كيف يمكن لفلسطيني خدمة الاحتلال

الجمعة 2014/07/04

كيف يمكن للفلسطينيين، أو على الأصحّ لبعضهم، خدمة الاحتلال الإسرائيلي عن قصد أو غير قصد؟ من الصعب الإجابة عن هذا السؤال. ولكن ما لابدّ من ملاحظته أنّ خدمة إسرائيل ومشروعها التوسّعي لم تتوقّف يوما منذ قرار التقسيم عام 1947. أعطى هذا القرار الفلسطينيين دولة. أضاعوا الدولة «العربية». لم يستوعبوا وقتذاك، مع معظم العرب، أنّ خريطة المنطقة رسمت عام 1916 (سايكس- بيكو) وأن الوعد بـ«الدولة اليهودية» الذي صدر عن اللورد بلفور في 1917 جزء لا يتجزّأ من سايكس- بيكو الذي في أساسه الكيانات القائمة في الشرق الأوسط. لم يوجد من يستوعب العلاقة بين سايكس- بيكو من جهة، ووعد بلفور من جهة أخرى.

خسر الفلسطينيون بسبب رفضهم إيجابيات قرار التقسيم فرصة إقامة دولتهم المستقلة. فضّلوا على ذلك الرهان على الأوهام وخسارة جزء من الأرض في 1948 والجزء الباقي من فلسطين التاريخية في حرب الأيام الستة عام 1967.

ما زالوا يخسرون إلى اليوم. قال الملك حسين، رحمه الله، في خطاب مشهور له في تسعينات القرن الماضي ما معناه أنّ العرب لم يدخلوا يوما في مفاوضات مع إسرائيل وكانوا في وضع أفضل من ذلك كانوا فيه في مفاوضات سابقة. أراد القول بصراحة أنّ الوقت لا يعمل لمصلحة العرب، وأنّ إسرائيل تستفيد من الوقت لخلق أمر واقع وتكريسه على الأرض، أي على أرض فلسطين…على حساب الفلسطينيين.

لم يستطع الفلسطينيون الاستفادة حتّى من اتفاقي كامب ديفيد اللذين وقعتهما مصر مع إسرائيل في سبتمبر عام 1978. ولمن لديه بعض الذاكرة، وقّعت مصر اتّفاقين في عهد أنور السادات برعاية أميركية (الرئيس كارتر). كان ذلك بعد المفاوضات التي عقدها السادات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن. كان الاتفاق الأوّل متعلّقا بالعلاقات المصرية- الإسرائيلية. وقد أفضى إلى معاهدة السلام بين البلدين في مارس 1979. أمّا الاتفاق الآخر، فكان متعلّقا بالفلسطينيين والضفة الغربية ومستقبلها وإقامة حكم ذاتي فيها. لم يكن في الضفة وقتذاك سوى عدد محدود من المستوطنات. ثمة فارق شاسع بين وضع الضفّة في 1978، ووضعها الآن في ظل حكومة إسرائيلية لا تؤمن سوى بالاستيطان.

المؤسف في السنة 2014 أنّ هناك بين الفلسطينيين من يفعل كلّ شيء من أجل القضاء على أي أمل بإقامة دولة فلسطينية في يوم من الأيّام. بعد الكارثة التي تسببّت بها «حماس» في قطاع غزّة، وهي كارثة في أساسها الخدمات المجّانية للمشروع التوسّعي الإسرائيلي، جاء الآن دور ممارسة دور تخريبي في الضفّة الغربية.

هربت «حماس»، التي هي فرع من تنظيم الإخوان المسلمين، إلى المصالحة الوطنية الفلسطينية، بعدما فشلت في الحرب التي شنتها على مصر من خلال دعم الإرهاب في سيناء. قبلت «حماس» تشكيل حكومة تكنوقراط من أجل نقل نشاطها إلى الضفّة.

ليس سرّا أن قتل الشبان الإسرائيليين الثلاثة في الخليل سيأتي بالويلات على الشعب الفلسطيني، خصوصا أنّ هناك حكومة إسرائيلية لا تهمّها حياة الشبّان الثلاثة، بمقدار ما يهمّها القضاء نهائيا على عملية السلام التي كانت استقالة المبعوث الأميركي مارتن انديك مؤشرا إلى موتها، أقلّه في المدى المنظور.

ليس سرّا أن الشبان الثلاثة كانوا في المكان الخطأ في الوقت الخطأ. مسؤولية ما حلّ بهم تقع أوّلا على عاتق الحكومة الإسرائيلية. هذا واقع لابدّ من الاعتراف به. ولكن ما لابدّ من الاعتراف به أيضا هو أن حكومة بنيامين نتانياهو ستستغلّ قتل الثلاثة من أجل متابعة سياسة الاستيطان من جهة، وتحويل الضفّة الغربية إلى أرض طاردة لأهلها من جهة أخرى.

المؤسف أنّ ما حصل في الخليل ألغى مفعول المصالحة الفلسطينية. كشف قتل الشبّان الثلاثة أنّ هناك من يريد نقل فوضى السلاح إلى الضفة الغربية، بعدما استطاعت حكومات الماضي القريب برئاسة الدكتور سلام فياض وضع الأسس لقيام دولة فلسطينية «قابلة للحياة» فعلا، تمتلك المؤسسات المطلوب أن تكون موجودة في أيّ دولة حديثة تحترم نفسها وشعبها.

مرّة أخرى سيكون الفلسطينيون ضحايا اللعبة الإقليمية وضحايا أنفسهم. ما يشهده الشرق الأوسط حاليا من أحداث ضخمة، أكان ذلك في العراق أم في سوريا، سيغري إسرائيل كي تخوض معركة إلغاء الشعب الفلسطيني… وإخراجه من المعادلة الإقليمية.

من هذا المنطلق، لا يمكن بأيّ شكل الاستخفاف بحادث قتل الشبان الثلاثة. فبعد الحادث، وجّهت إسرائيل ضربات إلى غزّة. هناك، ظاهرا، رغبة في الانتقام من «حماس» التي حوّلت القطاع إلى «إمارة إسلامية» على الطريقة الطالبانية. ولكن في واقع الأمر ما سنشهده في الأسابيع القليلة المقبلة هو موجة جديدة من الاستيطان بهدف تقطيع أوصال الضفّة الغربية بشكل نهائي والقضاء على حل الدولتين.

مفهوم لماذا تريد إسرائيل ذلك. منذ انسحبت من غزّة صيف عام 2005، قال عدد من كبار المسؤولين، على رأسهم دوف فايسغلاس الذي كان مديرا لمكتب رئيس الوزراء آرييل شارون، أن الهدف من الانسحاب يتمثّل في الإمساك بصورة أفضل بالضفة الغربية. ما ليس مفهوما كيف يمكن أن يوجد فلسطيني واحد يساعد في تنفيذ الخطة الإسرائيلية، بدءا بالمساعدة في تحويل غزّة إلى سجن كبير لأهلها. ما هذا الوباء الذي اسمه تنظيم الإخوان المسلمين الذي لم يترك وسيلة إلّا ولجأ إليها من أجل الانتهاء من المشروع الوطني الفلسطيني الذي يلقى دعما من المجتمع الدولي. يرتكز هذا المشروع على خيار الدولتين وعلى قيام دولة مستقلّة عاصمتها القدس الشرقية.

إلى ما قبل فترة قصيرة، كان هناك نوع من التعاطف الأميركي مع السلطة الوطنية الفلسطينية، على الرغم من فقدان أيّ أمل في زحزحة الحكومة الإسرائيلية عن موقفها المتعنت المتمسّك بالاحتلال. وكانت استقالة آنديك خير تعبير عن اليأس الأميركي من الموقف الإسرائيلي وإمكان تغييره.

بعد قتل الشبّان الثلاثة، وفي ظلّ ما يدور في المنطقة من أحداث لن يعود وجود يذكر لأي تعاطف أميركي. الخوف كلّ الخوف أن تقتنع حكومة نتانياهو أن في استطاعتها المضي في خطة إلغاء الشعب الفلسطيني. صحيح أن إلغاء شعب أمر مستحيل ولا يقدم عليه إلّا شخص مجنون، لكنّ الصحيح أيضا أن شراسة الاحتلال ستزداد وأن الفلسطينيين سيدفعون بالدم والدمار، بفضل من قرّر المتاجرة بهم وبقضيتهم مجدّدا، ثمنا باهظا. سيحصل ذلك دون أن يكون لتضحياتهم أيّ ثمن سياسي قد يحصلون عليه يوما.


إعلامي لبناني

9