كيف يمكن لأوروبا تفادي الركود في 2015

الاثنين 2014/12/29
شبح بطالة الشباب مازال يخيم على أوروبا ويؤرق صانعي السياسات

التغيرات الكبيرة التي طرأت على الخارطة الجيوسياسية العالمية سنة 2014، رافقتها تداعيات عدّة انعكست على جلّ الفاعلين الدوليين، شأن الاتحاد الأوروبي، خاصة في ما يتعلّق بالمجال الاقتصادي، ممّا رفع سقف التحديات المطروحة لسنة 2015.

ستبقى سنة 2014 في الذاكرة الأوروبيّة لسببين رئيسيين غير متوقعين، أوّلهما أنّ الاتحاد الأوروبي أُخذ على حين غرة بعودة تأثير بعض العوامل الجغرافية السياسية على السّاحة الدوليّة، شأن ضم روسيا لجزيرة شبه القرم والصراع العسكري في أوكرانيا وزيادة التوتر بين روسيا بقيادة بوتين والزعماء الغربيّين. كما لم يكن الغرب متحضّرا لاندلاع الصراعات في العراق وسوريا وبروز متطرفي تنظيم “داعش”.

ويمكن للمرء أن يربط مساهمة الضعف الاقتصادي والسياسي الذي شهده الغرب في السنوات الأخيرة بظهور مفاهيم سياسية بديلة، لكن من المؤكد أنّ بلدان الاتحاد الأوروبي أدركت أن هذه الصراعات الدائرة رحاها على أعتابها تكتسب أهمية كبيرة. فمن وجهة نظر اقتصادية كانت لهذه الأحداث تأثيرات سلبية على الثقة أدّت (بالإضافة إلى العقوبات المسلطة على روسيا) إلى أرقام نمو مخيبة للآمال. كما أنّ الآثار المباشرة على التجارة وخاصّة على تأمين إمدادات الطاقة تثير المخاوف.

أمّا ثاني الأسباب، فيتمثّل في أنّ الأداء الاقتصادي لمنطقة اليورو كان مخالفا للتّوقعات الرسمية، إذ توقّعت المفوّضية الأوروبية في نوفمبر من السنة الماضية بأن يحقق الناتج الإجمالي الخام الحقيقي نموا بنسبة 1.1 بالمئة بالنسبة إلى منطقة اليورو في سنة 2014، لكن تمت مراجعة هذه الأرقام إلى الأسفل لتكون في حدود 0.8 بالمئة. التضخم هو الآخر كان محلّ مراجعة مماثلة وهو منخفض على نحو خطير إلى درجة أنه لا يمكن من تحقيق استدامة الدين وتعديل الأسعار. ورغم تحقيق بعض التقدم في ما يخص نسبة البطالة إلاّ أنّه كان تقدّما بطيئا ومازالت الأرقام مخيبة للآمال، خاصّة في إيطاليا.

يجمع عدد من الخبراء على أنّ منطقة اليورو مطالبة بتكثيف جهودها من أجل دفع النمو وخلق فرص عمل جديدة، ولكي تنمو أوروبا عليها بالاستثمار. فقد كان هبوط الاستثمارات في السنوات السبع الأخيرة كبيرا حتى أنّ الاتحاد الأوروبي الآن يعدّ بعيدا عن مستويات الاستثمار التي تجعل منه خيارا متواصلا على المدى البعيد. وأحد الأسباب الكبرى لضعف الاستثمار هو غياب الثقة، ومن ثم يكمن أحد أهم التحديات أمام صانعي السياسات في المستقبل في تعزيز ثقة القطاع الخاص.

يحتاج الأوروبيّون إلى تجاوز استقطاب هذه المسألة والاعتراف بأن منطقة اليورو تشكو من مشاكل بنيوية كبيرة ومشاكل مهمة من جانب الطلب

وهنا تبرز أهمية القدرة على التنبؤ بالسياسات، وما هو أهم من ذلك هو استعادة الثقة بين الشركاء الأوروبيين. من جهة أخرى، يعود غياب الثقة في جزء منه إلى اختلاف العادات الفكرية وتباين التأويلات الخاصة بأهم أسباب الأزمة الحالية وتناقض وجهات النظر في ما يتعلق بالإجراءات المناسبة والضرورية لمعالجتها.

وهذه الاختلافات في التحليل بين علماء الاقتصاد الألمان وغيرهم تترجم إلى تقييمات مختلفة وتقوض الثقة المتبادلة، وينظر المستثمرون إلى قلة الثقة هذه بين الشركاء الأوروبيين نظرة سلبية.

يحتاج الأوروبيّون إلى تجاوز استقطاب هذه المسألة والاعتراف بأن منطقة اليورو تشكو من مشاكل بنيوية كبيرة ومشاكل مهمة من جانب الطلب. فضعف نمو الإنتاجية والتباينات الكبيرة في القدرة على التنافس وتكلفة وحدة العمل في مختلف البلدان الأوروبية كلها عوامل تدعو إلى إجراء إصلاحات هيكلية جريئة.

ويجب أن تتضمن مثل هذه الإصلاحات مثلا تحسين التدريب لمساعدة الباحثين عن العمل على إيجاد وظائف جديدة في قطاعات مختلفة. وستكون أغلب هذه الإصلاحات وطنية، ولكن من الضروري أيضا اعتماد مبادرات جديدة لتعزيز السوق الموحدة مثلا بالنسبة إلى الخدمات الرقمية، وذلك من أجل الزيادة في الإنتاجية وخلق فرص استثمار جديدة. كما تكتسب المبادرات التي تساعد على تحفيز الطلب في منطقة اليورو أهمية مماثلة.

يذكر أن البنك المركزي الأوروبي كان إلى حد الآن بطيئا جدا في ردة الفعل تجاه آفاق التضخم المتردي، لذلك يرى الخبراء أنه يجب أن يتّخذ إجراءات أكثر استباقية في سنة 2015، بيد أنّ السياسة النقدية لوحدها لن تكون كافية، فإلى جانب تحسين الشروط الهيكلية للاستثمار الخاص، على الاتحاد الأوروبي أن يحشد الموارد العمومية للمشاريع الاستثمارية.

وعلى الرغم من أنّ خطة الاستثمار التي أعدها رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود جونكر تعدّ تحسنا في هذا الاتجاه، يتضح أنّ الموارد العمومية المخصصة غير كافية وستكون هناك حاجة إلى موارد إضافية. كما يتوجب على الاتحاد الأوروبي أن يكون أكثر جرأة في معالجة المشاكل الخاصة بالقطاع البنكي والتي مازالت تمثل عبئا على القروض والإقراض في عدد من البلدان. وباختصار هناك حاجة إلى المزيد من المبادرات لإعادة تحفيز النمو في الاتحاد الأوروبي.

7