كيف ينعكس تطرف الإدارة الأميركية الجديدة على التعليم في المنطقة

تعتبر إدارة الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب أن مؤسسات التعليم في الشرق الأوسط تمثل “مصانع للكراهية”، وفق ما ورد على لسان مستشار الأمن القومي الأميركي مايكل فلين المعروف بتشدّده تجاه الإسلام. وهو ما يدعو إلى التساؤل عن حقيقة ما يمكن أن تقدمه هذه الإدارة الجديدة “المتطرفة” للتعليم في الشرق الأوسط بعد أن كانت الإدارات السابقة -خصوصا الديمقراطية منها- ترصد مساعدات للدول العربية للنهوض بتعليمها وتفتح أمامها الأبواب للتعاون المشترك.
الثلاثاء 2017/01/03
كيف تتحول منابر العلم إلى مصانع للجهل

واشنطن - صرح مستشار الأمن القومي مايكل فلين في خطاب سابق له بأن معظم مناهج التعليم في منطقة الشرق الأوسط يتم تطبيقها في المدارس الإسلامية، واعتبر أن هذه المدارس هي بمثابة “مصانع للكراهية”.

ويقول خبراء إن إدعاء فلين، الذي تم الكشف عنه كجزء من متابعة “سي.أن.أن. كافايل” للتصريحات السابقة لمستشار الأمن القومي، يظهر سوء فهم عميق للتعليم في الشرق الأوسط، وأعربوا عن قلقهم من أن وجهات نظر فلين من شأنها أن تؤثر على توجهات السياسة الأميركية بوصفه مستشارا للأمن القومي للرئيس المنتخب دونالد ترامب.

ورد تصريح فلين، الجنرال المتقاعد، في يناير الماضي خلال الندوة التي أقامتها مؤسسة “إنداومنت فور ميدل إيست تروث”. وخلال عرضه للحجج لإثبات أن أنظمة التعليم في الشرق الأوسط تشكو نقائص لأن “معظم الدروس تقدم الآن في المدارس الإسلامية”، قال فلين “إن مناهجها سهلة، إنها من المدارس التي يرتادها أبناء الفقراء. هل تعلمون أنني كثيرا ما بحثت في شأن هذه المدارس، فوجدت أنها إما سيئة وإما قبيحة، ومعظمها عبارة على مصانع للكراهية. أنا آسف لقول ذلك. ولكن معظم هذه المدارس هي فعلا مصانع للكراهية”.

وأضاف “إذا كانت هذه المدارس تدرس أحكام الدين وأساسيات القرآن، لماذا إذن نرى المشكلات التي نراها الآن؟”.

وقالت كريستين فير، أستاذة مشاركة في برنامج الدراسات الأمنية في جامعة جورج تاون، إنها لا تعرف أي بلد مسلم في الشرق الأوسط أو في أي مكان آخر يعتمد في الغالب على المدارس الدينية لتوعية شبابه.

وأضافت أن “هذه البيانات (التي وردت على لسان فلين) مجانبة تماما للحقيقة. في الواقع هناك عدد قليل جدا من الناس الذين يدرسون فقط في المدارس الدينية”.

ادعاء فلين يظهر سوء فهم عميق للتعليم في الشرق الأوسط، ووجهات نظره من شأنها أن تؤثر على السياسة الأميركية

ورغم أن المدارس الإسلامية تقدم تفسيرات متباينة للدين الإسلامي، إلا أن دورها الرئيسي كمؤسسات تعليمية ينحصر في تعليم القرآن الكريم وتحفيظه.

ويمكن القول إن البلد الذي يستشهد به المحللون وصناع السياسة الأميركيين كنموذج لشيوع المدارس الدينية المتطرفة هو باكستان، لكن لم يشر فلين إليه في حديثه، وذلك ربما لأن باكستان لا تقع في منطقة الشرق الأوسط. ومع ذلك، من شأن تقديرات فلين حول دور المدارس الإسلامية في نظام التعليم أن تكون مبالغا فيها إلى حد كبير.

وكانت وثيقة ظهرت في العام 2015 حول المدارس الدينية في باكستان قد كشفت أن هذه المدارس لا تمثل سوى 5 بالمئة من عدد المؤسسات التعليمية في البلاد و“حوالي 1 بالمئة من عدد المسجلين للدراسة بدوام كامل”.

ومثلت المدارس الإسلامية منذ فترة طويلة هدفا للانتقادات، من طرف شخصيات مثل فلين، من الذين ينظرون إليها على أنها منبع للتفسيرات المتطرفة للإسلام. ووصفت لجنة “11/9” المدارس الدينية بأنها “حاضنات التطرف العنيف”. وفي وقت سابق اعتبرها كولن باول أرضا خصبة “للأصوليين والإرهابيين”.

وفي حين أن أولئك الذين درسوا هذه الظاهرة اعترفوا بأن بعض المدارس تعلم أيديولوجية متطرفة ويمكن أن تعزز الطائفية بين الطلاب، ويقولون إن الصلة بين المدارس والإرهاب أقل وضوحا مما يتحدث عنه فلين.

وقال روبرت هيفنر، مدير برنامج جامعة بوسطن حول الإسلام، “بالتأكيد بعض المدارس، خصوصا في باكستان تشجع التفسيرات المتطرفة والمعادية للغرب انطلاقا من الإسلام، ولكن في جميع أنحاء الشرق الأوسط الكبير، هذه ليست أقلية.. إنها مجرد أقلية صغيرة”.

وقال علي رياض، أستاذ في جامعة ولاية إلينوي، كان قد درس في المدارس الدينية في جنوب آسيا، “أنا لم أر أي بيانات موثوقة تكشف أن المؤسسات التعليمية الدينية قد أنتجت عددا كبيرا من الإرهابيين العابرين للحدود”.

وأشار إلى أن عددا كبيرا من الإرهابيين الدوليين تلقوا تعليما عاليا، وأن بعضهم زاول تعليمه في كليات الهندسة.

وتدل إحصائيات تطرق إليها مقال نشرته مجلة “واشنطن كارتيرلي” عام 2006، لبيتر بيرغن، وهو مؤلف ومحلل للأمن القومي في شبكة “سي.أن.أن” الإخبارية، وسواتي باندي، على ذلك، وورد في المقال أن جميع الإرهابيين الذين خططوا لتفجير مركز التجارة العالمي عام 1993، وتفجير السفارتين الأميركيتين في أفريقيا عام 1998، وهجمات 11 سبتمبر 2001، وتفجيرات الملهى الليلي في بالي عام 2002، أو هجمات لندن عام 2005، يحملون شهادات جامعية، ولم يدرس أي منهم في المدارس الدينية. ومن بين الـ79 إرهابيا المسؤولين عن تلك الهجمات، هناك 11 بالمئة فقط درسوا في مدارس دينية.

وقال بيرغن لـ”سي.أن.أن. كافايل”، إنه ليس أمام الإرهابيين الدوليين العازمين على دخول الولايات المتحدة، سوى أن يكونوا ممن تلقوا تعليما ذا مستوى عال.

وأضاف أن “هذا النوع من التعليم الذي يمكّن من تحصيل شهادة المدرسة الدينية، يمكن أن يجعل من صاحبه جنديا جيدا في صفوف حركة طالبان، لكنه لن يسمح له بتخطي مصلحة الجوازات في مطار جون كنيدي”. وأفادت فير بأنه في الوقت الذي تعتمد فيه جماعات مثل حركة طالبان بشكل كبير على المجندين من المدارس الدينية، فإن جماعات مثل القاعدة لا تحبذ هذا الخيار.

لا يوجد أي بلد مسلم في الشرق الأوسط أو في أي مكان آخر يعتمد في الغالب على المدارس الدينية لتوعية شبابه

وتعرض فلين، الذي كان مدير وكالة الاستخبارات الدفاعية في الفترة ما بين عامي 2012 و2014، إلى انتقادات بسبب آرائه حول الإسلام خلال الحملة الانتخابية وخاصة بعد أن أعلن ترامب أنه سوف يكون مستشارا للأمن القومي في الإدارة الجديدة. وفي فبراير الماضي غرّد الجنرال المتقاعد قائلا “الخوف من المسلمين أمر عقلاني”. وأرفق تغريدته برابط لـفيديو يدّعي أن الخوف من الإسلام أمر عقلاني وأن الإسلام يريد استرقاق أو إبادة 80 بالمئة من البشرية.

واعتبر رياض أن وجهة نظر فلين حول المدارس الدينية “مقلقة للغاية”، مؤكدا أن السياسات القائمة عليها تخاطر بعزل الولايات المتحدة عن الدول الإسلامية في المعركة ضد الإرهاب. وأفاد بأنه “بالرجوع إلى هذا النوع من السياسة، نحن نعزل أنفسنا في هذه المعركة”. وقالت فير “لقد اكتشفت أن هذا الكلام لفلين ينم على قدر كبير من الجهل”.

وتظل تصريحات فلين دليلا قاطعا على تطرف الإدارة الأميركية الجديدة إلى جانب ما يعرف به ترامب من تشدد تجاه العرب والمسلمين وهو ما يثير تساؤلات جدية حول مستقبل التعليم في الدول العربية والإسلامية أمام قناعات أميركية تؤمن بأنه يخرج إرهابيين لا شبابا متعلما قادرا على تقديم الإضافة بالعلم والمعرفة.

17