كيف يمكن للمواطن أن يحب الضرائب

تغيّر شكل ذلك العقد الاجتماعي الذي وضعه جون جاك روسو منذ عصر الأنوار، حيث أضحت الدولة اليوم قادرة على الاقتراب أكثر من المواطن لا بل ودخول غرفته في البعض من الحالات، والتي من خلالها يمكن للمواطن أن يشارك في تقرير مصير حيّه أو قريته أو المركب الجامعي الذي يدرس فيه، فآليات المشاركة في الحياة العامة أصبحت متاحة عبر الديمقراطية التشاركية، التي ربما تدفع المواطن حتى إلى “حب الضرائب” التي يقدم بدوره على دفعها.
الاثنين 2016/10/10
الفضاء العام للجدل العام

يجب أن يرى المواطن تحقيق انتظاراته من الدولة بشكل محسوس، في عالم يتحرك بسرعة، وإلا فمعنى الدولة سوف لن يكون له نفس القوة والتأثير في المستقبل. بهذا الجزم، أكد العديد من الخبراء في مجال التنمية والسياسات الحديثة، أن مقاربة الديمقراطية التشاركية أصبحت اليوم ضرورة كي تستمر الوضعية التعاقدية بين المواطن والدولة مشروعة، وفي حالة عدم وجود هذا النوع من الديمقراطية، فإن الفراغ الذي سوف يخلفه غياب المؤسسات في التنمية والتطوير وتقريب الخدمات للمواطن سوف يكون سببا في ثورات دائمة، وهذا طبيعي.

وتؤكد الدراسات التي قامت بها العديد من الجمعيات المدنية في تونس، أن مفهوم ثقة المواطن في الدولة أصبح اليوم مرتكزا إلى المشاريع العينية التي تقوم بها المؤسسات والأجهزة، ولم يعد الأمر كما في السابق مجرد مشاركة سياسية في العمليات الانتخابية أو التغيرات السياسية الكبرى أو الإحساس بالانتماء إلى الدولة عبر الخدمات العادية أو الخطاب الرسمي في وسائل الإعلام.

فأمام الإشكالات الاجتماعية والاقتصادية التي تتفاقم يوما بعد يوم، لا يمكن للمواطن أن يحس أن الدولة في خدمته إلا في حالة تحقيق مصالحه التي من أجلها يشارك اليوم في الانتخابات والاستحقاقات الدستورية.

وهذا من الناحية التي يمكن النظر فيها إلى العقد الاجتماعي من زاوية نظر المواطن، ولكن ماذا عن زاوية نظر الدولة؟ وكيف يمكن تحقيق هدف التنمية القريبة من الفرد والتي يشارك فيها بشكل مباشر دون إلغاء الديمقراطية التمثيلية؟ أليست الديمقراطية التشاركية والاعتراف بقوة استقلالية الإقليم (النسبية) يشكلان مدخلا لإعادة صياغة تعاقد جديد بين الدولة والمواطن؟ وماذا عن الضرائب؟

تدور كل أسئلة الدولة الحديثة منذ ثورة 1789 بفرنسا إلى اليوم حول كيفية تحقيق المشاركة الديمقراطية الواسعة للفرد في صياغة مصير دولته ونفسه عبر الانتخابات التمثيلية التي من خلالها تتم صياغة المشاريع الكبرى وتحقيق التنمية، لكن هذا النمط من الحكم أصبح اليوم يصطدم بمؤثرات جديدة نتجت عن التطور السريع لوسائل الاتصال الرقمية والثورة التكنولوجية والتأثير الإعلامي للثقافة الغربية (خاصة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي) والوضع الاقتصادي في العالم وكذلك طبيعة السلطة العربية التي إذا لم تكن توريثية فإنها خاضعة لسلطة مطلقة من قبل الحزب الأوحد والزعيم الأوحد، الأمر الذي ساهم في تخريب دواليب الدولة وغموض البدائل.

واقع متغير

قام الحراك في تونس والبعض من الدول العربية الأخرى سنة 2011 نتيجة التأخر الواضح بين منوال التنمية المحلي ووضع النمو الداخلي وطرق إدارة الشأن العام وبين ما يحدث من تجديد على المستوى الغربي خاصة في أوروبا القريبة جدا من تونس، وقد أحدث هذا التأخر شعورا بأن الوحدة الجغرافية والسياسية التونسية خارج التاريخ لم تسهم في إفراز أرضية تمهد للغليان الشعبي الذي وصل مداه في بداية سنة 2011، والأمر تقريبا ينسحب على المثال المصري.

باتريس بادييه: الدولة مطالبة بإيجاد قنوات شفافة للضرائب تكون لصالح الناس

الآلية التي من خلالها يمكن الخروج من أزمة تأخر مناويل التنمية هذه هي اقتسام عبء التنمية بين الدولة والمواطن. إذ لا يمكن أن تحقق السلطة المركزية الرضا بين كل المواطنين وبالقدر نفسه على مستويات الدولة جميعا، فحتمية الاختلاف الجغرافي الذي تفرضه المساحة واختلاف المناخات داخل الرقعة الواحدة (صحراء وغابات وسواحل في الدولة الواحدة) يجعلان من عملية التنمية عملية معقدة ولا يمكن لحكومة مركزية أن تتحكم لوحدها في تشييد المؤسسات والطرقات وإقامة المشاريع الكبرى ذات الطاقة التشغيلية واستيعاب الإشكالات الجزئية التي تواجه الأفراد. ويفرض هذا الواقع الجديد والمدعوم بعملية انتقال سياسي مفعمة بالشعارات المطالبة بالتنمية والتشغيل والعدالة الاجتماعية، أن تكون للأجهزة الحاكمة مقاربات أخرى لتقاسم السلطة مع صاحب السلطة الفعلية وهو الشعب.

ديمقراطية تشاركية

تمثل الديمقراطية التشاركية جملة من الآليات والإجراءات التي تمكّن من إشراك المجتمع المدني والمواطنين عموما في صنع السياسات العامة وتمتين الدور الذي يلعبونه في اتخاذ القرارات المتعلقة بتدبير الشأن العام عن طريق التفاعل المباشر مع السلطات القائمة، سواء على الصعيد الوطني أو، بخاصة، على الصعيد المحلّي. ولا تلغي الديمقراطية التشاركية الديمقراطية التمثيلية كليا، ولكنها تسعى إلى تجاوز أوجه القصور والعجز فيها بمحاولة حل المشاكل عن قرب، وضمان انخراط الجميع، وتطوير التدبير المحلي والوطني عن طريق التكامل بين الديمقراطيتين، لا سيما أن العديد من التحركات الاجتماعية (نسائية، بيئية، تنموية) لم تعد تجد في الديمقراطية التمثيلية سبلا للتعبير عن حاجياتها ومطالبها وإيجاد حلول لها.

ورغم أن جذور الديمقراطية التشاركية قديمة وضاربة في التاريخ، إلا أنّها في العصر الحديث لم تظهر إلا في ستينات القرن الماضي بالولايات المتحدة الأميركية. وفي أوروبا الغربية تنامت الدعوات تدريجيا إلى أهمية اعتماد الديمقراطية التشاركية وصولا إلى مؤتمر الاتحاد الأوروبي حول الديمقراطية التشاركية المنعقد بالعاصمة البلجيكية بتاريخ 8 و9 مارس 2004، حيت تم التأكيد على “أن الديمقراطية التشاركية هي الحل لأزمة الديمقراطية الأوروبية وقيمة مضافة لدول الاتحاد الأوروبي” و”يجب على الديمقراطية التشاركية أن تضخ دما جديدا للديمقراطية لتكمل الديمقراطية التمثيلية وتنمية التعاون مع باقي الشركاء الاجتماعيين”.

ويرتبط الأمر بهذه الكيفية، بتلك الطريقة التي من خلالها يمكن لمؤسسات الحكم المحلية القريبة من المواطن أن تدير الشأن العام بطريقة يكون فيها المواطن طرفا أساسيا في صياغة البرامج والميزانية وضبط الروزنامة الزمنية لإتمام المشاريع التي يريدها، وهناك العديد من الآليات من بينها العرائض المواطنية المباشرة لمركز المحافظة أو البلدية، أو الميزانيات التشاركية التي أثبتت نجاعتها في تقدير تكلفة المشاريع التي يريدها المواطن وأيضا لمكافحة الفساد.

ماذا عن الضرائب

الميزانية أو الموازنة التشاركية هي عملية تندرج ضمن المشاورة الديمقراطية يقرر من خلالها الأشخاص العاديون كيفية تخصيص جزء من الميزانية البلدية أو العامة. وتعتبر هذه الآلية بامتياز إحدى أفضل ممارسات الحوكمة التشاركية نظرا إلى أثرها الملموس على واقع المواطنين لا سيّما على المستوى المحلّي وتحفيز مشاركتهم في الشأن العام بشكل مباشر. بل إنها أدت في البعض من الحالات إلى زيادة استعداد الأشخاص لدفع الضرائب. ولا يمكن أن يكون للمواطن مانع في دفع الضرائب في حالة كانت منظومة الاستثمار في تلك الأموال معروفة وواضحة بشكل شفاف ولها أثر مباشر وعيني على مصالح الفرد، وكأن الأمر استثمار عادي في أحد البنوك من أجل قضاء مصلحة على مدى قريب أو متوسط أو بعيد.

والأمر بالنسبة إلى الميزانية التشاركية عبر دفع الضرائب مشابه لهذه المقاربة إلى أبعد الحدود.

ويقول باتريس بادييه، الباحث الفرنسي في قانون الضرائب، إن “المواطن السوي يدفع الضرائب بناء على حس أصبح فطريا بأن يشارك في مشاريع الدولة، وهذا الشعور بدأ في الذبول في العديد من الدول نتيجة الفساد. على المواطن اليوم أن يرى أمواله أين تذهب وهذا من حقه، وبالتالي على الدولة إيجاد قنوات شفافة للضرائب تكون لصالح الناس في البلديات التي يعيشون فيها”.

وبهذه الكيفية، فإن آليات الديمقراطية التشاركية تمثل فرصة لإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة والتي فقدت في المجال العربي خاصة بعد أن كانت أحداث “الربيع العربي” عنصر كشف لما كانت عليه طبيعة السلطة في تونس ومصر خصوصا، وعما كان يحدث من أعمال فساد واستغلال لثروات الدولة. وإضافة إلى ذلك فإنه مع ظهور الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي ووسائل الاتصال الحديثة وانتشارها، برزت العديد من المبادرات التي تعتمد على هذه التقنيات الحديثة من أجل تكريس مبادئ التشاركية، وهو ما يمكن أن يجعل المشاركة في الحياة العامة أمرا بسيطا وسهلا وأيضا محببا لدى المواطن.

صحافي من تونس

6