كيف يمكن رسم صورة واضحة لما سيبدو عليه العالم

تنشط في شهر ديسمبر من كل سنة القراءات بشأن حصيلة العام الذي يوشك على الانتهاء وتوقعات السياسات التي سيحكم وفقها العالم في العام المقبل. لكن كيف يمكن تقديم قراءة أكثر دقة تحول التوقع إلى تحليل كيفي للحدث، لا مجرد تنبؤ يعتمد على الحدس الشخصي، خاصة أن مراكز الاستطلاعات ومؤسسات البحث فقدت الكثير من مصداقيتها وثقة المتابعين فيها، بعد الانتخابات الأميركية الأخيرة، التي جاءت عكس توقعات أغلبها، بفوز دونالد ترامب لا هيلاري كلينتون. طرحت مجموعة من الباحثين هذه الإشكالية في مؤسسة ستراتفور، وهي مركز دراسات إستراتيجي وأمني أميركي، مشيرين إلى أهمية الاستفادة من الأرقام لخلق المزيد من الوضوح في التوقعات والقراءات الإستراتيجية لأحداث العالم السياسية، وتقديم تقديرات أكثر دقة تحول التوقع إلى تحليل كيفي للحدث.
الثلاثاء 2016/11/22
الحقائق في الأرقام

واشنطن- في مؤسسة ستراتفور، نحن بصدد إعداد تنبؤاتنا السنوية لسنة 2017. وفي كل مرة نكوّن فيها إحدى قراءاتنا (سواء كانت تتعلق بنظرتنا للثلاثية أو السنة أو العشرية القادمة) نقوم بمراجعة أدائنا السابق، مع التركيز على ما أخطأنا فيه وما لم نوفق فيه، إذ أن مثل هذه الجهود من شأنها أن تساعدنا على تحسين طرق عملنا. وهناك سؤال واحد عادة ما يتبادر للذهن ونحن نعيد تقييم مقاربتنا، وهو الآتي: كيف يمكننا أن ننقل مستوى الثقة لدينا في تنبؤاتنا إلى القراء؟

حسب دان غاردنر وفيليب تتلوك، الباحثين في ستراتفور، أحسن طريقة هي إعطاء قيم رقمية لاحتمالاتنا بدلا من كلمات أقل تحديدا مثل “من المرجح” أو “من المحتمل”، أو “متوقع″. وبشكل من الأشكال هناك جدوى من استخدام هذه الأرقام، في حين أن التنبؤات المعتمدة على أقوال عما “يحتمل” أو “قد يحدث” ليست لها قيمة تقريبا، وعندما يتم تضمين مثل هذه الكلمات الغامضة في تقديرات مشروعة نادرا ما تساعد على إيضاح المعنى الذي يقصده المحلل. ويمكن في بعض الأحيان أن تكون مصدر لبس؛ مثلا القول إن “تركيا قد تلغي اتفاقها الخاص بالهجرة مع بروكسل” ليس أكثر أو أقل دقة من القول “قد لا تلغي اتفاقها الخاص بالهجرة مع بروكسل”، كما أن انشغال غاردنر وتتلوك المتعلق باستعمال اللغة المفتوح للتأويل مثل “مرجح” أو “محتمل كثيرا” وجيه أيضا، إذ هناك الكثير من الحالات التي تم فيها تأويل هذه الكلمات بطرق مختلفة من قبل متلقين مختلفين.

الجغرافيا السياسية تساعد على الغوص تحت السطح المضطرب للأحداث اليومية وإلقاء نظرة على التيارات التحتية، إنه البحث عن الدائم والتفاعل بين الحقائق وما يحيط بها

لكن هذا لا يعني أنه لا جدوى من الكلمات، بل هناك قيمة كبيرة في الخاصية النوعية للتنبؤات؛ في عالم يزداد هوسا بـ”المعطيات الكبرى” وافتراض وجود إجابة لكل شيء لطالما قمنا بطحن ما يكفي من الأرقام، لنشعر بنوع من الحرية عند التفكير في ما يتجاوز حدود ما هو كمي. وفي عالم يبحث عن أجوبة بسيطة أكثر فأكثر، هناك ما يمكن قوله في ما يتعلق بالتعقيدات وتبني أوجه عدم التيقن.

البحث عن تقديرات أكثر دقة

إحدى الخاصيات الأهم في نموذج تتلوك للتنبؤ هي طريقة تجزئة المعطيات الخاصة بتنبؤ واسع إلى أجزاء يمكن تحديدها. لكل مقولة حصيلة ثنائية يجب أن تحدث في نطاق فترة معينة لكي تعتبر دقيقة: هل أن “ش” سيفعل “ي” قبل تاريخ “ز″؟ ثم تعطى هذه الأحداث المنفصلة احتمال حدوث في نطاق الزمن المخصص. وهكذا عن طريق التركيز على أحداث قابلة للتحديد بشكل واضح وفي إطار زمني واضح المعالم، يراهن المتنبئ على سؤال ليس له في أغلب الحالات إلا جوابان اثنان. ثم يتم تجميع المتنبئين في فرق لإحداث مجموعات إجمالية للمعطيات أعطت في تجارب تتلوك تنبؤات أكثر دقة، على الأقل المتعلقة بالأحداث المنفصلة قيد الدراسة.

ليس تتلوك الخبير الوحيد الذي يبحث في دور الطرق الكمية في التنبؤات، حيث نشر مايكل وارد مؤخرا مقالا في مجلة “دراسات الأمن الدولي” يدعو فيه إلى تحليل يتوجه بالنظر إلى الأمام أكثر ويدرس الاستخدام المتطور تدريجيا للأرقام في تقديم التنبؤات. أحد الأمثلة التي ساقها هو المتنبئ بأحوال الطقس. المتنبئون بأحوال الطقس، مثلا، يمكنهم أخذ أي عدد من المعلومات الرقمية بشأن أي عدد من المتغيرات الصغيرة، ثم يدخلونها في الكمبيوتر ويكوّنون تنبؤات أكثر دقة بكثير مما كانوا يقدرون عليه في العقود السابقة. وحسب قول وارد، طبّق المفهوم نفسه على النظام الدولي وعندها يمكن تحديد تعقيداته بالأرقام، وتجزيئه إلى عدة حسابات صغيرة، ثم إعادة تجميعه في تنبؤ أكثر اكتمالا.

أجد نفسي متفقا مع الرجلين حول الحاجة إلى تنبؤات أكثر دقة ويسهل الوصول إليها. كما أرى أنه يجب تعقب التنبؤات وحفظ سجل لدقتها ويجب استخدام مواضع نجاحها وفشلها لتحسين العملية التنبؤية. لكن يكمن الاختلاف بيننا في أنني أرى قيمة في كل من الطرق الكيفية والطرق الكمية على حد السواء، إذ كثيرا ما لا تتعلق التقديرات التي نشتغل عليها بأحداث ثنائية، بل باتجاهات مستقبلية تتضمن نتائج محتملة كثيرة. هذا لا يعني أن النظم الدولية غير قابلة للتنبؤ، لكننا نميل إلى التركيز على النماذج الأوسع عوضا عن الأحداث الفردية التي تكوّنها.

التنبؤ الإستراتيجي
☚ هو ذلك النوع من الإدراك البعيد غالبا عن أجهزة الاستخبارات، بمعنى قراءة الأحداث التي لا يمكن فهمها من خلال المصادر، والتي لم يكن المشاركون فيها يقصدونها أو يتوقعونها.

وبالإضافة إلى ذلك، لئن كانت لا تمكّن صناع القرار من توقع احتمالات وقوع الأحداث، فإنها تتيح لهم الاستعداد لتحولات واسعة النطاق. وبالنسبة إلى معظم القادة السياسيين، تعتبر القضايا المباشرة الخاضعة للسيطرة أكثر جاذبية، بينما تتطلب القضايا الإستراتيجية، جهدا ضخما ذا تكاليف سياسية.

ونظرا للتحولات المتكررة والجذرية في التاريخ التي تتحدى الفكر التقليدي، تبدو العديد من التوقعات الإستراتيجية سخيفة لمستخدم المعلومات، فيما تعتبر، من جانب آخر، شكلا من أشكال الاستخبارات التي تمارس خارج أجهزة الاستخبارات الحكومية والدولية.

جورج فريدمان مدير مركز ستراتفور

تنبؤاتنا هي تنبؤات إستراتيجية تعلو فوق ضجيج السياسة والأحداث الحالية، وتسعى بدلا من ذلك إلى تحديد الاتجاهات الأوسع التي من شأنها أن تشكل البيئة العالمية في السنوات القادمة. إن النموذج الجيوسياسي الذي نستخدمه وله جذور في تأثير المكان على تقدم المجموعات المنظمة من الناس مع مرور الزمن يمنحنا مقاربة تركيبية لفهم الماضي وتفسير الحاضر والنظر إلى المستقبل.

يجمع هذا النموذج بين دراسة الجغرافيا والسياسة والاقتصاد والأمن والمجتمع والتاريخ والتكنولوجيا من أجل استخلاص التغيرات العميقة التي تقولب المنظومة الدولية، مثلما هو الشأن في العلوم الاقتصادية هناك يد خفية في السياسة والعلاقات الدولية. تساعد الجغرافيا السياسية على الغوص تحت السطح المضطرب للأحداث اليومية وإلقاء نظرة خاطفة على التيارات التحتية. إنه البحث عن الدائم (نسبيا) والتفاعل بين الحقائق الدائمة وما يحيط بها من ظروف متغيرة باستمرار.

وتعطي الجغرافيا السياسية السياق للحاضر وتفتح نافذة على المستقبل، بالرغم من أنها بحكم طبيعتها تتناسب أكثر مع المدى البعيد منه مع المدى القريب. من الطبيعي جدا أن توجد تقلبات يومية، لكن كلما كان الإطار الزمني المعني أقصر كان التنبؤ أكثر دقة وكان أثر الخيار الفردي والعشوائية أكبر. وهنا يأتي دور الذكاء حيث يصبح التحليل الكمي أنسب.

إذا رجعنا للنظر في مسألة هل ستحاول روسيا بناء جسر بري إلى القرم مثلا لن نتحصل على الجواب بمجرد تقييم المسافة والمعدات واللوجيستيك وخطوط الدفاع (وهي كلها عوامل قابلة للحساب الكمي). كما أن مثل ذلك التقييم لن يكشف القيود التي كان على الزعماء الروس اتخاذ القرارات ضمنها، فعلى مستوى صانع السياسات الفردي عادة ما تغلب الحقائق الموضوعية الرغبات الذاتية.

الحجة نفسها يمكن تقديمها بخصوص الصين التي تحولت بسرعة من بلد يعتمد ذاتيا على السلع الأساسية إلى بلد كثيرا ما يستهلك ضعف ما ينتجه. هذا التغير المحدد كميا في التبعية الاقتصادية دفع الزعماء الصينيين إلى تأمين الوصول إلى هذه السلع في الخارج وضمان عدم قطع خطوط الإمدادات، وتتمثل الطريقة التي اختارتها بكين لفعل ذلك في تطوير ترسانتها البحرية وفرض مطالبها البحرية في بحري الصين الجنوبي والشرقي. لم تكن مجبرة على اختيار هذا المسار لكن العوامل الكمية ضغطت عليها للاستجابة لهذه المتطلبات بشكل من الأشكال.

متى تخفق؟

يتضح أن الكمي له أهمية حاسمة في تصور الأجزاء الصغيرة في التنبؤ الإستراتيجي. العوامل الاقتصادية والضغوط الاجتماعية والتوازنات السياسية وترابط القوى والموسمية والبنية التحتية، وما شابهها، كل ذلك يعتمد على الأرقام بطريقة من الطرق. لكن كلما ابتعدنا من حيث الوقت والتركيز، انتظمت تقلبات المدى القصير لتتحول إلى اتجاهات كاسحة، والاتجاهات ليست أحداثا تندرج بشكل واضح في طيف محدد من الاحتمالية الرقمية. كيف لنا أن نختبر إن كان الدافع لدى روسيا لإعادة فرض هيمنتها في المنطقة على طول حدودها، على أمل إحداث منطقة عازلة لتحسين تعاملها مع مشكلاتها الاقتصادية والديمغرافية في الداخل، له احتمالية 72 بالمئة، أو 68 بالمئة أو أي نسبة مئوية على الإطلاق؟ نحن هنا إزاء نمط ولسنا إزاء حدث منفصل يمكن قياسه بدقة وموضوعية.

في عالم يزداد هوسا بـ"المعطيات الكبرى" وافتراض وجود إجابة لكل شيء، لطالما قمنا بمعالجة ما يكفي من الأرقام لنشعر بنوع من الحرية عند التفكير في ما يتجاوز حدود ما هو كمي

التحدي الآخر في محاولة استعمال الأرقام للتعبير عن الثقة في التنبؤ يتمثل في أنها إن لم تكن مستمدة من عوامل قابلة للقياس وتدخل في حساب خوارزمي كثيرا ما تصير طرقا لدى المحلل للتعبير عن شعوره الداخلي فحسب. حتى وإن كان ذلك الشعور يستند إلى التجربة والبحث والحدس الممتاز، لا يكون للعدد في حد ذاته أي أساس إحصائي، وليس أكثر دقة من ربط طيف رقمي بعبارات من قبيل “من المحتمل”. إضافة إلى ذلك، ومن وجهة نظر إحصائية، هل هناك حقا طريقة مختلفة للتحضير لتغيّر عام في السنوات الخمس القادمة إمكانية حدوثه تبلغ 74 بالمئة مقابل إمكانية 78 بالمئة؟ هل أن مظهر الدقة في تحليل الاتجاه يؤدي حقا إلى تخطيط أو إجراءات مضادة أكثر نجاعة؟

بالنسبة إلى الأحداث الثنائية قد يكون هناك مجال أوسع لذلك النوع من التقديرات الرقمية، لكن حتى في تلك الحالة لا يعدو الأمر أن يكون أكثر من مؤشر للتنبؤ الحدسي لدى المحلل، وليس مخرجات نمط إحصائي لجملة من المتغيرات الماضية والحاضرة. إن عملية إسناد قيمة ما تجبر المحلل على أن يكون أكثر دقة، لكن ذلك ما يمكن أن تفعله عملية داخلية لا تسمح بالغموض، فاعتماد مقاربة كمية ليست الطريقة الوحيدة لدفع المحللين إلى الاختبار والاعتراض على كل تأكيد أو جزء من التنبؤ، أو إلى اختبار منطق كل الأجزاء في تفاعلها.

التنبؤ في المجال السياسي يواجه دون شك مشكلات في الميل إلى التحوط وترك مجال للتأويل بهدف تجنب تحمل مسؤولية حصيلة لا تتماشى مع التنبؤ. لكن هذه المشكلات هي مسائل متعلقة بالعملية التحليلية والصرامة أكثر مما تتعلق باللغة. إن توضيح اختيار الكلمات واشتراط نسب مئوية عوضا عن أدوات وصف هما بكل بساطة أداتان يمكننا استخدامهما لمحاولة مجابهة الغموض المتعمد، وإجبار المحللين على تخطي الخوف من الخطأ، ورسم صورة واضحة لما سيبدو عليه المستقبل.

باحث بمركز ستراتفور

13