رفض يهود المدينة مبايعة ذاك الذي قدّم نفسه باعتباره المبعوث الجديد. تقوم خطاطة الاصطفاء بدور حاسم في هذه المنافسة العابرة للعصور بوضع البعض مقابل البعض الآخر؛ أي أولئك الذين يدّعون أنّهم الأبناء المفضّلون للأب، ويحسدون أولئك الذين يبدو أنّهم يغصبون هذه المكانة. ليس الحسد “إلّا الكراهية في حدّ ذاتها” فهي ما كان يحرّك هتلر، بحسب فرويد، ونحن نعثر عليها في غضب الجهاديين القاتل في أيامنا هذه. سيدوم التنافس الذي يقابل “الديانات التوحيديّة الثلاث” طالما سيتمّ رفض اقتسام الوعد بإعطاء كلّ واحدة من الديانات المتتالية المكانة نفسها والحقيقة نفسها مقارنة بالأخريات.

ويخلص ركوزينسكي من كتابه متسائلا “هل بإمكاننا تجاوز هذا ‘الطغيان’؛ أي هذا التملّك الحصري للحقيقة الإلهيّة؟ لقد فاضت إلى حدود الآن بين أبناء إبراهيم العديدين اللعنة والحسد والكراهية، فهل سيأتي اليوم الذي سيتمّ فيه تقاسم الوعد في سلام؟”.

13